أخبار
العدمية السياسية والعدمية الفكرية

في السنوات الأخيرة تبلورت في اللغة السياسية العديد من المصطلحات السياسية الجديدة التي تستجيب لحاجات التوصيف والتعبير عن النقاش والصراع السياسي من قبيل: التناوب التوافقي والانتقال الديمقراطي، والمال الحرام••• وفي إطار هذه الكوكبة من المفاهيم تطورت مفاهيم ذات طابع احترابي من قبيل الظلامية والاتجاهات العدمية والعدمية السياسية إلخ• وقد استعمل مفهوم العدمية السياسية في الأدبيات السياسية اليسارية للتعبير عن المتقاعسين والمنكرين والمتسائلين والمتشككين في جدوائية التحول من المعارضة الى السلطة، وانطلاق ما أطلقت عليه الأدبيات الاتحادية مسلسل التناوب أو التوافق والانتقال• مصطلح العدمية السياسية هنا يعني منكري التغيير والمشككين فيه، إما عن عمد وسبق إصرار أو بسبب الانغلاق في باراديغمات وتصورات ومقولات وتعارضات عفا عليها الزمن• وقد ساعدني مقال في بؤس الخطاب العدمي الذي كتبه الصديق محمد الحبيب طالب، على استجماع صورة العدمية السياسية في العديد من تلاوينها المغربية• فهي نزعة فردوية، انغزالية، ومزايدة محبطة تتسم بالمسطولية، والاستخفاف، والهجومية، والتعالم، والابتزاز والثرثرة السياسية، والنرجسية، والنزق، والشرود، والحقد والكراهية، والاستيهامات، ويقينية الجهلاء، والعبثية، والغثيان، والاستغباء، والاستعباط، والعمى، والخواء الروحي، والوجه الكالح والكابح للانتقال الديمقراطي، واللاعقلانية، والتغويل••• وهي لائحة استقيتها من هذا المقال دونما إضافة• ومقابل هذه اللوحة الكئيبة والسوداوي،ة يشع المقال بصورة أخرى زاهية ورائعة عن مناضلين حقيقيين يعرفون جيدا سياق الممكن التاريخي الواقعي، وعن الممثلين! العضويين! للمصالح الاجتماعية الكبرى!، وعن مئات المناضلين خريجي السجون والمنافي، وكل أشكال محن سنوات الرصاص، والذين لم يأخذوا من متاع الدنيا سوى العزة والكرامة• هذه الثنائية المانوية تحكم التصور السائد في المقال، ويبدو وكأنها رد على نفس الثنائية يرددها دعاة العدمية السياسية ويكررونها في اتجاه آخر وفق منطق ثنائي: الخير والشر، الابيض والاسود• والحق ان التحولات السوسيولوجية والسيكولوجية العميقة التي طالت الدولة والمجتمع، وتجربة اليسار في العقود الاخيرة، والمحكومة بالاندراج الحتمي والميكانيكي في العلاقات والآليات الرأسمالية المتوسعة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الفكري قد غيرت الكثير من المسلمات والتصورات والقيم الصافية القديمة، بما فيها ما يماثل هذه الصورة المثالية الطهرانية الساذجة، التي تعود مقولاتها المعرفية اللاواعية الى ما قبل نشوء العلوم الانسانية الحديثة، وفلسفة الشك والوجس التي ازدهرت بموازاتها، والتي تعتبر أن ماركس (بجانب نيتشه وفرويد) هو (جزئيا) أحد روادها لأنه ساهم في التشكيك في وعي الفاعل، وفي تطابقه مع نفسه ومع الصورة التمويهية الجميلة عن ذاته، والتي تدخل في ما كان يطلق عليه الوعي الزائف في صورتيه الفردية والجماعية• إن هذه الكائنات الرائعة التي يتحدث عنها الاستاذ الطالب بصدق وبحسن نية، هذه الكائنات العضوية المتماهية مع التاريخ ومع مصالح الجماعة كليا، هي مجرد وهم ذاتي أو فئوي، وهو مماثل في بنيته ووظيفته وأدائيته للوعي الذي نجده راسخا في ذهن ولاوعي الحاكم المستبد الذي يتماهى ـ وهميا ـ مع الوطن، والحزب، والتاريخ والأمة••• ويعتبر نفسه هو كل ذلك وأكثر• وتلك بالتأكيد تبريرات لاواعية راسخة تخدم نفسيا واجتماعيا المستبد وتزين له المزيد من الاستبداد• فالفاعل التاريخي أو المناضل، ليس ملاكا أو قديسا أو تجسيدا لعناية مجاوزة للتاريخ، بل هو، كبقية كائنات الله على وجه الارض، كائن من لحم ودم وحاجات عضوية ونفسية فهو يأكل ويجوع، ويلبس ويحتاج، تداهمه الشهوات والرغبات من كل صنف• فهو لا يشذ عن التعريف المعاصر للإنسان باعتباره كائن حاجات• لكن يجب الانتباه الى أن هذه الديناميات العضوية تتدثر وتقدم نفسها في الكثير من الحالات، ملفوفة في لفافات من العقائد والمثل والمبادئ والقيم الأخلاقية والدينية والإيديولوجية• وعلى المحلل الفطن والممارس الحذق أن يفك رموز هذا السلوك ليبين فيه كيفية اختلاط هذه المعطيات والمستويات، كما ان على الفاعل السياسي (إن كان متشبعا بالثقافة الحديثة) ان يعي هذه المحددات اللاواعية ليعقلن فعله وسلوكه السياسي أكثر• التصورات العلمية المستمدة من العلوم الانسانية الحديثة تنزع عن الأفراد كل ادعاء طهراني، وكل أمثَلة (أي إضفاء للطابع المثالي على الأفراد) بل تنظر إليهم باعتبارهم كائنات مجتمعية مشروطة ومحددة بشروط ومحددات بيولوجية ووراثية وتاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية يتفاعلون معها تلقيا وفعلا• كان الأنتروبولوجي الفرنسي الكبير مارسيل ماوس يرجع الأوهام والأساطير والمعتقدات والتمثلات الاجتماعية للشعوب الى أدائيتها ووظيفيتها بالنسبة للجماعة نفسها• فالمجتمع ـ كما يقول ـ يؤدي الثمن لنفسه من العملة الزائفة لأحلامه وتخيلاته• ويمكن أن نعمم هذا الحكم على الفرد نفسه وعلى الفاعل السياسي الذي يؤدي لنفسه الثمن مضاعفا عن طريق العملة الزائفة لتخيلاته وأحلامه وآماله إضافة ربما الى أثمنة عينية أخرى• والخلاصة أن الاخ الطالبي يعتبر أن العدمية السياسية هي أكثر الظواهر سلبية (وكلحا وكبحا وصلابة••) في عملية الانتقال الديمقراطي الجارية ببلادنا، ويلخص عناصرها في: أولا الخلط والتعميم المخل بين الهويات الحزبية المختلفة، وثانيا في التنكيد والتحيز في الحكم بين التقزيم والتضخيم بهدف شل فاعلية قوى التغيير، وغمط فعل القوى الموضوعية، وثالثا في العدمية الاقتصادية المنكرة لكل ما تحقق من منجزات• وقد خص الخطاب العدمي الاعلامي بقسط أكبر من الاهتمام• وقد كان الاخ الطالبي قد تحدث بمرارة من قبل عن وجه آخر من أوجه العدمية السياسية والمتمثل في نظره في الاستقالة الجماعية للمثقفين، وذلك في مقال له بعنوان: الرسالة الانتخابية• وهذه نقطة أخرى محط لبس كبير، وسوء فهم، وتجن في الاحكام آمل العودة إليها في مناسبة أخرى• في ختام هذه الخواطر أود أن أتوجه الى الاخ الطالب ـ وهو بالمناسبة من طينة نادرة من المناضلين الصادقين عز نظيرها، كما أنه من القلائل الذين يحملون هموما ثقافية وفكرية من بين كل المشتغلين بالسياسة ـ بالقول بأن من المطلوب منا جميعا ان نتعلم فن الإنصات وسيميولوجيا التفهم لقراءة الدلالات العميقة للمواقف المختلفة، وبخاصة للمواقف النقدية لفك شفراتها وتفهم تعبيراتها ودلالاتها الظاهرة والخفية بدل الإسراع بإدانتها وتجريمها، بل تخوينها ربما• خاصة وان هذه المواقف الجديدة ليست فقط حالات فردية نادرة، أو معزولة، بل تكاد تكون ـ أو يجب أن ننظر إليها ـ كظاهرة اجتماعية وسياسية يتعين التعمق في فهم أسبابها، وربما ولم لا! ربطها بما وقع في انتخابات 7 شتنبر، وبالتصويت العقابي والعزوف الانتخابي، وبما سمي أحيانا بالنكبة التي اتجهت معظم التحليلات الرسمية والخاصة مع الأسف الى إرجاعها الى عوامل خارجية (سلطة المال ـ الحياد السلبي للإدارة ـ التقطيع الانتخابي ـ الحملة الصحفية المضادة ـ غياب التزام النخبة المغربية••• غياب دور الوساطات التقليدية المألوفة (النقابات ـ الجمعيات ـ القطاعات الاجتماعية كالشبيبة والمرأة والمشاركة الحكومية••• إلخ) مع إغفال واضح لدور العوامل الذاتية والداخلية المتمثلة في ضمور النموذج الاخلاقي، وضمور الوضوح الفكري والتميز الإيديولوجي، واختلاط اللغة والبرامج السياسية، واستفحال آلية الاحتراق الداخلي والانشقاق والإبعاد••• وتضخيم الإيجابيات وإنكار السلبيات•••• وحماية الذات من أي تساؤل أو تشكيك، وتمجيدها بتمجيد كل أو بعض الفاعلين وتنزيههم عن النقد العقلي، الذي هو قوام الحياة الحديثة• ملحوظة: هذا المقال كتبه الأستاذ محمد سبيلا، وهو يرقد في مصحة لأمراض القلب والشرايين، بعد وعكة صحية ألمت به، ونحن إذ نقدر في الأستاذ سبيلا اهتمامه البالغ بما تمور به الحياة السياسية والثقافية لوطنه، نتمنى له الشفاء العاجل والعودة قريبا إلى قرائه••

محمد سبيلا



أدخل عنوانك الالكتروني للحصول على الرسالة الاخبارية :


الأرضية السياسية والمؤسسية
للمؤتمر الثامن
مداخلة الأستاذ أحمد الزيدي، رئيس  الفريق الاشتراكي بمجلس النواب
عبد الواحد الراضي: مصمم على مغادرة وزارة العدل،
حسن طارق: الراضي رجل التوافق والإجماع والطمأنة
عبد الواحد الراضي:
البيان العام الصادر عن المؤتمر الوطني الثامن
إدريس لشكر: على الراضي أن يكون قائدا للاتحاد لا كاتبا أول فقط
التحاق جماعي للكونفدراليين بفاس بالفيدرالية
المطلوب في مغرب اليوم
اقتراع 7 شتنبربين إرادة الشفافية وواقع العزوف: