 الأخوات و الإخوة أعضاء المجلس الوطني
أيها الحضور الكريم
أشكر الزميلات و الزملاء الصحفيين على استجابتهم لدعوتنا و حضورهم معنا في هذه الجلسة الأولى ، التي قررنا أن تكون منفتحة على الرأي العام الوطني، خصوصا و أننا نعيش أجواء انطلاق المبادرة الاتحادية من أجل الانفتاح. في البداية أتقدم إليكم جميعا بخالص التهاني و المتمنيات بمناسبة حلول شهر رمضان الكريم، أعاده الله عليكم و على ذويكم بموفور السعادة و الهناء. طبقا للنظام الداخلي للحزب، يتعين أن يقدم الكاتب الأول باسم المكتب السياسي تقريرا شاملا يكتسي صبغة تقييمية و توجيهية أمام المجلس الوطني، غير أن المسطرة لا تلزمني بأن أحتكر الكلمة وحدي أمامكم، ولا تمنعني من أن أفسح المجال أمام أخواتي و إخواني في المكتب السياسي، من أجل أن يساهموا في تقديم هذا التقرير حسب ما تقتضيه مهام المرحلة و جدول أعمال الدورة. لذلك فإنني سأكتفي بعرض موجز حول بعض القضايا الأساسية التي تستأثر باهتمام الرأي العام الاتحادي و الوطني، و التي ربما تتطلب بعض التوضيحات اللازمة، وسأطلب بعد ذلك من الأخ إدريس لشكر ودائما في إطار هذه الجلسة المفتوحة، أن يقدم أمامكم تقريرا حول الدخول البرلماني، و أن يتقدم الأخ محمد الأشعري بتقرير حول مبادرة الانفتاح، على أن يعرض عليكم الأخ عبد القادر باينة ورقة تخص المؤتمر الاستثنائي. أود أيها الإخوة الأعزاء، أن أتوجه باسمكم إلى أخي عبد الواحد الراضي بأصدق التهاني على انتخابه رئيسا للجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط، التي انعقدت في دورتها التأسيسية بعمان يومي 10 و 11 شتنبر الجاري. إن هذه الثقة التي حظي بها الأخ عبد الواحد الراضي بصفته رئيسا لمجلس النواب المغربي، هي ثقة تبعث على الفخر و الاعتزاز، وذلك نظرا للمكانة السياسية الرفيعة التي تحتلها هذه الجمعية باعتبارها مؤسسة تمثيلية تضم برلمانات حوض المتوسط، وتسعى إلى أن تكون فضاء للحوار السياسي، ومنتدى للتبادل و التشاور من أجل معالجة مشاكل المنطقة، و من أجل ترسيخ قيم الديمقراطية و حقوق الإنسان، و تعزيز الحوار بين الثقافات و الحضارات. وأعتقد أن رئاسة الأخ عبد الواحد الراضي لهذه الجمعية البرلمانية ستساعد كثيرا في المراهنة على الحوار و التفاهم كأسلوب لحل المشاكل وتجاوز الخلافات، خصوصا وأن هذه المنطقة أصبحت بؤرة لصراع تاريخي بدون حله حلا عادلا لا يمكن ضمان الأمن و الاستقرار في العالم بأسره، وأقصد الصراع العربي الإسرائيلي الذي يقف فيه المجتمع الدولي عاجزا أمام معاناة الشعبين الفلسطيني و اللبناني، و أمام غطرسة السياسة الإسرائيلية المدعومة من طرف الإدارة الأمريكية. فما أحوجنا اليوم في حوض المتوسط إلى حوار مستدام معمق و متعدد الأطراف، و ما أحوجنا إلى مبادرة إقليمية متوسطية تندرج في سياق مبادرة تحالف الحضارات التي أعلن عنها صديقنا الرئيس ثباطيرو أمام الدورة التاسعة و الخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة. ذلك أن تدهور الأوضاع في فلسطين المحتلة و تطورات الأزمة اللبنانية و تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، كل ذلك لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تفاقم مظاهر العنف و الكراهية، و يهدد بانتصاب جدار مانع بين ضفتي المتوسط، على غرار جدار برلين الذي كان يفصل بين أوربا الشرقية وأوربا الغربية. إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية انطلاقا من التزامه بالقضايا القومية العادلة، و انحيازه لمبادئ السلم و التضامن و الشرعية الدولية، لم يذخر جهده في القيام بكل المساعي التي كان يتطلبها الموقف سواء أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان، أو إزاء تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وانسداد الأفق السياسي أمام عملية السلام، وذلك من خلال تدخلاته و اقتراحاته في اجتماعات مجلس رئاسة الأممية الاشتراكية، و لجنتي الشرق الأوسط و البحر الأبيض المتوسط . لقد أصبح حزبنا يشكل مرجعا أساسيا في كل ما يصدر عن الأممية الاشتراكية من مواقف و مبادرات تخص القضايا العربية و الإسلامية و المغاربية، ونحن الآن بصدد مشاورات مع سكرتارية المنظمة و بعض الفرقاء الآخرين من أجل مبادرة جديدة، يمكن أن تساهم في إحياء عملية السلام و في أن تعيدها إلى مسارها، و في انتظار ذلك نتمنى أن يتوفق الأخ محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في أقرب الآجال، وأن ينجح في توفير شروط إنهاء المقاطعة الدولية التي تفرضها الولايات المتحدة و الاتحاد الأوربي على الحكومة الفلسطينية الحالية. إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي بات يحتل مكانة مرموقة على الصعيد الدولي، و يحظى بتقدير كبير من طرف هيئات حكومية و غير حكومية، لا ينسى أنه نفسه استمرار لحركة تحرر شعبية، وأن مبادئ التضامن و علاقات الأخوة تلزمه باتخاذ ما يمكن من المبادرات الداعمة لحركات التحرر العربية، ولكنها تدعوه أحيانا إلى التعبير عما يقتضيه السياق من موقف صريح لا يتوخى سوى المساهمة في إيجاد أنجع السبل لرفع المعاناة عن الشعوب العربية التي ترزح تحت نير العدوان والاحتلال. إن ما يحز حقيقة في أنفسنا، وما يبعث فينا مزيدا من القلق و الحسرة، هو تفاقم هذه النزعة الطائفية التي تعكر صفو الصراع و تشوش على عدالة القضية. ذلك أن تطويف الولاءات لا يمكن أن يترك أي اعتبار للانتماء إلى الوطن، بحيث يصبح الولاء للطائفة و ليس للوطن، و يوظف الرهان السياسي الخارجي كسلاح جماهيري ضد الأهداف المشتركة في بناء الدولة و تفعيل المؤسسات. إننا نعتقد أن الإشكال الرئيسي في تديين السياسة، يتجاوز مسألة إحلال المرجعية الدينية في الممارسة السياسة كما يدعي البعض، إن الأمر أخطر من ذلك بكثير، ذلك أن كل من يسعى إلى تطويف الهوية، أو يتوهم إعادة أسلمة المجتمع، لا يمكن إلا أن يستعدي الناس ضد بعضهم البعض، وأن يزرع بذور الحقد و الكراهية، و يشعل فتائل الفتنة و الحروب الأهلية. و إذا كنا ننبه إخواننا في المشرق العربي من مغبة السقوط في هذا التوجه الارتدادي، فإننا في المغرب لا يمكن إلا أن نعبر عن شديد امتعاضنا من بعض الذين جعلوا من أنفسهم أبواق دعاية لكل متطفل على شؤوننا أو متطاول على مؤسساتنا. إن الأمر لخطير جدا أيتها الأخوات و الإخوة، و الأخطر ما فيه هو هذا الإصرار العنيد البارد على التهليل لترهات أحد منظري الحركة الأصولية المشرقية بعد أن أساء للمغرب و قاسه على بلاد المهجر، وأفتى للمغاربة كأنهم أقلية في بلادهم، أو كأنهم في دار حرب خارج ديار الإسلام. لقد ألفناهم يتأسلمون على بلادهم، وألفناهم يزايدون على وطنهم، وهاهم اليوم يتمشرقون علينا بإعلان الولاء لمفتي الفضائيات و التهكم على علمائنا الأجلاء. بالأمس كان لنا موقف صريح وواضح غداة العمليات الإرهابية في الدار البيضاء، عندما طرحنا مفهوم المسؤولية المعنوية بكل شجاعة و هدوء، واليوم بعد تفكيك خلية أنصار المهدي و التورط في فضيحة هذه الفتوى، نقول إن المسؤولية المعنوية لازالت قائمة و سوف تبقى قائمة ولن نسكت عنها مادام البعض ينصب نفسه رقيبا على الناس، ومادام البعض يفرض ذاته وصيا على الأخلاق وعلى السلوك و الأذواق، ومادام هذا البعض يلمح بأن المغرب تجوز فيه لغير أهله الفتوى، أو أن المغرب يجوز فيه الجهاد. إن اضمحلال المرجعية الوطنية و طغيان الولاءات الملتبسة على الولاء الواضح و الحاسم للوطن ومؤسساته، أصبح يستدعي من كل الفاعلين السياسيين في بلادنا و من كل الديمقراطيين الغيورين، اتخاذ ما تلزمه خطورة الأمر من مواقف صريحة وشجاعة، ذلك لأن بلادنا الماضية بدون رجعة في مسارها الديمقراطي الحداثي أصبحت مهددة صراحة، بل ومستهدفة مباشرة، سواء من طرف الشبكات الإرهابية أو من طرف الحركات الظلامية. وإننا اليوم في الاتحاد الاشتراكي أصبحنا مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بأن العمل السياسي في بلادنا أصبح يتطلب إضافة للاحتكام إلى القانون، احتكاما واضحا إلى ميثاق وطني ضد الإرهاب و الشمولية، ميثاق وطني تناقشه الأحزاب الوطنية و تصادق عليه أمام الرأي العام الوطني، وسوف نبادر قريبا إلى تفعيل هذا الاقتراح مع إخواننا في الكتلة الديمقراطية. نعيش هذه الأيام على إيقاع عملية تطهير تخوضها الدولة على عدة مستويات، ومرة أخرى يتساءل الرأي العام الوطني هل يتعلق الأمر هذه المرة حقيقة ببداية مرحلة جديدة، مرحلة لا يسمو فيها أحد على القانون مهما علا شأنه، أم أن الأمر يتعلق بحملات موسمية تتحكم فيها اعتبارات ظرفية معينة ؟ إننا في الاتحاد الاشتراكي نتابع ما يجري على هذا الصعيد باهتمام، و نجدد تأكيد موقفنا الصريح و المبدئي من اخطبوط الفساد في كل مظاهره الاقتصادية و السياسية و الإدارية، غير أننا نلح على ضرورة أن تندرج المعالجة الحالية للملفات المعروضة على المحاكم، ضمن ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، في إطار استقلالية القضاء، وفي إطار الشفافية التامة، وفي إطار تحصين المؤسسات و تثبيت دعائم دولة الحق و القانون. لقد كنا نتمنى أن تشكل انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين مناسبة لفتح نقاش و طني حول حصيلة عمل هذه الغرفة، و حول آفاق تصحيح وضعها سواء من حيث طرق انتخابها أو من حيث الاختصاصات المخولة لها، غير أن طغيان الفساد الانتخابي ساهم بشكل حاسم في تغييب هذا النقاش، لينشغل الرأي العام الوطني بتتبع أخبار الرشاوي و حالات التلبس و التحريات القضائية، و ليتساءل عما تبقى من مصداقية لهذه الغرفة الثانية التي أصبحت ملاذا لتجار السياسة و مرتزقة الانتخابات. وهنا لا بد أن نوضح أمرا أساسيا، وهي إننا مثلما كنا بالأمس في المعارضة نناهض بقوة كل أشكال الفساد الانتخابي و تزوير إرادة الناخبين، كذلك نحن اليوم ندعو من داخل الحكومة إلى ضرورة التصدي لظاهرة شراء أصوات الناخبين، و كنا ملحين على ضرورة أن تتحمل الإدارة المعنية و السلطات المختصة كامل مسؤوليتها في المراقبة و التحري و إعمال القانون، و كنا ولازلنا نردد بقناعة بأن جريمة الفساد الانتخابي هي جريمة لا تقل خطورة عن جرائم الإرهاب و خيانة الوطن. لذلك فإننا اليوم نمتنع عن إبداء أي ملاحظة عن عينة المستشارين الذي يجري التحقيق معهم، و عن ملابسات تحريك المسطرة ضدهم، بل إننا نرفض تبادل أي رسائل مشفرة في هذا الشأن، لأننا نريد أن نتحمل كامل مسؤولياتنا السياسية و التنظيمية فيما سيقرره القضاء غدا بكامل النزاهة. وفي انتظار ذلك لا يسعنا إلا أن نهنئ اليوم إخواننا المستشارين الذين فازوا بثقة الناخبين الكبار في هذه الانتخابات، وأن نرحب بهم معنا في اجتماع مجلسنا الوطني هذا. لقد كانت المدة الفاصلة بين آخر دورة للمجلس الوطني و الدورة المنعقدة اليوم، حافلة بالأحداث السياسية و بالمنجزات التنظيمية بالنسبة لحياتنا الحزبية، فقد انخرطنا جميعا في تنفيذ قرارات المؤتمر الوطني السابع، حيث عقدنا سلسلة من المؤتمرات الجهوية، و أسسنا جمعية المستشارين الاشتراكيين، و كذلك المؤسسة الاشتراكية للأبحاث و الدراسات و التكوين، و الكتابة الوطنية للحزب، و أعطينا الانطلاقة للشروع في تحضير مؤتمر الشبيبة الاتحادية و مؤتمر القطاع النسائي الاتحادي، وأطلقنا المبادرة الاتحادية من أجل الانفتاح، و ساهمنا بفعالية في بلورة تصريح جديد للكتلة الديمقراطية، يشكل أرضية لانبعاث جديد و لمهام جديدة. ولعل أهم مهمة تعاهدنا في الكتلة الديمقراطية على إنجازها، هي المتعلقة بتقديم مذكرة مشتركة من أجل إصلاح الدستور في إطار التوافق مع جلالة الملك. ذلك أن مطالبتنا اليوم بتعديل الدستور الحالي هي بمثابة يد ممدودة لعاهل البلاد من أجل المضي في ترسيخ المؤسسات وتأمين الاستقرار، و التوجه بخطوات ثابتة نحو المستقبل. إن التحولات العميقة و المتسارعة التي يعرفها مجتمعنا، و اتساع مجال الحريات، و انتشار ثقافة المواطنة، و نضج المجتمع السياسي بصفة عامة، كل ذلك يجعل المسؤولية السياسية في أعلى مراتب الدولة تتخذ أبعادا مغايرة و تستدعي فتح آفاق جديدة ، آفاق تستلزم منا المساهمة في تحمل عبء المسؤولية في بلادنا،وفي تقاسم تحملات السلطة و الالتزام بفصلها و تراتبيتها. إننا على يقين تام بأن جلالة الملك يفهم المراد من قولنا، و يتفهم مقاصد مطلبنا، وهو يعلم أننا لا نطالب بتعديل الدستور لاعتبارات انتخابية عابرة، و إنما نريد دستورا يليق بأبناء المغرب الجديد، و يليق بفلسفة الحكم لدى العهد الجديد، دستورا من أجل مغرب قوي ديمقراطي و حداثي. إن كل المواقف الجريئة التي عبر عنها جلالة الملك، و كل المبادرات الشجاعة التي اتخذها، و كل الالتزامات التي عبر عنها في خطبه السامية، كانت تزيدنا اقتناعا بأهمية و ضرورة إدخال تعديلات على الدستور، تكون كفيلة بتأطير الحياة السياسية في بلادنا على أسس جديدة، أكثر ديمقراطية و أكثر ثباتا، و أكثر معقولية. إننا على يقين بأن أي تعديل دستوري يستجيب له جلالة الملك في هذا الاتجاه، ستكون له آثار سياسية طيبة لصالح بلادنا، وسيساهم بشكل قوي في تثبيت المزيد من الثقة بين الفرقاء، و سيشكل بالنسبة للمؤسسة الملكية إنجازا كبيرا، يعزز سلسلة الانجازات التي تحققت على يدها بإقرار مدونة الأسرة، و نشر تقرير هيئة الإنصاف و المصالحة. لا بد أن أختم هذه الكلمة بإشارة موجزة إلى التطورات الأخيرة لقضية وحدتنا الترابية، ففي اللحظة التي بدأت قضية الصحراء المغربية تحظى بمزيد من التفهم في مختلف المحافل الدولية، نلاحظ أن جبهة البوليساريو بدأت تدخل في نفق مظلم، نفق التصدعات الداخلية و انسداد الآفاق، بحيث أن القيادة الحالية للجبهة لم يعد أمامها سوى خياران اثنان : فإما المضي في تمديد عمر هذه الأزمة المفتعلة على حساب تردي الأوضاع الإنسانية في المخيمات، وإما التحرر من هيمنة النظام الجزائري، والعودة إلى الوطن من أجل الانخراط في صياغة حل سياسي تشاوري. وإننا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية باعتبار حزبنا استمرارا لحركة التحرير الشعبية، سنكون على أتم استعداد للمساهمة في تسهيل هذه المهمة بالنسبة لمواطنينا في جبهة البوليساريو، متى ما شاؤوا العودة إلى وطنهم معززين و مكرمين. وفي انتظار ذلك سيبقى المغرب ملتزما بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل نهائي متفاوض عليه لقضية الصحراء، وسيبقى في نفس الآن مستعدا لتقديم مشروع نظام حكم ذاتي يسمح لسكان الصحراء بتدبير شؤونهم في إطار السيادة الوطنية و الوحدة الترابية للمملكة المغربية. والسلام عليكم ورحمة الله. |