أكد الحسن لشكر، النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي بمجلس النواب،”أن الحكومة الجديدة لم تستغل بشكل جيد المعطيات والظروف الحالية التي كانت تصب لصالحها لإعداد قانون مالي يستجيب لطموحات وانتظارات المواطنين، بل عمدت إلى تكريس العديد من المفاهيم والتصورات التي لم تعد تساير المستجدات والرهانات المطروحة”. وأضاف المتحدث ذاته في ندوة وطنية نظمتها المدرسة العليا للأساتذة بتطوان بشراكة مع المركز المغربي للدراسات والأبحاث في الاقتصاد والتنمية المستدامة حول موضوع ” قراءة في قانون المالية لسنة 2022 ” ، أن  هناك اتفاقا حول الأهداف التي رسمت من خلال القانون المالي لهذه الحكومة، لكن لا نتفق حول الإجراءات والتدابير المتخذة لتحقيق هذه الأهداف لأن الضبابية التي تسودها لا تسمح بالوصول إلى ما يصبو إليه الجميع”.
إن إعداد قانون المالية لسنة 2022 ظل ناقصا في نظر الحسن لشكر”، لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار تقارير هيئة الحكامة ولا النموذج التنموي الجديد ولا تقارير عدة اشتغلت عليها هيئات وطنية ودولية ولا توصيات المناظرة الوطنية للجبايات التي جاءت بمنظور شامل يروم تحقيق العدالة الجبائية، ولا قانون الإطار المتعلق بالجبايات، الذي ينص على تشجيع الاستثمارات وتوسيع الوعاء، لكن ما يلاحظ من خلال قانون المالية أنه ينص على الرفع من الضريبة على الطبقة المتوسطة بالمقابل يخفضها على الشركات الكبرى، وهذا ما يضرب في الصميم مخرجات المناظرة الوطنية للجبايات ويشجع على التهرب الضريبي”.


وعاد عضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب إلى “استحضار السياقات العامة التي كان على الحكومة الأخذ بها، والمرتبطة بإعداد قانون المالية، من ذلك أن العالم دخل في مرحلة التعايش مع الجائحة من خلال فتح الباب أمام انفراج اقتصادي دولي ،ومن تم وضع مخططات وبرامج فعالة قادرة على مواجهة الصعوبات، كما أنه على المستوى الإقليمي فوضعيتنا في الصحراء المغربية في تحسن كبير، كما أن جميع اتفاقيات الشراكة يجب أن تشمل، لأول مرة وبفعل دبلوماسية جلالة الملك، أقاليمنا الجنوبية، كما أن المغرب استطاع أن يجلب مستثمرين أجانب لإقامة مشاريع بالصحراء المغربية، وهي شرعية قانونية ودولية تفتح مجالات عديدة للتطور والانطلاق نحو أفق أكثر استشرافا، كما أنه على المستوى الوطني هناك انفراج سياسي كبير يعيشه المغرب، حيث منذ 1956 لم نتفق على نموذج تنموي محدد، لكن بفعل نضالات الشعب المغربي وقواه الحية استطاع المغرب أن يتجاوز العديد من المراحل الصعبة بنجاح قصد الوصول إلى وضع سياسي ديمقراطي”، وكل هذه المعطيات، يقول الحسن لشكر،” كانت تصب في صالح الحكومة الجديدة، لكنها لم تستغلها بالشكل الذي يسمح لها بوضع آليات ومنطلقات لرسم معالم التطور والازدهار، كما فعلت حكومة التناوب، التي وضعت قطيعة مع ما كان سائدا آنذاك من مفاهيم وتصورات كانت تعيق مسار التطور الاقتصادي والاجتماعي”.


لشكر، وهو يحلل مجموعة من النواقص التي تعتري قانون المالية، توقف “عند قطاع التعليم باعتباره قطاعا حيويا ويشتغل على استراتيجية واضحة المعالم والأهداف. حيث أن وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة كان رئيسا للجنة النموذج التنموي الجديد، وقبل ذلك كان وزيرا للداخلية وسفيرا، وبالتالي فهو شخصية تعرف دهاليز الدولة ودواليبها، والنموذج تحدث بإسهاب كبير عن التعليم الأولي وأهميته القصوى كخدمة عمومية مبنية على العدالة والاستدامة، لكن بالمقابل فالميزانية المخصصة لهذا القطاع هي نفسها التي كانت في الميزانية السابقة تم تحيينها في ما يتعلق بالأرقام فقط، لكن على مستوى الأهداف والآفاق فهي ثابتة، لكونها لا ترسم أهدافا واضحة للنهوض بهذا القطاع”، ويزيد لشكر شارحا هذه النقطة ” إن التعليم الأولي عبارة عن حجرات شيدت بالمدرسة العمومية وتم التعاقد مع جمعيات للقيام بعملية التعليم من خلال جلب مؤطرين والتعاقد معهم، مع العلم أن هذا التعليم يقدم خدمة عمومية وكان من الأجدر أن تقوم به الدولة وليس الجمعيات، عوض تركه للعشوائية”، متسائلا “هل بهذه الوضعية سنعمل على تطوير هذا القطاع وضمان فعاليته “. وزاد لشكر بقوله “اليوم هناك 25 ألف شخص يشتغلون في هذا المجال وكان على الوزير أن يرسم أهداف هذا التعليم وكيف سيتم العبور به نحو مرحلة جديدة، وكذا الكيفية التي سنتعامل مع الأطر والعاملين بالتعاقد”، مشيرا إلى أنه تم خلق مشكل اجتماعي لأن هناك عجزا في بلورة تصور واضح عن كل وضعية على حدة، والحلول الترقيعية أنتجت فراغا كبيرا في هذا القطاع”.


وخلص الحسن لشكر إلى أن ” المغرب تنتظره تحديات كبرى ولا يمكن أن يتوجه إلى المستقبل بنفس الرؤى والتصورات السابقة التي كانت لها نتائج جد سلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي. والحكومة الحالية  فقدت البوصلة لعدم استغلالها للظروف والسياقات التي كانت تصب في صالحها” .
ومن جانبه استهل محمد السوعلي عرضه بالإشارة “إلى كون قانون المالية والنموذج التنموي الجديد نسخة طبق الأصل، على مستوى العناوين والمحتوى، لكن لا يوجد أدنى تشابه في ما يخص التنفيذ والتفعيل، وأن قانون المالية له دراسات متعددة في الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبشري، وكل القراءات لهذا القانون تختلف عن بعضها، لكن يؤطرها ما هو سياسي لكون روح هذا القانون هو السياسة، التي تحدد الأهداف على ضوء المعطيات القائمة للحكومة التي أصر المتحدث ذاته على وصفها بحكومة جديدة \قديمة بحكم تواجد من كان يرأس لجنة النموذج التنموي الجديد وكذا من كان يتحكم في قطاع يعتبر من أهم القطاعات وهو الفلاحة فضلا عن عدة قطاعات أخرى ارتأى المحاضر ذاته أنه لا مجال لذكرها، وفي نظر محمد السوعلي فقانون المالية هو امتداد للحكومة السابقة متسائلا في نفس الآن :”ماذا أضافت هذه الحكومة للقانون المالي الذي تم في عهد سعد الدين العثماني؟


وأشار السوعلي إلى أن ” الحماية الاجتماعية هي مشروع ملكي تم إدراجه في الميزانية، وأن قانون المالية ركز على الحكامة والإدارة وعقلنة الموارد البشرية لكن لا يمكن الحكم عليهم إلا من خلال المحتوى” .
ذات المحاضر أوضح” أنه دائما في الجانب النظري وخلال إعداد الميزانيات نضع سؤالا حول طبيعة وخصوصية هذه الميزانية”، هل هي ميزانية استثمارية؟ وللإجابة عن هذ السؤال طرح سؤالا آخر: هل بهذه الميزانية سنتحكم في الناتج الخام الداخلي حتى لا يظل مرتبطا بالأمطار، وبالتالي نتجه إلى الصناعة والتطور الاقتصادي المرتبط بالتكنولوجيا؟ وخلص محمد السوعلي إلى” أنه من خلال المعطيات الرقمية المتضمنة في هذه الميزانية لا يتضح أنها ميزانية استثمارية لأن الرقم المخصص للاستثمار يقل بكثير عن المبلغ لاسترجاع الديون العمومية” .


هل هي ميزانية اجتماعية؟ يتساءل السوعلي مرة أخرى، “بمعنى هل قانون المالية لسنة 2022 له الصفة الاجتماعية بحكم ارتباطه بتنزيل الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية وتطوير التشغيل من خلال 26 ألف منصب عمل معظمها مخصصة للأمن والدفاع علما أن 5000 منصب هو من نصيب قطاع الصحة، الذي واجه صعوبة كبيرة خلال الجائحة وعليه الآن مواجهة 22 مليون مغربي الذين يتوفرون على التغطية الصحية، حيث أن عدد المستشفيات ومراكز الاستشفاء والمصحات لا يمكنها أن تغطي حاجيات هذه الفئة المستهدفة، وبالتالي فهذه الميزانية ليست اجتماعية، كما أنها ليست ميزانية التوازنات المكرو-اقتصادية لأن هناك توازنا مفقودا بين الإيرادات والنفقات، فمجموع النفقات تصل إلى 57 مليار دولار والإيرادات تصل إلى 51 مليار دولار مما يؤشر على عجز في الميزانية يصل إلى 6.5 بالمائة، وإذا أضيف عليه الدين العمومي فهذا العجز قد يصل إلى 9.6 بالمائة علما أن نسبة النمو هي 3.2 بالمائة مما يعني أن الحكومة قد تلجأ إلى القروض لتغطية وتنفيذ برامجها “.


وتابع محمد السوعلي بقوله” قد يقول البعض إنها ميزانية تضامنية، أي مبنية على قطاعات اجتماعية وثقافية والحال أنها ليست كذلك”، مستحضرا مدينة تطوان التي ظلت خارجة عن ميزانية الدولة، حيث أن تطوان تريد أن تؤسس اقتصادا ثقافيا، وهذا غير متواجد بتاتا في قانون المالية. وأكد المتحدث نفسه” أن الحديث عن ميزانية قطاعية ومجالية غير وارد أيضا، بحكم أنها لا تنبني على الذكاء الاقتصادي والمجالي والترابي، بسبب الاعتمادات الهزيلة المخصصة للجهات، وهو ما يتضح  أن التوجه لا يزال ممركزا”، ليخلص المتحدث إلى خلاصة مفادها “أن مشكل الميزانية هو مشكل بنيوي يتطلب تغيبرا في العمق، بدأ من القانون التنظيمي الذي يسمح بتحضير آليات ناجعة لإعداد الميزانية”، واعتبر الدكتور السوعلي “أن من يقول إن قانون المالية 2022 تم إعداده في ظروف استثنائية كلام غير مقبول باعتبار أن مجموعة من الدول الأوروبية أعدت قانونها المالي على أساس التضامن والآليات الجديدة التي يمكن اعتمادها لتطوير اقتصادها ما بعد جائحة كورونا “.


هذا وختم عرضه بالتطرق” إلى بعض الفرضيات التي تم اعتمادها لإعداد الميزانية من قبيل المحصول الفلاحي80 مليون قنطار من الحبوب، إذ أن الميزانية برمتها تم إعدادها وفق هذه النسبة، متسائلا في حالة تأخر الأمطار ما مصير ذلك؟ وعرج كذلك على سعر البوطان 450 دولار للطن، وكذا سعر النفط الذي وصل حاليا إلى 82 دولار للبرميل، مؤكدا” أن الحكومة عليها أن تفكر حاليا في قانون تعديلي للميزانية لأن هناك عجزا ينتظرها قد يصل إلى 5.9 من الناتج الداخلي الخام، علما أن نسبة النمو هي 3.2 بالمائة ولا توجد أي دولة في العالم، يضيف السوعلى” تريد تنمية مستدامة بهذه النسبة المخصصة للنمو، حيث كان على هذه الحكومة أن تخصص نسبة النمو في 5 بالمائة كما أكد على ذلك جلالة الملك محمد السادس”،  وخلص السوعلي إلى ” أن الفرضيات التي تم اعتمادها في إعداد الميزانية مغشوشة وغير قادرة على تلبية الطموحات والرفع من التحديات”.


وفي موضوع حول “سياق وظروف وأبعاد التدابير الضريبية في مشروع قانون مالية 2022 ” استعرض الأستاذ الباحث في الشؤون المالية والميزانية كريم لحرش، خلال هذه الندوة التي دارت أشغالها بقاعة الندوات محمد الرامي يوم السبت 28 نونبر الجاري، بعض المراحل التاريخية، التي مر منها التدبير العمومي المالي متوقفا عند مرحلة ما بعد الاستقلال التي تميزت بطابع تحديثي في تقنيات التدبير المالي للدولة المغربية منذ ظهور أول قانون تنظيمي للمالية لسنة 1963 ليعقبه بعد ذلك العديد من القوانين التنظيمة المالية .


وتوقف الباحث ذاته عند ” بعض السياقات العامة المحيطة بظروف إعداد الميزانية الحالية، والتي ركزت في نظره على بعدين تنموي وحمائي، لينتقل بعدها إلى دراسة أهم التدابير الضريبية التي حملها هذا المشروع. حيث أشار لحرش إلى أن القانون نص على مجموعة من التخفيضات والزيادات حيث عمد إلى تخفيض السعر الأعلى للضريبة على الشركات من 28 في المائة إلى 27 في المائة بعدما سبق تخفيضه من 31 بالمائة إلى 28 بالمائة مما جعل السعر الأعلى للضريبة ينخفض في ظرف ثلاث سنوات بأربع نقاط مئوية. من جهة أخرى يضيف لحرش أن المشروع قد أدخل تعديلات جوهرية على طريقة احتساب الضريبة إذ أعاد العمل بمعدلات التضريب التناسبية عوض التصاعدية، وهو ما من شأنه أن يضر بالمقاولات الصغيرة وينعكس جليا على القدرات الاستثمارية لهاته المقاولات بالنظر إلى مبلغ الضريبة المستحق، الذي يرتفع بشكل كبير بالانتقال من شطر لآخر، أما على مستوى كل من الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة فإن مشروع قانون مالية 2022 لم يتضمن أي إصلاحات جوهرية كبرى “.


وعبر الباحث عن أمله في أن يقوم مشروع قانون مالية 2022 بالتنزيل الفعلي لقانون الإطار المتعلق بالإصلاح الجبائي، وذلك بهدف تحقيق العدالة الجبائية وضمان المساواة وتعزيز الحقوق المتبادلة ببن الملزمين والإدارة وتعبئة كامل للإمكانيات الضريبية لتمويل السياسات العمومية وإصلاح المنظومة الجبائية بما يخدم تعزيز الحكامة الجبائية الفعالة والناجعة .


وكان مدير المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل زهير العمراني قد أشار، في افتتاح هذه الندوة الوطنية التي أدار أشغالها عاصم وكيلي عسراوي وعرفت حضور النائبين البرلمانيين عن دائرة تطوان ودائرة المضيق الفنيدق حميد الدراق  وعبد النور الحسناوي ، إلى أن هذه الندوة مناسبة لطرح مجموعة من التساؤلات على المهتمين والخبراء بخصوص قانون المالية لسنة 2022  لتقديم إجابات شافية حول ما قد يثير الانشغالات لدى  الرأي العام، وأكد العمراني أن الحكومة الجديدة لها من التحديات الكثير، وهي مطالبة بإيجاد كافة الحلول للإشكالات المطروحة خاصة في الشق الاجتماعي كالتعليم والشغل والصحة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مواضيع ذات صلة

عبد الكبير الحدان: التركيز على النيل من الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي هو فقط محاولة لإضعاف هذا الحزب اليساري العتيد وضرب من ضرب هدم اليسار المغربي

تصريح المناضلين لحظة التوافق بالإجماع على انتخاب المؤتمرين باقليم سطات

القيادة الحزبية بين السياسة والتكنقرطة

عسراوي يطرح موقفه من الولاية الثالثة لادريس لشكر ويعلق على نتائج الانتخابات بتطوان