بقلم نور الدين الزوبدي

في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، لم تعد الصراعات الدولية مجرد أخبار عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى عامل مباشر يضغط على معيش المواطن المغربي ويعيد تشكيل واقعه اليومي، فكل توتر جيوسياسي جديد، كيفما كان موقعه، سرعان ما يجد صداه في الأسواق الوطنية، ارتفاعًا في الأسعار، وتراجعًا في القدرة الشرائية، واتساعًا في دائرة القلق الاجتماعي.
لقد دخل الاقتصاد الوطني مرحلة حساسة، لم تعد فيها الهزات الخارجية استثناءً، بل قاعدة شبه دائمة، من تقلبات أسعار الطاقة إلى اختلال سلاسل التوريد، تتوالى الصدمات في سياق دولي غير مستقر، بينما يظل الداخل الوطني في وضعية استقبال سلبي لهذه التداعيات، دون امتلاك ما يكفي من أدوات التخفيف أو الحماية.
هنا تحديدًا، يطرح السؤال الجوهري: أين تقف السياسات العمومية من كل هذا؟ وأي دور تؤديه الحكومة في حماية المواطنين من هذا المدّ التضخمي المتصاعد؟ فالحكومة التي قدمت نفسها باعتبارها “اجتماعية”، تبدو اليوم، في نظر فئات واسعة، عاجزة عن مواكبة التحولات، أو مترددة في اتخاذ قرارات جريئة لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية، بل إن استمرار منطق التدبير النيوليبرالي، القائم على ترك الأسعار لمنطق السوق، يفاقم الإحساس بأن المواطن تُرك وحيدًا في مواجهة تقلبات لا يتحكم فيها.
في هذا السياق، جاءت مداخلة إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال المؤتمر الثاني لقطاع التجار والمهنيين، لتكسر هذا الصمت، وتضع الأصبع على مكمن الخلل، لم يكن الأمر مجرد توصيف للوضع، بل تحذير صريح من استمرار التدهور، ودعوة واضحة إلى تغيير المقاربة، فقد دق ناقوس الخطر بشأن تراجع القدرة الشرائية، مسلطًا الضوء على غياب رقابة فعالة على بعض القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها سوق المحروقات.
إن دعوة الاتحاد الاشتراكي إلى تبني “يقظة اقتصادية” ليست ترفًا خطابيًا، بل ضرورة سياسية واجتماعية واقتصادية. إنها دعوة إلى الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، ومن الاكتفاء بتدبير الأزمات إلى العمل على توقعها والتقليل من آثارها قبل وقوعها. فاليقظة الاقتصادية تعني بناء قدرة الدولة على الرصد والتحليل والتدخل السريع، بما يضمن حماية التوازنات الاجتماعية في زمن الأزمات المفتوحة.
كما أن هذه اليقظة تقتضي إعادة الاعتبار لدور الدولة كفاعل منظم وضابط، لا كمراقب من بعيد، فلا يمكن الحديث عن حماية القدرة الشرائية في ظل غياب رقابة صارمة على الأسعار، أو في ظل تساهل مع مظاهر الاحتكار والمضاربة، كما لا يمكن تحقيق العدالة الاقتصادية دون سياسات عمومية تضع في صلب أولوياتها دعم الفئات المتوسطة والهشة.
ومن زاوية أخرى، فإن الفئات المنتجة، من تجار صغار وحرفيين ومهنيين، ليست فقط ضحية لهذه التحولات، بل هي أيضًا ركيزة أساسية لأي تعافٍ اقتصادي ممكن، غير أن هذه الفئات تواجه اليوم ضغطًا مزدوجًا، ارتفاع التكاليف من جهة، وتراجع الطلب من جهة أخرى، ما يهدد توازنها واستمراريتها في غياب إجراءات داعمة واضحة.
إن المغرب اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: إما الاستمرار في نفس الاختيارات التي أثبتت محدوديتها، أو الانخراط في مراجعة عميقة تعيد التوازن بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية، وفي هذا السياق، تبدو “اليقظة الاقتصادية” التي يدعو إليها الاتحاد الاشتراكي خيارًا عقلانيًا ومسؤولًا لتفادي الأسوأ.
وفي نهاية المطاف، فإن حماية القدرة الشرائية ليست مجرد ملف اقتصادي، بل هي عنوان للاستقرار الاجتماعي وشرط أساسي للحفاظ على الثقة في المؤسسات، وأي تأخر في التقاط هذه الإشارات، لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين المواطن والسياسات العمومية، لذلك، فإن المرحلة تفرض وضوحًا في الرؤية، وجرأة في القرار، وإرادة حقيقية لوضع مصلحة المواطن في صلب كل اختيار اقتصادي.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

استقرار بلا مردود : حين يتحول الإنجاز السياسي للحكومة إلى سؤال تنموي محرج

رحيل صوت برلماني اتحادي ملتزم… النزهة أباكريم ومسار الترافع من داخل المؤسسة التشريعية

الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية يطالب بعقد اجتماع طارئ للجنة البنيات الأساسية حول حوكمة سوق المحروقات

الكاتب الأول يستقبل الوفد المشارك في مؤتمر «اليوزي»