عاد الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، ليضع القطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في قلب النقاش العمومي، وذلك من موقع مساءلة الفجوة المتسعة بين ما يُعلن من تصورات وما يتحقق على أرض الواقع.
ففي تعقيب، في جلسة المساءلة الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة حول أدوار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، انطلق الفريق الاشتراكي من السؤال التالي: لماذا تنجح بعض التجارب حين تتوفر الرؤية والانسجام، بينما يظل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني حبيس نوايا حسنة لا تترجم إلى سياسات فعالة؟
وجاء في التعقيب أنه من حيث المبدأ، لا يختلف أحد حول القيم المؤسسة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، من تضامن وتكافل وتعاون وإنصاف، وهي قيم متجذرة في الثقافة المغربية، شكّلت عبر التاريخ آليات لتنظيم العيش المشترك، وتدبير الموارد، وتنظيم الحِرَف والأنشطة الفلاحية والتجارية. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد تفرض، بحسب الفريق الاشتراكي، الانتقال من استدعاء هذه القيم كتراث رمزي إلى تقعيدها كسياسات عمومية واضحة، تجعل من الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ركيزة للإدماج الاجتماعي، ورافعة للإنتاجية، وآلية لتوسيع مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وأداة لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
في هذا السياق، عبّر الفريق عن قلقه من الهوة المتنامية بين الخطاب الحكومي والواقع المعيش لمكونات هذا القطاع. فاقتصاد التضامن لا يمكن أن يتطور بمعزل عن محيط اقتصادي عام يتسم، وفق قراءة المعارضة، بتواضع معدلات النمو، وضعف الإنتاجية، وتراجع مشاركة النساء في سوق الشغل، إلى جانب تآكل القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وضغوط المالية العمومية في ظل تصاعد المديونية وتعثر عدد من الأوراش الهيكلية.
ويرى الفريق الاشتراكي أن سوء تقدير الرهانات الحقيقية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني يعكس قصورا في فهم الواقع الاقتصادي والاجتماعي، مما مما أفضى إلى سياسات وإجراءات منفصلة عن حاجيات المواطنات والمواطنين. وفي مقابل ذلك، برزت فئة محدودة تستفيد من آليات التحفيز والتمويل والتغطية القانونية، مستفيدة من تداخل الاختصاصات وتضارب المصالح، بما ساهم في تكريس ما وصفه التعقيب بثقافة الريع السريع، بدل بناء أسس اقتصادية صلبة تعالج الأعطاب البنيوية للاقتصاد الوطني.
الجانب الاقتصادي، وفق التعقيب، يظل نقطة ضعف أساسية في التجربة الحكومية الحالية، ليس فقط من حيث المؤشرات، بل أيضا من حيث انعكاساته الاجتماعية. فنجاحات جزئية أو تجارب معزولة، على أهميتها، لا يمكن تحويلها إلى واجهة تبريرية لقطاع لا يزال في طور البحث عن موقعه الحقيقي داخل المنظومة الإنتاجية، ولا عن دوره في خلق القيمة المضافة وتوزيع عائداتها بشكل عادل.
ومن هذا المنطلق، سجل الفريق الاشتراكي أن الحكومة لم تستثمر بالشكل الكافي الإمكانات التي يتيحها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لتعزيز التماسك الاجتماعي، والمساهمة في النمو، ومحاربة التفاوتات والإقصاء. كما لم يتم تفعيل ما يوفره هذا القطاع من فرص حقيقية لاستيعاب أنشطة القطاع غير المهيكل، في أفق تنموي ذي بعد إنساني، يقوم على التشاركية والتآزر بدل المقاربات الظرفية والانتقائية.
ويخلص التعقيب إلى أن الحديث عن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وفق خصوصيته المغربية، يستدعي إعادة الاعتبار للأدوار المحورية للتعاونيات والتعاضديات والجمعيات، لا كهوامش اجتماعية، بل كفاعل اقتصادي كامل، يحتاج إلى رؤية مندمجة، وحكامة واضحة، وإرادة سياسية تجعل من التضامن خيارا تنمويا فعليا، لا مجرد شعار في خطاب المساءلة.
إلى ذلك، شدد الفريق الاشتراكي– المعارضة الاتحادية على أن النقاش حول الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لم يعد يحتمل مزيدا من التزيين الخطابي، ولا يصلح أن يُستعمل كواجهة لتلميع الحصيلة الحكومية، في وقت يكشف فيه الواقع عن غياب الإرادة السياسية، وارتباك الرؤية، وتشتت القرار العمومي.
من منظور المعارضة الاتحادية، فإن هذا القطاع، الذي يُفترض أن يشكل رافعة للتنمية والعدالة الاجتماعية، لا يمكن أن يُبنى بالتصريحات ولا بالنوايا الحسنة، بل بسياسة عمومية واضحة، موحدة، وقابلة للتنفيذ والتتبع. غير أن ما يطبع التجربة الحكومية الحالية، بحسب التعقيب، هو الإخلال بالالتزامات المعلنة، والعجز عن توفير الحد الأدنى من الشروط الكفيلة بتمكين الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من أداء أدواره الحقيقية داخل النسيج الإنتاجي.
وسجلت المعارضة الاتحادية أن هذا القطاع لا يزال رهينة تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات، وغياب إطار قانوني جامع، إلى جانب إحداث مؤسسات دون تقييم جدي لنجاعتها، واستمرارها دون أثر ملموس على الفئات المستهدفة. إذ بدل التوجه نحو التجميع والعقلنة وضمان النجاعة، اختارت الحكومة منطق التشتت، بما ترتب عنه هدر للزمن والموارد والفرص، وإفراغ السياسات العمومية من فعاليتها الاجتماعية.
ولتقريب الصورة أكثر، استحضر التعقيب وضعية بعض الجهات ذات المؤهلات الكبيرة والإكراهات المركبة، مثل جهة درعة تافيلالت، التي كان من الممكن أن يشكل فيها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة حقيقية للإدماج الاقتصادي، وتثمين الموارد المحلية، ومحاربة الهشاشة، لولا غياب المواكبة، وضعف التنسيق، وغياب رؤية ترابية مندمجة.
ولا يقف الأمر عند حدود الحكامة والتنظيم، بل يمتد إلى منظومة التمويل والجبايات، التي ما تزال، بحسب المعارضة، غير عادلة وغير منصفة، إذ تُعامل التعاونيات والتعاضديات والجمعيات بالمنطق نفسه الذي تُعامل به المقاولات الربحية، دون مراعاة لطبيعتها الاجتماعية، ولا لدورها في الإدماج والتشغيل والتنمية المحلية. وهو ما اعتبره الفريق تناقضا صارخا بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.
وفي مواجهة هذا الواقع، ذكّر الفريق الاشتراكي بأنه نبه، في مناسبات متعددة، إلى أن الاختلال الاقتصادي يشكل نقطة الضعف الأساسية في أداء الحكومة، وأن إنكار الواقع الاجتماعي لا يغيّره. واليوم، تضيف المعارضة، تأتي الأرقام لتؤكد هذا التشخيص، في ظل توسع غير مسبوق للقطاع غير المهيكل، الذي يضم أكثر من مليوني وحدة إنتاجية، ويستوعب نحو ثلث التشغيل غير الفلاحي، ويُبقي مئات المليارات من الدراهم خارج الدورة الاقتصادية المنظمة.
أمام هذا المعطى، يطرح الفريق تساؤلات مباشرة: أين هي سياسات الإدماج؟ وأين هو الدور المنتظر للاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تحويل هذا الواقع؟ وأين تتموقع الحكومة من هذا النزيف الاقتصادي والاجتماعي الذي يقوض أسس التنمية الدامجة؟
ويخلص الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية إلى أن التنمية الدامجة لا تُبنى بتزييف الواقع أو بتطويع الأرقام لخدمة الطموحات السياسية، أو بإحالة المسؤولية على الظرفية أو السياق الدولي، بل بقرارات شجاعة، وإصلاحات حقيقية، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة. وهو ما يعتبره الفريق غائبا في تدبير الحكومة لملف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، في وقت تقترب فيه الولاية الحكومية من نهايتها..
21 يناير 2026
مواضيع ذات صلة

الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية يصوت ضد مشروع الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان حفاظا على حقوق الموظفين والمرتفقين

بعزيز ينتقد منهجية المحكمة الدستورية في فحص مشروع قانون المسطرة المدنية ويطالب برقابة دستورية شاملة

هذا ما قاله الكاتب الأول خلال الحفل الذي نظمته الكتابة الإقليمية بمناسبة السنة الأمازيغية بالحي الحسني

تعليقات الزوار ( 0 )