في إطار اليوم الدراسي الذي نظمه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خصص محور كامل لمناقشة الإشكالات الاقتصادية الراهنة التي يعرفها المغرب، في ظل سياق يتسم بتباطؤ وتيرة النمو، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الفوارق الاجتماعية والمجالية، واستمرار هشاشة النسيج الإنتاجي الوطني أمام التحولات الدولية والضغوطات الداخلية.
وقد شكل هذا المحور مناسبة لطرح تشخيص نقدي للوضع الاقتصادي الراهن، وتقديم مقترحات بديلة تنطلق من مرجعية اجتماعية ديمقراطية تراهن على العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية في آن واحد.

عبد اللطيف كمات: اختلالات بنيوية ونمو لا ينعكس على عيش المواطنين

أكد عبد اللطيف كمات استاذ باحث متخصص في تحليل التحولات الاقتصادية الوطنية والدولية، في مداخلته ، أن الاقتصاد الوطني يعيش مفارقة واضحة بين تسجيل نسب نمو ظرفية في بعض القطاعات، وبين استمرار تدهور المؤشرات الاجتماعية المرتبطة بالتشغيل والدخل والقدرة الشرائية. واعتبر أن النمو القائم لا ينعكس بشكل مباشر على تحسين شروط عيش فئات واسعة من المواطنين، بسبب اختلالات بنيوية في النموذج الاقتصادي المعتمد، الذي لا يزال يركز على قطاعات ذات قيمة مضافة محدودة من حيث خلق فرص الشغل المستقرة.
وأشار المتدخل إلى أن السياسات العمومية الاقتصادية الحالية لم تنجح في بناء قاعدة إنتاجية وطنية قوية قادرة على امتصاص البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، داعياً إلى إعادة توجيه الاستثمار العمومي نحو القطاعات المنتجة والمقاولات الصغرى والمتوسطة، مع تبسيط المساطر وتحفيز المبادرات المحلية بدل الاقتصار على جذب الاستثمارات الكبرى المعزولة عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي.

محمد جذري: المغرب يواصل تنفيذ نموذج تنموي طموح لمستقبل 2035

أكد الخبير في السياسات الاقتصادية والمالية، محمد جذري، أن المغرب يمتلك لأول مرة رؤية اقتصادية واضحة ومحددة زمنياً، تتجسد في النموذج التنموي الجديد في أفق 2035، الذي يهدف إلى تعزيز النمو المستدام وتقليص التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وأوضح جذري أن الرؤية الاقتصادية الوطنية تراهن على تحقيق التحول الطاقي بحلول 2030، زيادة مشاركة المرأة في سوق الشغل، إنتاج مليوني سيارة، واستقطاب 26 مليون سائح.
وأشار إلى أن المغرب يمر اليوم بالثلث الأول من تنفيذ هذه الرؤية، إلا أن الأمر يتطلب تسريع وتيرة البرامج والمشاريع لتحقيق التنمية ونسب النمو المستهدفة، خاصة في ظل تحديات تتعلق بالماء والطاقة والاستثمار والحكامة.
وفي محور الطاقة، شدد الخبير على أن المغرب يواجه إشكاليات كبيرة تتعلق بالميزان التجاري للطاقة بين الصادرات والواردات، لكنه أشار إلى أن المملكة تمتلك إمكانات هائلة في الطاقات المتجددة، ما يستدعي الاستثمار في التخزين والبنية التحتية والتكوين المهني لضمان أقصى استفادة من هذا القطاع الحيوي.
وتبقى الرؤية التنموية الجديدة، وفق جذري، خريطة طريق حقيقية للمغرب نحو اقتصاد أكثر استدامة وابتكاراً، يوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويعزز تنافسية المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

خالد اشيبان: اختلالات بنيوية تعرقل الصناعة المغربية رغم النجاحات القطاعية

أكد الخبير الاقتصادي والمحلل في السياسات العمومية الاقتصادية خالد الشيبار أن واقع الصناعة بالمغرب لا يزال يعاني تعثراً بنيوياً، على الرغم من النجاحات المحققة في عدد من السلاسل الصناعية الواعدة. وسجل وجود فجوة واضحة في الرؤية وتكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، ما يحدّ من الأثر الشامل للسياسات الصناعية على الاقتصاد الوطني.
وأوضح أن أجندة الدولة أبانت عن تقدم ملحوظ في قطاعات استراتيجية، من قبيل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، غير أن هذا التقدم لم ينعكس بما يكفي على سوق الشغل. إذ لا تزال البطالة ذات طابع بنيوي، خاصة في العالم القروي والقطاع الفلاحي الذي يعرف فقداناً متواصلاً لمناصب الشغل، في مقابل محدودية قدرة القطاع الصناعي على امتصاص اليد العاملة وخلق فرص عمل مستدامة.
وانتقد المتدخل هشاشة النسيج المقاولاتي الوطني، ولاسيما المقاولات الصغيرة والمتوسطة، معتبراً أن ضعف التأطير وغياب رؤية حكومية مندمجة لدعم هذه الفئة من المقاولات يقوض إمكاناتها في الإقلاع والإسهام الفعلي في التنمية وخلق القيمة المضافة.
كما توقف عند استمرار عجز الميزان التجاري، داعياً إلى مراجعة بعض اتفاقيات التبادل الحر بما يخدم المصلحة الاقتصادية الوطنية، والعمل على تنويع الشركاء والأسواق الخارجية. وفي السياق ذاته، نبّه إلى أن هاجس القدرة الشرائية للمواطنين يظل غائباً عن السياسات الصناعية الحالية، مؤكداً على ضرورة إدماجه ضمن أهداف هذه السياسات، إلى جانب أولوية خلق فرص الشغل والحد من البطالة.
وختم بالتأكيد على أن تجاوز الأعطاب البنيوية يمر عبر تحقيق انسجام حقيقي بين أجندة الدولة وتوجهات القطاع الخاص، بما يضمن نجاعة أكبر للسياسات العمومية الصناعية وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي أوسع.

مصطفى العيسات: المغرب بين تحديات الجفاف وحكامة الموارد المائية: ضرورة مراجعة السياسات الفلاحية

أكد مصطفى العيسات، الخبير البيئي المتخصص في حكامة الموارد المائية والتنمية المستدامة، أن إدارة الشأن المائي في المغرب انطلقت منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، عبر سياسة بناء السدود التي هدفت إلى ضمان الأمن المائي والغذائي، محققة نتائج إيجابية رغم محدودية الإمكانات الاقتصادية آنذاك.
وأشار العيسات إلى أن العالم يعيش اليوم ضغطًا متزايدًا بسبب التغيرات المناخية، وما يرافقها من فقر مائي، مبرزًا أن الدولة خصصت حوالي 144 مليار درهم لبناء سدود كبرى في مناطق مختلفة من البلاد. كما أشار إلى أن الربط المائي بين الأحواض، رغم تأخره، ساهم في التخفيف من تفاقم الأزمة.
واستعرض العيسات في مداخلته التحديات التي تواجه القطاع، مسجلاً التأخير في الربط المائي وبناء السدود، فضلاً عن أن مخطط المغرب الأخضر لم يحقق النتائج المرجوة، ما يستدعي مساءلة الجهات المعنية. وأوضح أن تأثير الجفاف انعكس على فقدان مناصب الشغل وتراجع الأراضي الزراعية، مؤكدًا أن السياسة الفلاحية المستقبلية يجب أن تراعي التوازنات البيئية والمدخرات المائية لضمان استدامة التنمية.
أجمعت المداخلات الأربع على أن الوضع الاقتصادي الراهن يتطلب جرأة سياسية في اتخاذ قرارات إصلاحية عميقة، تتجاوز الحلول الظرفية إلى معالجة الأسباب البنيوية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية. كما أكدت على مركزية العدالة الاجتماعية في أي إصلاح اقتصادي ناجع، وعلى ضرورة استعادة الدور الاجتماعي للدولة، وتقوية آليات الحكامة والشفافية، وربط السياسات الاقتصادية بأهداف اجتماعية واضحة، على رأسها التشغيل، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق المجالية.
وقد أبرزت النقاشات أن البديل الاقتصادي الذي يدافع عنه الاتحاد الاشتراكي يقوم على تصور يزاوج بين دعم الاستثمار المنتج، وإنصاف الفئات الاجتماعية المتضررة من التحولات الاقتصادية، وبناء اقتصاد وطني قوي قادر على تحقيق النمو العادل والاستدامة الاجتماعية، بما يعيد الثقة للمواطن في جدوى السياسات العمومية وقدرتها على تحسين واقعه المعيشي.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الاتحاد الاشتراكي يناقش الإصلاح الاجتماعي: من العدالة الصحية إلى التنمية المجالية

الإصلاح السياسي في ميزان النقد: تشخيص جريء وأسئلة حارقة في اليوم الدراسي للاتحاد الاشتراكي

التنمية العادلة: الاتحاد الاشتراكي يفتح نقاش الإصلاحات الكبرى في أفق البرنامج الانتخابي

كلمة الكاتب الأول في اجتماع قطاع التعليم العالي ..