رسالة الاتحاد
«الوضع في غزة كان بالإمكان تفاديه بالكامل»، بهذه الجملة الصارخة، وضع الخبراء الأمميون حدا لأي التباس: المجاعة التي أعلنها نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) ليست كارثة طبيعية، ولا نتيجة لعوامل مناخية أو نقص عالمي في الغذاء، بل هي مجاعة مصنوعة بقرار سياسي، ونتاج مباشر لسياسة حصار وتجويع تستهدف المدنيين الفلسطينيين.
لقد دخلنا مرحلة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط، حيث تعلن الأمم المتحدة رسميا عن مجاعة قائمة:
نصف مليون إنسان يواجهون الجوع والموت في ظروف كارثية..
أكثر من 132 ألف طفل دون سن الخامسة مهددون بسوء تغذية حاد، بينهم 41 ألف على حافة الموت..
اللجنة الأممية تؤكد بوضوح أن هذه المجاعة «من صنع الإنسان بالكامل»، ما يعني أن الاحتلال يتحمل مسؤولية مباشرة عن هذه الجريمة.
هذا الإعلان لا يترك أي مجال للحياد الزائف أو المواقف الرمادية، فالموت جوعا لمئات الآلاف لا يمكن تغطيته بخطابات تقنية أو لغة دبلوماسية باردة، نحن أمام جريمة إبادة بطيئة تنفذ بسلاح التجويع، في تحد سافر للقانون الدولي، وفي إهانة صارخة لكل ما راكمته البشرية من قيم ومعاهدات بعد الحرب العالمية الثانية..
في مواجهة هذا الانتهاك المروع، تتعالى أصوات هنا وهناك تسائل: ما جدوى ثقافة حقوق الإنسان؟ ألم تثبت هشاشتها أمام منطق القوة والمصالح؟
إن هذا السؤال في جوهره مضلل، فالانتهاك لا يلغي الحقوق، بل يؤكد ضرورتها، وخرق المواثيق لا يبطل مشروعيتها، بل يكشف الحاجة الملحة إلى التشبث بها، والنضال من أجل تفعيلها، تماما كما أن وجود الجريمة لا يسقط معنى العدالة، بل يبرز أهميتها..
لقد وجدت ثقافة حقوق الإنسان لتكون الحصن الأخير أمام الانحدار إلى عالم الغاب، وكلما تم دوسها بالأقدام، كلما برهنت أنها كانت، ولا تزال، الأداة الأنجع لمقاومة القهر والاستبداد والإبادة.
المفارقة المأساوية أن البشرية، وهي تحتفل بعقود من «تقدم حقوق الإنسان»، تقف عاجزة أمام صورة طفل فقد القدرة على المشي بسبب سوء التغذية، هذه الصورة التي التقطها المصور أحمد جهاد العريني (وكالة الأناضول) ونشرتها لوس أنجلوس تايمز، أصبحت اليوم وثيقة إدانة لضمير عالمي اختار الصمت.
كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن القيم الكونية، فيما يترك نصف مليون إنسان يواجهون المجاعة المحققة؟ كيف يمكن للنظام الدولي أن يتبجح بـ»حماية المدنيين»، فيما يحول الجوع إلى سلاح سياسي، ويترك الأطفال للموت يفتك بهم..
لقد بات واضحا أن حقوق الإنسان تعامل بانتقائية فجة، فحين يتعلق الأمر بأوكرانيا مثلا، تتحرك المؤسسات الدولية بسرعة البرق، ويفرض الحصار وتسن العقوبات، وتعقد المؤتمرات العاجلة، أما حين يكون الضحية فلسطينيا، فإن القوانين تعلق، والعهود تفرغ من مضمونها، والضمير الغربي يتلعثم وراء خطاب «التوازن» و»التعقيد»..
لكن هذه الازدواجية، مهما بدت صادمة، لا ينبغي أن تدفعنا إلى التخلي عن ثقافة الحقوق، بل على العكس، يجب أن تجعلنا أكثر إصرارا على انتزاعها من براثن التوظيف السياسي، وإعادتها إلى جوهرها: الدفاع عن الإنسان أينما كان، وأيا كانت هويته.
إن الانتصار لحقوق الإنسان في غزة اليوم لم يعد مسألة فلسطينية محضة، ولا قضية شرق أوسطية فحسب، إنها قضية كونية تمتحن الضمير الإنساني بأسره، فإذا قبل أن يجوع شعب حتى الموت في وضح النهار، فلن يكون أي شعب في مأمن غدا.
لذلك، فإن واجبنا، كقوى ديمقراطية وتقدمية، ليس هو التباكي على انهيار القيم، بل الإصرار على استعادتها، فالتجويع جريمة والصمت تواطؤ والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في دولته مسألة وجودية.
ختاما، إن التراجع عن الدفاع عن حقوق الإنسان بدعوى أنها «وهم» أو «شعارات» هو استسلام خطير لمنطق القوة العارية، المطلوب ليس التخلي عن هذه الثقافة، بل الإصرار على تعميقها وترجمتها إلى التزامات عملية، ومقاومة ازدواجية المعايير التي تبررها حين يكون الضحية فلسطينيا أو عربيا أو إفريقيا..
تعليقات الزوار ( 0 )