تقدّم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمقترح قانون يرمي إلى إحداث هيئة قضايا الدولة، في إطار تفعيل الفصل 159 من دستور المملكة، وذلك خلال الجلسة التشريعية العامة المنعقدة يوم الثلاثاء 27 يناير 2026.
يروم هذا المقترح إرساء هيئة مستقلة تُعنى بترسيخ الحكامة القانونية الجيدة داخل المرافق العمومية، والوقاية من المخاطر القانونية، وحماية المال العام، وتمثيل الدولة والدفاع عن مصالحها أمام القضاء الوطني والدولي وهيئات التحكيم، سواء بصفتها مدعية أو مدعى عليها. وفيما يلي نص المداخلة :

إن المقترح الذي نتقدم به في المعارضة الاتحادية يهدف إلى إحداث هيئة قضايا الدولة، في إطار الفصل 159 من الدستور، الذي أكد على إمكانية إحداث مؤسسات وهيئات للضبط والحكامة الجيدة، وذلك بهدف ترسيخ الحكامة القانونية الجيدة داخل المرافق العمومية لوقايتها من المخاطر القانونية، والدفاع عنها أمام المحاكم الوطنية والأجنبية وأمام هيئات التحكيم الوطني والدولي في جميع الدعاوى والمنازعات سواء كانت فيها مدعية أو مدعى عليها.
والهدف من مقترح القانون هذا هو إلى إحداث هذه الهيئة لتحل محل الوكالة القضائية للمملكة التي عانت وما زالت تعاني من الضعف في مواجهة الارتفاع المهول للكلفة المالية والسياسية المترتبة عن المنازعات القضائية التي تكون الدولة وجماعاتها ومؤسساتها طرفا فيها،والتي غالبا ما تصدر بشأنها أحكاما قضائية تستنزف ماليتها العمومية وتعرقل تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن زعزعة الثقة العامة فيها.
ولأجل ذلك وعوض إيجاد حلول بنيوية كفيلة بمعالجة إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية، وتصون في ذات الوقت مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه كما نص على ذلك الفصل السادس من الدستور،تم ابتكار قواعد قانونية شاذة ومخالفة للدستور جاءت بها قوانين المالية في الحكومة السابقة والحكومة الحالية، هدفها تعطيل تنفيذ هذا النوع من الأحكام القضائية، على النحو الذي يهدد الأمن القضائي ويخدش هيبة الأحكام القضائية.
ولقد عاينا في الفريق الاشتراكي هذا الضعف الذي يطبع عمل الوكالة القضائية للمملكة، ويحول بينها وبين قدرتها على المساهمة في تكريس دولة القانون وترشيد السلوك القانوني للمرافق العمومية وحماية المال العام، انطلاقا من تفاعلنا مع توصيات مختلف المؤتمرات الدولية التي شاركت فيها المملكة المغربية، خاصة تلك المتعلقة بهيئات وإدارات قضايا الدولة، وكذا تلك المتعلقة بالوقاية من الفساد ومكافحته؛ أهمها المؤتمر السادس لهيئات وإدارات قضايا الدولة الذي نظمته الدولة المغربية بالرباط سنة 2007، والذي أوصى بضرورة إحداث هيئة مستقلة تتكلف بتدبير المنازعات العمومية.
وانطلاقا من هذا التفاعل، قمنا في الفريق الاشتراكي بتشخيص مظاهر الضعف الذي يطبع عمل الوكالة القضائية للمملكة في عدة مستويات أهمها، هشاشة الإطار القانوني المحدث والمنظم لها والذي يعود لفترة الحماية والذي لم يعد يساير مختلف التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المملكة المغربية، حيث تم إحداث مؤسسة العون القضائي للدولة الشريفة بموجب الظهير الشريف المؤرخ في 7 يناير 1928، وهي المؤسسة التي تم إعادة تنظيمها بموجب الظهير الشريف المؤرخ في 2 مارس 1953، والتي أخذت فيما بعد، بموجب قوانين أخرى مشتتة، تسمية الوكالة القضائية للمملكة.
وفضلا عن هذا السبب التشريعي، فإن لضعف مؤسسة الوكيل القضائي للمملكة أسباب أخرى ترتبط أساسا بتبعيته للسلطة التنفيذية، التي من المفروض أن يدقق في سلوكها القانوني ويساهم تبعا لذلك في ترشيده، وكذا بالصلاحيات والاختصاصات المخولة له بموجب إطاره القانوني، إذ يغيب فيه كل اختصاص يسمح له بالقيام بدور فعال في وقاية المرافق العمومية من المخاطر القانونية.
إضافة إلى ذلك، سجلنا في المعارضة الاتحادية محدودية مجالات تدخل الوكالة القضائية للمملكة، والتي تساهم هي الأخرى في تعميق أزمة المنازعات القضائية للدولة ومؤسساتها، حيث لا تتعدى صلاحيات الوكالة القضائية للمملكة نسبة 10 في المائة من المجموع الإجمالي لهذه المنازعات، وذلك اعتبارا لاستثناء ظهير 2 مارس 1953 المنازعات الضريبية ومنازعات أملاك الدولة من تدخل الوكالة القضائية للمملكة،وأيضا كون لجوء باقي الإدارات للدفاع القضائي للوكالة القضائية للمملكة يبقى اختياريا وليس إلزاميا، حيث يمكن لها الاستغناء عنها بانتداب موظف تابع لها.
من هذه المنطلقات، وإيمانا منا بروح المبادرة إلى تقديم البدائل لتحسين تدبير الشأن العام ولو كنا في موقع المعارضة، فقد بادرنا في الفريق الاشتراكي منذ الولاية التشريعية التاسعة إلى تقديم هذا المقترح انسجاما مع المبادئ الحديثة التي جاء بها دستور 2011، خاصة مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والوقاية من الفساد ومحاربته.
لكن للأسف، قامت الحكومة آنذاك برفضه والتضييق عليه، بل وإفشال تقديمه في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان آنذاك.والأكثر من ذلك، في الوقت الذي رفضت فيه تلك الحكومة مقترح القانون، صرح مسؤول إداري منتدب من طرف الحكومة آنذاك في مؤتمر هيئات قضايا الدولة المنعقد ببيروت أن للحكومة مشروع قانون إحداث هيئة قضايا الدولة؛ والحال أن ذلك لم يكن صحيحا، لأن الحكومة لم تكن تتوفر آنذاك على أي مشروع من هذا القبيل،ومقترح القانون الوحيد الذي كان موجودا هو مقترح الفريق الاشتراكي آنذاك والذي عارضته تلك الحكومة، مما زاد من تعميق أزمتي المنازعات القضائية للدولة وإشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها.
وهو ما رصده المجلس الأعلى للحسابات في تقريره في نونبر 2015 بشأن تقييم تدبير المنازعات القضائية للدولة، حيث أصدر توصيات تتماشى في مبادئها مع المبادئ التي اعتمدناها في الفريق الاشتراكي لتقديم المقترح؛ ولكن للأسف تجاهلته الحكومة آنذاك كما تجاهلت تقارير مؤسسة وسيط المملكة برسم سنتي 2012 و2013، والذي دق من خلالها ناقوس الخطر حول أزمة المنازعات القضائية للدولة بصفة عامة وإشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها بصفة عامة.
وتشبثا منا بمقترح القانون هذا، خاصة مع التوجيهات السديدة لجلالة الملك في خطابه السامي بمناسبة عيد العرش المجيد لسنة 2022، بشأن إطلاق ورش إصلاح عميق للقطاع العام من أجل معالجة الاختلالات الهيكلية للمؤسسات والمقاولات العمومية، والرفع من فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية،وأيضا مع دعوة جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 9 أكتوبر 2020 الحكومة للقيام بمراجعة جوهرية ومتوازنة للقطاع العام.
وتجسيدا للاقتناع الراسخ بأهمية المقترح، قمنا في المعارضة الاتحادية بتقديمه مرة أخرى خلال الولاية التشريعية الحالية.
لكن، ورغم أن هذا المقترح يتضمن إصلاحا شاملا وعميقا من شأنه أن يساعد الحكومة في تنزيل برنامجها الحكومي، إلا أنها تعاملت معه بمنطق الرفض الذي تعلنه أمام كل المبادرات البناءة للمعارضة، ومنطق التغول في التضييق على المساحات التشريعية المتاحة للمؤسسة البرلمانية والمعارضة.
وهذا ما يؤكده التناقض والازدواجية في المعايير التي تعتمدها الحكومة في تعاملها مع موضوع المنازعات القضائية للدولة وإشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها؛ ذلك أنه في الوقت تجاهلت الحكومة هذا المقترح وقامت برفضه عبر أغلبيتها العددية، نجدها تواصل هدر زمن الإصلاح، من خلال تنظيمها، عبر وزارة الاقتصاد والمالية، خلال شهر أبريل من سنة 2025 للمناظرة الوطنية الأولى حول تدبير منازعات الدولة والوقاية منها والتي أصدرت في جلستها الختامية حوالي أربعين توصية هادفة في منظورها الشمولي إلى إصلاح المنظومة القانونية والمؤسساتية لهذه المنازعات العمومية.
إن الذي يثير الاستغراب ويؤكد منطق التغول لدى الحكومة المرتكز على رفض مبادرات المعارضة، أن جل التوصيات الصادرة في هذه المناظرة الوطنية تجد جوهرها ومنطلقاتها في مقترح القانون الذي تشبثنا في الفريق الاشتراكي بطرحه ؛ بل وأكثر من ذلك، كانت الحكومة في غنى عن تنظيم هذه المناظرة طالما أنه توجد تقارير صادرة عن مؤسسات دستورية كالمجلس الأعلى للحسابات ومؤسسة وسيط المملكة التي سبق لها وأن أصدرت توصيات تتقاطع في شموليتها مع المبادئ التي يرتكز عليها مقترح فريقنا بشأن إحداث هيئة قضايا الدولة لتحل محل الوكالة القضائية للمملكة.
من المهم ونحن نتقدم بمقترح القانون هذا، أن نعيد التذكير بأن المملكة المغربية سبق لها المصادقة على العديد من الاتفاقيات والقرارات اتجاه العديد من المنظمات الدولية، منها اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب والتي تفرض على الدول الأعضاء إحداث هيئات متخصصة في مكافحة الفساد، وعلى الأخص تلك التي لها اختصاص ذي طبيعة قضائية ينيط بها إقامة الدعاوى أمام المحاكم الأجنبية الرامية إلى استرجاع الأموال المنهوبة أو إلى المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بمصالح وحقوق الدولة المغربية من جراء جرائم الفساد؛ ومنها أيضا القرارات المتخذة في إطار مجلس وزراء العدل العرب التي صادق عليها المغرب والقاضية بالمصادقة على توصيات مؤتمرات رؤساء هيئات أو إدارات قضايا الدولة، والتي من أهمها تلك التي تحث الدول الأعضاء التي لا توجد بها هيئة قضايا الدولة على إحداثها كهيئة مستقلة.
ونظرا للدور الريادي الذي تضطلع به هذه الهيئات في محاربة الفساد وتكريس أسس الحكامة الجيدة عبر توطيد مبدأ المشروعية وترشيد السلوك القانوني لمرافق الدولة ووقايتها من المخاطر القانونية، عملت العديد من الدول على تكريس الاستقلالية العضوية والوظيفية لهذه الهيئات.
ويمكن الإشارة في هذا الصدد، إلى النموذج الأمريكي الذي أحدث مؤسسـة المحامـي العام الذي يمثل الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية ويتم تعيينه من قبل الرئيس ويتمتع بالعضوية داخل ديوانه، والنموذج الإيطالي الذي أحدث مؤسسة محامـي الدولـة التابع مباشرة لمجلس الوزراء والمكلف بالدفاع عن مصالح الدولة أمام المحاكم الوطنية بالتعاون مع مجلس الدولة، والنموذج المصري الذي أحدث هيئة قضايا الدولة وجعل منها هيئة قضائية مستقلة، والنموذج الأردني الذي أحدث إدارة قضايا الدولة، والنموذج الإسباني الذي أحدث هيئة قضايا الدولة كهيئة مستقلة مكلفة بالدفاع والاستشارة وتوجيه الإدارة بغية تجنيبها سلبيات إقامة النزاع أمام القضاء.
واستنادا إلى كل ما سبق، يتأكد أن متطلبات الحكامة الجيدة تبرز الحاجة الملحة لإحداث هيئة قضايا الدولة في نطاق تطبيق الفصل 159 من دستور 2011، من أجل وقاية المرافق العمومية من المخاطر القانونية والمساهمة الفعالة في محاربة الفساد وتفعيل قاعدة ربط
بالنظر إلى أهمية مقترح القانون الذي نتقدم به في المعارضة الاتحادية من أجل المساهمة في الارتقاء بالمجهود البرلماني في مجال التشريع والرفع من مستوى الحصيلة التشريعية الضعيفة للحكومة التي تشكل فيها الاتفاقيات جزء مهما، فإننا نعبر عن أسفنا الشديد لرفض الحكومة لمقترح متكامل يهدف إلى محاربة الفساد وتعزيز الحكامة العمومية، ونتأسف على عدم التفاعل الحكومي الإيجابي مع مقترحات القوانين التي تقدمت بها المعارضة طيلة هذه الولاية البرلمانية. إننا بالفعل أمام حكومة متغولة أضعفت المنسوب الديمقراطي المفروض تكريسها في هذه المؤسسة الدستورية، حكومة لا تجيد إلا رفع ورقة الرفض أمام المبادرات الجادة للمعارضة الاتحادية، حكومة تؤكد مرة أخرى أنها لا تمتلك الجرأة لمحاربة الفساد كما ظهر منذ بداية الولاية الحكومية حين قامت، دون أي تشاور أو توضيح، بسحب مجموعة من مشاريع قوانين تهم في أغلبها تكريس النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد، ولم نلمس إلى اليوم أية إرادة لإعادة إيداعها لأننا لم نتلق أي جواب من الحكومة عن تساؤلاتنا حول مآلها.
سيسجل التاريخ أنكم حكومة ضيقت من المساحات التشريعية والرقابية المتاحة أمام المعارضة البرلمانية في خرق ضرب واضح للحقوق التي ضمنها لها دستور المملكة.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الفريق الاشتراكي يقدم مقترح قانون يرمي إلى إحداث هيئة قضايا الدولة

سعيد بعزيز: الحكومة تتهرب من مسؤوليتها في حماية الطفولة وتحملها لوكالة جديدة

معارضتنا الاتحادية، المحكمة الدستورية والإعلام .. لا نخشى في الحق لومة خصم أو صديق

هذا ما قاله الكاتب الأول خلال اجتماع اللجنة الإدارية الوطنية