رفع الكاتب الأول الخطاب السياسي للحزب في كلمة ألقاها أمام المجلس الجهوي بالدار البيضاء، إلى مستوى التشخيص الواقعي والاستراتيجية المستقبلية مركزا على التحديات الوطنية والإقليمية، وعلى أهمية تعزيز دور الجهة في المشهد السياسي، واستعرض ما تحقق من إنجازات وطنية تحت القيادة الملكية…
قال ادريس لشكر:«نحن اليوم في اجتماع حزبي مؤسس على قاعدة الصفة والموقع التنظيمي الذي يتواجد فيه أي واحد… لسنا في مهرجان ولا تجمع جماهيري مفتوح، لذا من المفيد جدًا أن نتحلى بصفة الإنصات والتركيز.
أنا شخصيًا كنت قد هيأت كلمة لأتلوها عليكم، ولكن فكرت، نظرًا للسياقات المتسارعة في البلد، فكرت فارتأيت أنه يستحسن أن ننفتح على بعضنا ونتحدث فيما يجري بالوطن، وبخاصة في هذه الجهة، وفي حزبنا كذلك، بما يضمن أننا نحضر تحضيرًا جيدًا.
أولًا، نحن في سياق سنوات عجاف مرت على بلادنا، والحمد لله تخطينا تلك الانتظارية والإحالة والاتكالية والسنة الفلاحية… نشكر الله تعالى الذي أكرم بلدنا بأمطار خير جيدة، نأمل أن تستمر على «قدر النفع»، وهنا لا بد أن نكون مسؤولين، فإلى حدود الساعة، ونحن نتابع ونراقب، لا بد أن نسجل أنه بفضل التوجيهات الملكية السامية؛ بلادنا تقدم نموذجًا في تدبير كارثة من هذا الحجم… نحيي أطرنا الشابة المسؤولة في السدود، وفي الأرصاد الجوية، وفي مجموعة من المناحي التي لها علاقة بأمطار الخير…
لا يمكن كذلك إلا أن نسجل بشكل إيجابي تدبير القوات المسلحة الملكية، والإدارة الترابية، والبنية التقنية التي، والحمد لله، أهلت بلادنا في مختلف الإدارات 24 ساعة/24 ساعة ليكونوا في مستوى هذا الصمود وفي مستوى هذا التدبير…
لا يجب أن نكون عدميين، ونحن نتتبع ونشهد… نؤكد بكل مسؤولية أن النظرة الاستباقية لجلالة الملك جعلت من بلادنا نموذجًا فيما يتعلق بتدبير هذه الكوارث، وهي مناسبة للتعبير عن تضامننا ودعمنا ومساندتنا لأبناء منطقة الشمال والغرب على صمودهم، وعلى انضباطهم، وعلى تحملهم الآثار الصعبة لطوفان الأمطار، ولمساهمة المواطنين وانخراطهم في التعليمات التي تعطى للمواجهة، والتي عملت على إنجاح هذا الصمود إلى يومنا هذا.
في ظل هذه الأزمة نحاول أن نستقرئ واقع المشهد السياسي لبلادنا؛
بصراحة، سرني جدًا أن أرى رئيس الحكومة وهو يوقع قبل 48 ساعة مع شركات أمريكية صفقة تتجاوز في منطلقها 4 مليارات ونصف دولار. هذه الشركات بصدد مشروع جبار وكبير، والذي لربما هو السبب فيما تعيشه مناطقنا الجنوبية… هو الهيدروجين الذي ستكون له القاعدة الأساسية هي العيون، وأن تنخرط رساميل ألمانية وإسبانية وأوروبية بشكل عام، وأن تنخرط رساميل دولية في هذا المشروع الاستراتيجي، الذي هو مشروع للسكان، ليس أمرًا هينًا.
وأن يأتي هذا المشروع بتتبعنا لقاءات في الأمم المتحدة، وموقف الاتحاد الأوروبي الإجماعي لتجاوز الأزمة التي تعرفها المنطقة بالإقرار بالحكم الذاتي، وأن تكون الولايات المتحدة الأمريكية هي الراعية للمفاوضات، وأن تحدد لها، لأول مرة، سقفًا هو الحكم الذاتي…
كل هذا يعني أننا لم نعد نلتقي خارج موضوع السيادة المغربية… وأن يقع كل هذا، لا يمكن لنا كمغاربة، ونحن في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلا أن نفرح ونغتبط، ونقول بكل مسؤولية بأن بلادنا خرجت من عنق الزجاجة الذي ظلت تراوح فيه 50 سنة منذ أن طرحت القضية الوطنية… اليوم يمكن أن نقول بأن العالم اصطف معنا بوضوح، بإقراره السيادة المغربية على كافة التراب الوطني، وبتأكيده على دعم الحكم الذاتي.
ولنا كذلك أن نعتزّ، اقتصاديًا وتعاونيًا إفريقيًا، إذ إن مشروع الهيدروجين بالعيون، وميناء الداخلة، والمشروع الكبير الذي طرحته بلادنا بخصوص غاز إفريقيا، كلها مؤشرات تؤكد أن قضية السيادة المغربية اليوم، في مساراتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية والسيادية، تعكس خروج المغرب من عنق الزجاجة، وبلوغه مستوى من الندية، بطبيعة الحال.
وهذا ليس للاستعراض أو الفرح والاغتباط، بل لنجعله ضمن حساباتنا السياسية؛ فالحكم الذاتي يعني تغيير الدستور، ويعني، غدًا، جهات ليست كالجهات السابقة. وسيكون الأمر صعبًا على الدار البيضاء، بعد 31 أكتوبر وبعد التقرير، لأن هذا اليوم يُعدّ عيدًا وطنيًا بالنسبة للمغرب، ومثلها مثل باقي الجهات ستُدبَّر بنفس الطريقة وبنفس العقلية التي دُبِّرت بها غيرها.
إن الحديث عن الدار البيضاء هو حديث عن ساكنة تتجاوز 20%، أكثر من 7 ملايين ونصف تتواجد بجهة الدار البيضاء. هو الحديث عن القلب النابض للاقتصاد الوطني، وهو الحديث الذي لا بد من التنويه به ونحن في اجتماع، كما قلت، وليس في مهرجان.
نحن مع أطر مسؤولة حزبيًا… لا بد أن تعقدوا مجلسًا جهويًا، وأن تعقدوا مجلسًا جهويًا بتمثيلية 14 إقليمًا في مؤسسات قانونية، ووفق الضوابط التي عقدت بها مؤتمراتها الإقليمية، وأن تعقدوا مجلسًا جهويًا بكل التمثيليات القطاعية…
أسجل في هذا الاجتماع حضورًا قويًا وبرموز تاريخية لحزبنا في هذه الجهة. فليس من السهل أن نستمر بكافة الأطر الحزبية الذين ناضلوا وعاشوا المحن، وليس من السهل أن تظل معكم أطر حزبية وفية شرفت الحزب…
عندما أرى وجوهًا، لا أتحدث عن ناس يتحملون المسؤوليات الأولى في الحزب لأن هذه مهمتهم وتم اختيارهم لذلك، ولكن أن ينعم الاتحاد، من حيث منتخبيه بالأقاليم ومن حيث أطره، بهذا الحجم من الكفاءات الحزبية الحاضرة معنا اليوم، معناه أننا على قدر التحدي، وأننا قادرون غدًا أن نعطي البديل فيما يجب أن تكون عليه البلاد، وفيما يجب أن تكون عليه كذلك جهة الدار البيضاء.
الأوضاع، بالنسبة لي، ليست أوضاعًا صافية بملامح مضبوطة… نحن كفاعلين سياسيين لا بد أن نتنبه وأن نتابع وأن نكون حذرين يقظين. لا نتوقع أن أمور اليوم كالأمس وكالغد؛ نحن ننتظر أن اليوم وغدًا يجب أن يكونا في إطار آخر وشكل آخر.
إذن، لا أمطار الخير ولا سياق القضية الوطنية ولا الأوضاع التي توجد عليها آليات الحكامة… نحن في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كما أكدنا على ذلك في مؤتمرنا، نعتبر أن المرحلة مرحلة إعادة النظر في كل آليات التدبير والحكامة.
ولذلك أنا حضرت اليوم لأقول لكم بكل صدق، وقد انطلقت بكم اليوم وينطلق المجلس الجهوي، على عاتقكم مهام لتقديم نموذج المؤتمر الجهوي حول العمل الذي يجب أن يسود المغرب في كافة جهاته. وحتى يكون الأمر كذلك، ها أنتم بعد المؤتمر الوطني، وها إخوانكم في القيادة، أقولها لكم بكل مسؤولية، واعون أن المؤتمر الوطني 12 أعطانا المسؤولية كاملين، بعد العمل الذي قمتم به من أجل إعادة البناء، وبعد العمل الذي قمتم به لتبقى تلك الصورة النموذجية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وسط المشهد السياسي، معارضة وأغلبية.
اليوم، طبقًا لما تداولنا في المؤتمر الوطني 12 وطبقًا لمخرجاته، على عاتقكم في هذه الجهة مهمة واضحة هي تصدر المشهد السياسي في البلاد. وها أنتم ترون أوضاع المشهد السياسي في البلاد، أوضاع تجعل من مسؤوليتكم ومن حقكم أن تلعبوا دورًا أساسيًا في معالجته…
اليوم تتوفر كل الشروط السياسية والتنظيمية الحقيقية لتخولنا، كحزب، أن نطمح لأن نقود البلاد في الانتخابات القادمة. ولذلك المأمول من هذه المحطة التنظيمية الجهوية أن تخرجوا بكل ثقة ووضوح، وتعملوا مع المواطنين والمواطنات، تعملوا معهم من أجل تغيير كل شيء في علاقة السياسة بالمواطنين، بصورتهم وبفهمهم لهذا الأمر.
وهنا الأمر سهل وواضح: يجب أن تسود بيننا ومع المواطنين لغة الحقيقة. صعب على الإنسان أن يتصور أن الشعارات الكبرى والمزايدات السياسية واللغة الغليظة كافية وحدها للوصول، لا…
يجب أن تكونوا كما أنتم، اتحاديات واتحاديون يبحثون عن مصلحة البلاد، وعندما تخطئ بعض المكونات السياسية نقول لهم أخطأتم، وعندما يصيبون وينجحون نقول بكل مسؤولية: لقد أصبتم، ونحن مستعدون من موقع المعارضة الذي نحن فيه اليوم أن نصفق لكم.
لكن على مستوى الجهة لا بد أن تقولوا كل الحقيقة للمواطنين، لأن هناك ثقافة بدأت تسود: عندما نريد أن نسب السياسي نلصقه بالمنتخب، ونرى كل التقارير لهيئات حكامة أو تفتيشيات الدولة تلصق النعوت كلها بالسياسي ونفقد مصداقيتنا.
اليوم ليس القياد وحدهم والولاة والعمال الذين يشتغلون! اليوم ما يجري في البلاد هو أن البلاد هيأت بنية تكنوقراطية جيدة، مديريات جهوية في قطاعات ومجالات أساسية من صحة وتعليم وبنيات أساسية وكذا… تجدها هذه الإدارة الترابية طوع بنانها.
عندما يكون على رأس هذه الإدارة الترابية في الجماعة وفي الجهة وفي الإقليم أناس يستحقون، إذن الغث والسمين موجود في كل شيء.
الخلط الذي وقع في البلاد، مع كامل الأسف، على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الجهوي، أننا نعتنا المنتخبين كلهم بالفساد. وهذا الأمر أدى إلى أن المنقذ أصبح هو المعين، وبالتالي نحن، شئنا أم أبينا، سنذهب بالبلاد إلى مستوى ضد قناعاتنا بالديمقراطية وإيماننا بمشاركة المواطن.
وإذا كان الأمر كذلك، نذهب للبحث عن خريجي المدارس الكبرى من مهندسين وإحصائيين… ونعينهم ونقول لهم: قودونا! لا، ليس هذا ما نريد في البلاد، وليس هذا ما تحتاجه البلاد.
اليوم يجب أن نرجع الأمور إلى نصابها. كيف يمكن لنا ذلك؟ 31 أكتوبر، والمطلوب اليوم دستوريًا وقانونيًا لنتلاءم مع هذا المغرب الشاسع الذي لم تعد فيه منازعة على السيادة.
ولذلك، وبكل مسؤولية، لا بد أن تتغير آليات الحكامة. صعب أن نبقى على ما فعلنا بعد 1976. ماذا فعلنا بعد 76؟ الميثاق الجماعي أعطانا اختصاصات كبرى للمنتخبين(…).
هذا هو الاتحاد، وهذه أطرنا، مع التربية السياسية التي تربوا عليها داخل الحزب، بربط المسؤولية بالمحاسبة وربط المحاسبة بالمسؤولية.
لذلك، عندما ندعو إلى أن يقع تطوير لآليات الحكامة، فلأن مغرب الغد بهذه القوة، الحمد لله، التي أصبحت لبلادنا في نموذجها الحكاماتي وفي نموذجها التنموي، حان الوقت لنضع بعض الضوابط: المنتخبون يقررون بشأن البرامج، يقررون بشأن السياسات، ولكن لا بد من آلية حكاماتية على مستوى الإقليم أو الجهة، تعطى فيها سلطة التنفيذ للاختصاصيين.
لا بد أن تحضروا لمؤتمركم بمنطق تصحيح المسار. لا تكونوا عدميين. نعترف ونؤكد على ما حققته بلادنا من تراكمات تنموية ومن إنجازات، ولكن ندعو بكل مسؤولية إلى تصحيح المسار لبعض الاختلالات، لأنه في ما يتعلق بالفوارق الاجتماعية بادية لكم آثار التدبير الحكومي الحالي.
ولا بد أن نتمسك، طبقًا لمرجعيتنا الاشتراكية الديمقراطية، التي بدأنا نلمس آثارها حتى على خصومنا، ونحن مسرورون جدًا، أن الاستفادة من آثار كوفيد جعلت الكل يعي بما كنا نطالب به وحدنا كاشتراكيين، الذي هو التوجه نحو السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
انطلاقًا من هذا التشخيص، المطروح علينا ليس كما قال أخونا عبد الرحيم بوعبيد، رحمه الله، «المقاعد لا تهمنا». أقول لكم: على المجلس أن يعتبر أن الرهان رهان عددي، وإلا لن نخرج بفريق يتصدر المشهد الحزبي، ولن نكون غدًا مؤثرين ومساهمين في التنمية التي تعرفونها.
وأقول لكم بكل صراحة: أنتم قادرون وفاعلون، ويجب أن تثقوا بأنفسكم. أقولها وأنا أطلق المجالس الجهوية، وسأذهب في كل المؤتمرات الجهوية لنعلن هذه المرة أن الاتحاديين اختاروا عن وعي أن يتصدروا المشهد السياسي.


تعليقات الزوار ( 0 )