رسالة الاتحاد

احتلت قرارات المحكمة الدستورية في القضايا الإعلامية، موضع خلاف بين مكونات الحقل الإعلامي والحكومة، وموقف المعارضة المتوازن منها، حيزا مهما في الكلمة التوجيهية للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أمام اللجنة الإدارية للحزب المنعقدة في نهاية الأسبوع الماضي.

وهي الأرضية التي اعتمدها المناضلون والمناضلات قاعدة للمناقشة الدقيقة والرزينة لهذا الموضوع، من زوايا مختلفة، واستخلصوا منها واجبهم الأخلاقي والمهني والدستوري في رفض التطاول على المؤسسات الدستورية وكل سعي نحو توظيفها لأهداف سياسية تفاقم مظاهراللاتوازن المؤسساتي من قبيل التدخل غير القانوني في عمل المحكمة الدستورية ومحاولة التأثير فيها وربط اتصالات مباشرة مع قضاتها».

كما أن بيان اللجنة الإدارية ثمّن قرار هذه المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية عدد من مواد قانون المجلس الوطني للصحافة والنشر، مجددًا دعوته إلى حماية الصرح الإعلامي الوطني على قاعدة الوطنية والديمقراطية والتعددية.

لقد جدد الاتحاديون والاتحاديات التأكيد على الدور الدستوري والتاريخي والمجتمعي لحزبهم، من خلال التأكيد مجددا على وضوح مرجعيته المؤسساتية والقانونية، ودوره كفاعل يقظ وحارس للشرعية الدستورية.

ومن المؤسف أن هذا التسامي السياسي والمؤسساتي في عمل الاتحاد، قوبل من طرف بعض مكونات الحقل الإعلامي بما لا يليق بتقدير الممارسة المنبرية ولا يقوي النقاش العمومي، بل سعى إلى “إعلان الحرب ” على الفاعل السياسي، وضمنه الاتحاد.

وقد صار لزاما تقديم التضحيات الضرورية في تأطير النقاش وتصويب وجهته. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال التمحيص وتدقيق النظر في مقومات هذا الخطاب الاستعلائي، الموجه ضد التعددية في البلاد وضد الأصوات خارج صندوق التغول الحكومي.

وإذ ننزه المؤسسات الممثلة لزملائنا في المهنة ونعتز بإيمانهم برسالة الإلاهعم الوطنية والديموقراطية ، لا يمكن التجاوز عن كل خطاب يخطيء المعركة ويخطي الخصوم.

لقد تابعنا خطابا انفصاميا يبرئ الحكومة، في حين يثقل المعارضة بكل النعوت.

أولا، هناك تلبيس لا أخلاقي لا نريده أن يطبع العلاقة بين الفاعل السياسي والفاعل الإعلامي.

هذا النوع من المعالجة يسقط شرط الموضوعية في التحليل واتخاذ الموقف، بإسقاط اعتبار الحكومة، من خلال وزارتها في الاتصال، موضوعا مشروعا للمساءلة السياسية.

فهي صاحبة القرار، في وضع المبادرة التشريعية، وأغلبيتها العددية هي المسؤولة عن “البلوكاج” الفعلي من خلال رفض كل مبادرات الانفتاح والتعديل والتشاور مع مكونات الحقل السياسي والمؤسساتي.

فالحكومة لم تكتف بحرب كسر العظام ضد المعارضة، عبر أغلبيتها المتغولة بشكل فظيع، بل صمت آذانها عن مؤسسات وطنية دستورية منها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.

أما المعارضة فقد بادرت إلى تقديم عشرات التعديلات، لكن الغرور السياسي للوزارة، الذي لا يفهم إلا ضمن التغول الحكومي الشامل، استخف بكل المبادرات، المنطلقة من قاعدة الدستور، وليس من الدفاع عن مصالح فئوية أو حسابات سياسوية، كما يريد هذا الخطاب أن يبرر.

والمعارضة لم تلجأ إلى تعطيل البرلمان، ولا إلى الدفع بالعمل من خارج المؤسسات، بل عملت من داخل المنظومة التي تعتبر أن بلادنا دفعت الكثير من عمرها وحريتها واستقلالها ونقاشاتها العمومية للوصول إليها، عبر الاحتكام المؤسساتي المشروع.

ومن غرائب هذا الخطاب أنه يثمن الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية، وهو أمر محمود للغاية ويحسب لأصحابه، ولكنه في الوقت نفسه، يعيب على المعارضة اللجوء إليها، وهو ما يمثل السقوط المدوي في التناقض.

وهذا الخطاب، يُشنِّع بالأحزاب المعارضة لأنها اكتفت بإحالة هذا القانون وحده على المحكمة الدستورية دون غيره من القوانين الأخرى، في إشارة إلى قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يثير التساؤل عن أحقية أصحابه في طرح موضوع كانت له تفاصيله المؤسساتية المعروفة عند الجميع، من زاوية التشكيك في مسعى المعارضة، كما لو أن لسان أصحابه يقول: إما كل القوانين إلى المحكمة أو لا شيء، أو بنبرة مضمرة: لماذا يعرض القانون المتعلق بوزير الاتصال وليس القوانين المتعلقة بوزير العدل؟ وينسى أصحابه أنهما من الحزب نفسه ومن الحكومة نفسها، وأن أي تفضيل بينهما قد يكون له علاقة بمشاكل لا تهم المعارضة ولا غير المعارضة بل إن مشروعية التساؤل، إن وجدت، تتضاءل بفعل التخويف غير المستقيم في سجال حول قانون الصحافة…

أما من أراد أن يسترشد بملتمس الرقابة ولجنة التحقيق في مكاسب “الفراقشية”ـ ونحن ضد السب والشتم من أي كان ولا حصانة سياسية او برلمانية في السب والقذف ـ فكلامه مردود عليه لأننا لم نقرأ له ما يفيد بأنه كان ضد الذين تحوم حولهم الشبهات من مستوردي اللحوم أو الدجاج … وكنا ضد كل المستفيدين من “تعميم اللاقانون”، ويكفي العودة إلى صحافة المعارضة الاتحادية والمواقف البرلمانية للتمييز بين الحق الحق، والحق الذي يراد به باطل .

ـ وفي المحكمة الدستورية دوما، لماذا تجاهل أصحاب هذا الخطاب المتكالب ضد المعارضة وصحافتها، أن المحكمة الدستورية نفسها قد قامت بالإحالة التلقائية، في ما يخص القانون نفسه، بخصوص المواد التي رأت فيها اعتداء على التعددية، حتى ولو كان المشرع لم يقف عندها، وهو ما يكشف عن منطق”الكيل بمكيالين” عند أصحاب هذا الخطاب، بين ما يتعلق بالمعارضة وسلوكها الدستوري وما يتعلق بالمحكمة الدستورية وإحالتها التلقائية.

وهنا لا يمكن للمتتبع أن يغفل ما وقع في “قضية دفتر التحملات” بخصوص القناة الثانية، أيام وزير العدالة والتنمية في الاتصال .

وكيف أن المؤسسة الملكية وقفت بحزم وصرامة في وجه من يريد أن يُقبر التعددية الموجودة ويقفز عليها باسم تمثيلية ما، مهما كانت مشروعة.

وما دام الشيء بالشيء يذكر، ننبه إلى أن التعددية تطال التمثيل والتمثيلية المضمونين، دستوريا، نفسيهما، في النظام السياسي المغربي، من خلال العديد من المقتضيات، تهم 10 مؤسسات دستورية، من باب تنويع مصادر التمثيلية داخل المجتمع.

وهي قضية أخرى نذكرها هنا من باب الارتقاء بالنقاش ليس إلا.

لقد تم طرح

ومن جهةأخرى، وفي قلب هذا النقاش الدستوري، تم طرح مصير آلاف الزملاء، ونحن منهم، ومصير المؤسسات الصحافية ونحن منها، ومآلات البطاقات المهنية، وفينا من راح ضحية مسارها وحساباتها، في وقت العمل العادي، لا من باب الحقوق الضرورية والواجب صيانتها وحدها، بل من باب تحميل المعارضة مسؤولية تعطيل مصالح الناس، وهي التي لا تملك القرار ولا سلطة الحل.

وهي محاولة لتبرئة الحكومة مجددا، و مع ذلك نجدد القول إننا لن نخطيء الخصم، فالحكومة هي المسؤولة أولا وقبل كل شيء وفي هذا نستنتج الخلاصة التالية : لا يمكن أن “تستحلي” الحكومة موقفا مثل هذا لكي تمارس التأليب من خلال تعطيل الدعم وتعطيل شروط ممارسة المهنة، إن هذا يزيد من صورة عجزها وقصورها ونرجسية بعض أطرافها، عندما تفضل خلق شروط هجوم على المعارضة بدعوى أنها عطلت قدرتها المؤسساتية وعطلت قراراتها، ويكون السؤال مشروعا هنا: ما الجدوى من امتلاك القرار إذا لم يكن ذلك لخلق الحلول؟ وما الجدوى من جهاز تنفيذي إذا كان لا يعالج سوى الأوضاع العادية؟ وما الجدوى من القرار إذا لم يكن قادرا على خلق الانفراج ومتفوقا في خلق الأزمة وحدها؟..

إن السلوك الحكومي وترك الحبل على الغارب يزيد من هشاشة صحافتنا في وقت أصبحت الحاجة إلى قوتها، جميعها وبكل مكوناتها وهيآتها المهنية من شروط السيادة الإعلامية الوطنية، وما ينتظرنا من استحقاقات دولية، بينت أحداث كأس أمم افريقيا أنها ستكون موضوع تشويش وتأليب قويين من الخصوم. فهل نستعد للمستقبل بما يكفي؟

نطرح هاته الأسئلة ونحن نستحضر أنها سابقة سياسية وإعلامية مقلقة أن يبادر خطاب محدد إلى معارضة المعارضة عبر الهجوم عليها، ونستحضر في الوقت نفسه لحظات مؤلمة جدا من التاريخ الحديث عندما كان البعض يجتهد في النيل من المعارضة لأنها وضعت ملتمس رقابة الحكومة في الستينيات، والأصوات التي كانت تجتهد في تخوين المعارضة وتكفيرها كلما مارست وظيفتها الدستورية ونحن، في هذه الذكرى لا نتألم فقط بل نضع أيادينا على قلوبنا، ونتعاهد على رفع صوتنا وشعارنا في ذلك: لن نخشى في قول الحق لومة لائم ،خصما كان أو صديقا.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

مداخلة النائب الحسن لشكر باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية لتقديم مقترح القانون المتعلق بإحداث هيئة قضايا الدولة

الفريق الاشتراكي يقدم مقترح قانون يرمي إلى إحداث هيئة قضايا الدولة

سعيد بعزيز: الحكومة تتهرب من مسؤوليتها في حماية الطفولة وتحملها لوكالة جديدة

هذا ما قاله الكاتب الأول خلال اجتماع اللجنة الإدارية الوطنية