في لحظة سياسية دقيقة، قال الكاتب الأول إدريس لشكر، مخاطبًا المجلس الجهوي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بوضوحٍ لا لبس فيه: اليوم، المقاعد تهمّنا.
ذلك لأن على الاتحاد الاشتراكي، من موقعه داخل هذه الجهة، أن يعمل على استعادة تصدّره للمشهد السياسي الوطني، عبر استرجاع المبادرة وقيادة النقاش العمومي بدل الاكتفاء بمنطق التفاعل. لم يكن هذا القول نداءً تعبويًا عابرًا، بل تشخيصًا لمسؤولية تفرضها طبيعة المرحلة: أزمة ثقة في السياسة، واختلال في الحكامة، وحاجة ملحّة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين القرار والتنفيذ.
اليوم، تتوفّر الشروط السياسية التي تخوّل للحزب أن يطمح إلى لعب دور قيادي في الاستحقاقات المقبلة. غير أن هذا الطموح لا يُختبر بالشعارات ولا بالخطاب الاحتجاجي، بل بوضوح المشروع وقدرته على إقناع المواطنات والمواطنين بلغة الحقيقة. فالسياسة التي تستعيد ثقة المجتمع هي تلك التي تبادر وتؤطّر وتقترح، لا تلك التي تكتفي بالرفض أو التعليق.
لقد سادت، في السنوات الأخيرة، ثقافة سياسية خطِرة اختزلت كل اختلال في المنتخب، وربطت النقد السياسي حصريًا بمنطق الإدانة، فأسقطت المصداقية عن الفعل السياسي نفسه. وكانت النتيجة إضعاف السياسة بدل تصحيحها، وتكريس خلطٍ بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة التقنية، انتهى إلى اختلال التوازن داخل المؤسسات.
والحقيقة أن المغرب راكم بنية تقنية وإدارية متقدّمة في قطاعات حيوية، تمتلك أدوات التنفيذ والخبرة. غير أن الجمع بين سلطتي القرار والتنفيذ، في غياب فصلٍ وظيفي واضح، حوّل الكفاءة إلى مصدر ارتباك، والتنظيم إلى مجال تداخل. فمنتخب يُفتي في التقنية، وإدارة تتمدّد باسم الاستمرارية، بينما تغيب المسؤولية السياسية الواضحة. والطبيعة، كما السياسة، لا تقبل الفراغ.
من هنا، تبرز ضرورة عقد حكامة جديد يعيد الأمور إلى نصابها: منتخبون يقرّرون في البرامج والسياسات ويمارسون الرقابة السياسية، وأهل اختصاص يتولّون التنفيذ والتدبير في إطار قانوني مضبوط، مع رقابة تقنية لأهلها وحقّ مساءلة للمنتخبين. هذا التصور ليس تنظيرًا مجرّدًا، بل أفقًا عمليًا تؤكده تجارب جهوية قائمة، ويحتاج اليوم إلى تأطير مؤسسي شامل.
وفي هذا السياق، يجب قولها بوضوح: اليوم، المقاعد تهمّنا. لا باعتبارها غاية في ذاتها، بل لأنها الأداة التي تُترجم بها المشاريع إلى سياسات، والخطاب إلى قرار، والإرادة إلى أثر. فبدون تمثيلية وازنة، تظل السياسة معلّقة خارج المؤسسات، ويتحوّل النقاش العمومي إلى صدى بلا نتائج. الرهان العددي ليس نقيضًا للمبدأ، بل شرطه العملي، لأن موازين القوة تُبنى داخل المؤسسات، لا على هامشها.
لهذا، لا تُقرأ الاستحقاقات المقبلة باعتبارها محطة رمزية أو اختبار نوايا، بل باعتبارها معركة مواقع ومقاعد تُخاض بوضوح الرؤية، وانضباط التنظيم، وقربٍ فعلي من المواطنات والمواطنين. فاستعادة التصدّر السياسي تمرّ عبر توسيع القاعدة الانتخابية وتجميع الأصوات حول مشروع قابل للحكم، لا الاكتفاء بحضور أخلاقي أو رمزي.
ما بعد 31 أكتوبر ليس كما قبله. وقد بات المطلوب اليوم—دستوريًا ومؤسساتيًا—تغيير آليات الحكامة بما يواكب مغربًا واسعًا ومعقّدًا. لا يمكن الاستمرار بأدوات صُمّمت لسياقٍ مضى. الإصلاح الحقيقي هو الذي يُعيد التوازن بين السياسة والتنفيذ، ويُعيد الاعتبار للفعل السياسي باعتباره شرطًا للديمقراطية لا عبئًا عليها.
هذه هي معركة المرحلة: معركة نموذج وتموقع وقدرة على التأثير. والاتحاد الاشتراكي، وهو يطرح هذا الأفق، لا يقدّم وعدًا انتخابيًا تقليديًا، بل يقترح عقدًا مؤسسيًا جديدًا يُصالح السياسة مع المجتمع، ويجعل من الحكامة رافعةً للثقة، ومن التمثيلية الانتخابية أداة فعل وتغيير.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الاتحاد الاشتراكي ينظم لقاء علميا بالمقر المركزي للحزب

النائبة عائشة الكرجي تسائل الوزير بوريطة حول تبسيط مساطر الوثائق للمغاربة بإسبانيا في إطار التسوية المرتقبة

الكاتب الأول يترأس اجتماعاً مشتركاً لقطاعي الصيادلة والمهندسين

في  الدورة الأولى للمجلس الجهوي لجهة الدار البيضاء–سطات .. إدريس لشكر: جميع الشروط متوفرة لكي يطمح حزب الاتحاد الاشتراكي إلى قيادة المرحلة المقبلة