إعادة الاعتبار للفكر الإصلاحي المبني على المعرفة والخبرة
والقطع مع منطق البرامج العامة الفضفاضة
نظّم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يوم السبت 14 فبراير 2026، يوماً دراسياً وطنياً حول موضوع: «التنمية العادلة: الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بين شرعية الاختيار وفعالية الإنجاز»، وذلك بالمقر المركزي للحزب، في إطار الدينامية التحضيرية لإعداد البرنامج الانتخابي للاستحقاقات المقبلة.
ويأتي تنظيم هذا اليوم الدراسي في سياق سياسي واجتماعي يتسم بتزايد انتظارات المواطنين من الفعل الحزبي، وارتفاع منسوب المطالبة بالوضوح في الاختيارات، والنجاعة في السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلاً عن الحاجة الملحة إلى بلورة بدائل إصلاحية واقعية تستجيب لتحولات المجتمع المغربي، وتحديات التنمية والعدالة الاجتماعية.
وشهد اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والخبراء والباحثين من تخصصات متعددة، إلى جانب قيادات حزبية ومناضلين وفاعلين مدنيين، ما أضفى على أشغاله طابعاً علمياً وتشاركياً، وجعل منه فضاءً مفتوحاً لتبادل الرؤى وتلاقح الأفكار بين الخبرة الأكاديمية والتجربة السياسية والممارسة الميدانية.
وقد انتظم اليوم الدراسي في ثلاث جلسات موضوعاتية كبرى، عكست حرص الحزب على مقاربة شمولية لمفهوم “التنمية العادلة” بوصفها نتاجاً لتكامل الإصلاح السياسي مع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وليس نتيجة إجراءات تقنية معزولة أو سياسات قطاعية مجزأة.
الإصلاح السياسي: سؤال الديمقراطية والنجاعة المؤسساتية
خُصصت الجلسة الأولى لمحور الإصلاح السياسي، وأدارها الدكتور كمال الهشومي، عضو المكتب السياسي للحزب، حيث انصب النقاش على رهانات تحديث البناء الديمقراطي، وتعزيز أدوار المؤسسات المنتخبة، وتطوير القوانين المنظمة للحياة السياسية والحزبية، إلى جانب تقييم مسار المشاركة السياسية، وحدود الوساطة الحزبية، وموقع المجتمع المدني في إنتاج السياسات العمومية. وقد شكّل هذا المحور مدخلاً مركزياً لباقي الإصلاحات، باعتبار أن أي تحول اقتصادي أو اجتماعي مستدام يظل رهيناً بإصلاح سياسي عميق يرسّخ الثقة في المؤسسات ويُعيد الاعتبار للفعل العمومي.
الإصلاح الاقتصادي: من النمو إلى العدالة المجالية والاجتماعية
أما الجلسة الثانية، التي تناولت محور الإصلاح الاقتصادي وأدارها علي الغنبوري، عضو المكتب السياسي، فقد فتحت نقاشاً حول النموذج التنموي، وحدود السياسات الاقتصادية المعتمدة، وإشكالات توزيع الثروة، والفوارق المجالية، والعدالة الجبائية، ودور الدولة في الاستثمار والحماية الاجتماعية، فضلاً عن مكانة المقاولة الوطنية، وتشجيع التشغيل، وربط الاقتصاد بالابتكار والبحث العلمي. وتم التأكيد على أن أي إصلاح اقتصادي لا يضع العدالة في صلب اختياراته، يظل عاجزاً عن تحقيق التنمية المنشودة أو تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
الإصلاح الاجتماعي: الدولة الاجتماعية في مواجهة الهشاشة والتفاوتات
في الجلسة الثالثة، التي خصصت لمحور الإصلاح الاجتماعي وأدارها الدكتور محمد مفيد، عضو المكتب السياسي، جرى التوقف عند تحديات بناء دولة اجتماعية فعلية، قادرة على ضمان الحقوق الأساسية في التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، والتصدي لمظاهر الهشاشة والفقر والإقصاء، وتعزيز الإنصاف الاجتماعي وتكافؤ الفرص. كما أثيرت أسئلة السياسات العمومية الاجتماعية وحدود نجاعتها، ومدى قدرتها على الاستجابة للتحولات الديمغرافية والاجتماعية المتسارعة، وعلى رأسها قضايا الشباب والمرأة والفئات الهشة.
وتميّز هذا اليوم الدراسي بطابع تفاعلي واضح، حيث لم تقتصر أشغاله على تقديم عروض أكاديمية، بل تحوّل إلى ورش جماعي لتشخيص الأعطاب البنيوية التي تعيق تحقيق التنمية العادلة، واستشراف مسارات إصلاحية عملية قابلة للإدماج في البرنامج الانتخابي للحزب، بما يضمن ربط الرؤية السياسية بالاقتراحات الملموسة والالتزامات القابلة للتنفيذ.
ويعكس هذا اللقاء، في عمقه، توجهاً لدى الاتحاد الاشتراكي نحو إعادة الاعتبار للفكر الإصلاحي المبني على المعرفة والخبرة، والقطع مع منطق البرامج العامة الفضفاضة، لصالح تصورات دقيقة، مؤطرة زمنياً، ومسنودة بتشخيص علمي للواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. كما يؤشر على رغبة الحزب في الانفتاح على الكفاءات الوطنية وإشراكها في بلورة خياراته الاستراتيجية، بما يعزز مصداقية عرضه السياسي ويقوي موقعه في النقاش العمومي حول مستقبل التنمية بالمغرب.


تعليقات الزوار ( 0 )