لم يكن محور الإصلاح السياسي في اليوم الدراسي الذي نظمه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد محطة أكاديمية لتبادل الآراء، بل تحول إلى لحظة مكاشفة سياسية حقيقية حول أعطاب الممارسة الديمقراطية وحدود الإصلاحات المعتمدة، ومسافة الثقة التي ما تزال تفصل المواطن عن المؤسسات والعملية السياسية. فقد كشفت مداخلات عدد من الباحثين والأكاديميين والفاعلين السياسيين عن تشخيص دقيق لأزمة الوساطة السياسية، وتعثر تفعيل الدستور، وهيمنة منطق التدبير التقني على حساب الاختيار الديمقراطي.
من إصلاح النصوص إلى إصلاح الممارسة
في قراءته لمسار الإصلاح السياسي بالمغرب، شدد عبد الله ساعف استاذ فخري بجامعة محمد الخامس الرباط، كدير مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، على أن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بإنتاج النصوص الدستورية أو تعديل القوانين المؤطرة للحياة السياسية، بقدر ما أصبح رهيناً بمدى قدرة هذه النصوص على التحول إلى ممارسة فعلية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
فالإشكال اليوم، بحسب تحليله، لا يكمن في وفرة الترسانة القانونية، بل في ضعف تفعيلها، واستمرار مظاهر التحكم في القرار العمومي، وتضارب المصالح، وتغوّل منطق السلطة التنفيذية على حساب التوازن المؤسساتي المنشود.
واعتبر أن الإصلاح السياسي الحقيقي يفترض الانتقال من منطق “الإصلاح من فوق” إلى دينامية إصلاح مجتمعي تشاركي، تُدمج فيه النخب السياسية والأكاديمية والمدنية في إنتاج القرار، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، وليس كشعار سياسي موسمي. كما توقف عند أزمة الحكامة والفساد، معتبراً أن أي إصلاح سياسي لا يضع هذه المعضلات في قلب أولوياته يظل إصلاحاً مبتوراً لا يمس جوهر الأزمة.
أزمة الثقة وتآكل الوساطة السياسية
من جهتها، ركزت عائشة القداوي أستاذة باحثة زائرة لعلم السياسة والجيو بوليتيك بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، على البعد المجتمعي للإصلاح السياسي، معتبرة أن جوهر الأزمة يتمثل في تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتراجع منسوب المشاركة السياسية، خاصة في صفوف الشباب.
وأبرزت أن العزوف الانتخابي ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل مؤشر على خلل بنيوي في أداء الوساطة الحزبية وفي قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم عرض سياسي مقنع ومؤطر زمنياً وقابل للتنفيذ.
وسجلت أن التحولات الرقمية غيرت بشكل جذري أنماط التعبير السياسي لدى الأجيال الجديدة، حيث انتقلت النقاشات العمومية من الفضاءات الحزبية التقليدية إلى المنصات الرقمية، وهو ما يفرض على الأحزاب إعادة التفكير في أدوات التواصل والتأطير السياسي، وفي طرق استقطاب الشباب، بعيداً عن الخطاب الكلاسيكي الذي لم يعد قادراً على إقناع فئات واسعة من المجتمع.
واعتبرت أن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يتحقق دون استعادة الثقة في العملية الانتخابية نفسها، وفي جدوى المشاركة، وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على التأثير في القرار العمومي، وهو ما يستدعي مراجعة عميقة لأدوار الأحزاب ووظائفها داخل المشهد السياسي.
انتظارات اجتماعية بلا أفق
سياسي واضح
في تحليله لسياق الإصلاح السياسي، نبه محمد المالكي إلى اتساع الهوة بين المنسوب العالي في الانتظارات الاجتماعية وقدرة النظام السياسي على إنتاج أفق سياسي واقعي ومقنع. وأبرز أن المجتمع يعيش على إيقاع مطالب اجتماعية واقتصادية متزايدة، في مقابل ضعف الخطاب السياسي في تقديم بدائل واضحة وبرامج قابلة للقياس والتتبع، داعيا إلى المساهمة في إخراج المجتمع من الحيرة وإعطائه الأمل.
وشدد على أن أزمة الوساطة السياسية ليست فقط أزمة أحزاب، بل أزمة تصور عام للعمل السياسي، حيث يتم أحياناً اختزال السياسة في تدبير تقني يومي دون نفس إصلاحي بعيد المدى. كما دعا إلى إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية في الممارسة السياسية، وتجديد النخب والآليات التنظيمية للأحزاب، حتى تستعيد السياسة معناها كأداة لتغيير الواقع، وليس فقط كوسيلة لتدبير التوازنات.
برلمان ضعيف أمام هيمنة السلطة التنفيذية
أما عبد الحميد بنخطاب فقد قدّم تشخيصاً نقدياً لأداء المؤسسة التشريعية، معتبراً أن البرلمان ما يزال يعاني من محدودية الأدوار الرقابية والتشريعية، في ظل هيمنة واضحة للسلطة التنفيذية على المبادرة التشريعية وعلى توجيه السياسات العمومية.
وأبرز أن هذا الوضع يضعف جوهر الفصل بين السلط، ويُفرغ العمل البرلماني من جزء كبير من محتواه السياسي، محولاً المؤسسة التشريعية في حالات عديدة إلى فضاء للمصادقة أكثر من كونها فضاءً للنقاش وصناعة القرار.
كما أشار إلى أن عدم استقرار القواعد الانتخابية وتغييرها المتكرر يُربك المسار الديمقراطي ويؤثر سلباً على مصداقية العملية الانتخابية، ويغذي شعوراً عاماً بعدم جدوى المشاركة السياسية.
واعتبر أن أي إصلاح سياسي جدي يمر عبر تقوية البرلمان، وتوسيع هامش استقلاليته، وتعزيز أدواره الرقابية، بما يجعله فاعلاً مركزياً في معادلة الحكم الديمقراطي.
إصلاح سياسي بلا عمق ديمقراطي؟
ما جمع بين هذه المداخلات، رغم اختلاف زوايا المعالجة، هو الإقرار بأن الإصلاح السياسي بالمغرب يواجه سقفاً غير معلن، يتمثل في الفصل بين “شرعية الاختيار” و“فعالية الإنجاز”. فبينما تُرفع شعارات التحديث والديمقراطية، تستمر أعطاب الممارسة السياسية، وتتكرس اختلالات الحكامة، وتضعف الوساطة الحزبية، وتتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة.
لقد بدا واضحاً أن الرهان لم يعد في إنتاج نصوص جديدة أو الإعلان عن برامج إصلاحية عامة، بل في الجرأة على مساءلة نمط اشتغال السلطة، وتحرير الفعل السياسي من منطق التدبير الضيق، وبناء تعاقد سياسي جديد يعيد الاعتبار للمواطن كفاعل أساسي في القرار العمومي، لا مجرد رقم في معادلة انتخابية موسمية.
وفي هذا السياق، يظل سؤال الإصلاح السياسي مفتوحاً على أكثر من احتمال: إما إصلاح شكلي يراكم القوانين دون تغيير عميق في منطق الممارسة، أو إصلاح ديمقراطي حقيقي يعيد توزيع السلطة، ويُفعّل المحاسبة، ويُعيد الثقة في السياسة كأفق جماعي للتغيير. والاختيار بين المسارين لم يعد تقنياً أو إجرائياً، بل قراراً سياسياً بامتياز.


تعليقات الزوار ( 0 )