بقلم: على الغنبوري
التاريخ النضالي الكبير للاتحاد الاشتراكي ، و مساهمته القوية و المؤثرة في مسلسل البناء الديمقراطي بالبلاد ،لا يمكنها ان تحجب تاريخا طويلا من الفشل في تدبير الخلافات و الصراعات الداخلية ، التي طبعت حياته التنظيمية منذ لحظة تأسيسه .
فالاتحاد عاش منذ انطلاقته الاولى ، على وقع صراعات و اصطدامات قوية ، بين مختلف مكوناته ، ادت في غالب الاحيان الى اختيار الانفصال و الانشقاق كحل لتدبير هذه الازمات التنظيمية و السياسية التي مست جسده .
فكلنا نعرف كيف تم التعامل مع المهدي داخل الاتحاد الوطني ، و كيف عمل بوعبيد و رفاقه على الانسحاب من الاتحاد الوطني و تأسيس الاتحاد الاشتراكي بعد ما تعرضوا له، و كيف تأسس الطليعة من رحم الاتحاد ، و كيف خرج الاموي ، و كيف و كيف …
و لست هنا بصدد القيام بجرد كرونولوجيا الصراع داخل الاتحاد ، او التذكير به ، بمنطق جلد الذات و القاء اللوم على البعض دون الاخرين ، بل التذكير بهذا الوضع يهدف بالاساس الى تسليط الضوء على هذه الثقافة التنظيمية السلبية التي ترسخت داخل الذات الاتحادية طيلة عقود من الزمن .
فنحن لم نعرف و لم نعش يوما داخل الاتحاد ، اي مسعى للتجميع ، او اي توجه للمصالحة بين مختلف مكوناته ، بل بالعكس ، شاهدنا كيف تطورت داخلنا خطابات الحسم و القطيعة بين ابناء الحزب الواحد ، من قبيل “ارض الله واسعة” و ” الاتحاد قطار ماض في طريقه يتوقف في كل محطة و ينزل منه البعض و يركبه اخرون ” .
ترسب هذه الثقافة القاطعة و الصارمة داخل الاتحاد ، صحيح انها حسمت بشكل من الاشكال عدد من الصراعات السلبية و التي كان من الممكن ان تشل حركية و قدرة الحزب على الفعل السياسي ، لكنها في المقابل ساهمت بشكل كبير في افقاد الحزب توازنه التنظيمي ، و ادت الى استنزافه الزمني و البشري.
طرح فكرة المصالحة ، اليوم ،و رغم كل ما يمكن ان يلاحظ او يقال عنها ،الا انها تبقى توجها تنظيميا و سياسيا جديدا على الممارسة النضالية الاتحادية ، لم تعرفها من قبل الذات الجماعية للحزب .
و اي احكام او مواقف مسبقة من هذه المصالحة ، لا يمكن الا تصنيفها في باب ردود الافعال المتوارثة من النماذج الحزبية السابقة التي لم تألف منطق التجميع و الوحدة الحزبية .
وحدها الدينامية الميدانية ، و التوجهات الحالية و المستقبلية للحزب سياسيا و تنظيميا ، هي القادرة على ايضاح الصورة الحقيقية لهذه المصالحة ، و مدى قدرتها على تقوية الحزب ، و جعله فضاء لكل ابناءه و مكوناته.
تبني المصالحة داخل الاتحاد، لا يجب ان يغرق في منطق الحساب و “شكون اللي مسؤول على الوضع ” ، لان الحزب اذا فتح هذا النقاش ، ربما لن يستطيع حصر لائحة المسؤولين على ما وقع داخل ردهاته طيلة عقود من الزمن ، فالمصالحة لا تعني انهزام طرف و فوز اخر ، بل المصالحة هي اقرار جماعي بضرورة القطع مع ثقافة الحسم التنظيمي و شيطنة الاخر ، و ان تكون هذه المصالحة متوجهة بشكل اساسي و حصري الى المستقبل ،و ان تجعل التراكمات الحزبية السلبية خلف ظهرها .
المصالحة هي ، أن يقر الجميع بان وحدة الحزب خط احمر ، و ان الرهانات المستقبلية المطروحة عليه و على الوطن تقتضي الالتفاف الاني و العاجل لكل ابناءه حوله و حول مشروعه المجتمعي.
استجابة عدد كبير من مناضلي و اطر الاتحاد ، لنداء المصالحة ، و انخراطهم المؤثر في الدينامية السياسية و التنظيمية المتميزة التي اطلقها الحزب ، تعطي مؤشرات واضحة على فعالية و مصداقية هذا الطرح التنظيمي الجديد ،و تؤكد كذلك على جديتها ، و رغبة الحزب في ترسيخها كاساس متين للعمل التنظيمي داخل هياكله .
فالحزب اليوم منفتح و متزن ، و الدينامية التنظيمية و السياسية و الاشعاعية ، تطغى على عمله و على توجهاته، و عجلته استطاعت الدوران بشكل يجعله اكثر قوة و متانة ،بوجود ابنائه و بناته في صلب فعله السياسي.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

كرة القدم ليست رأسمالا سياسيا

من التغول على المعارضة إلى التغول على المؤسسات الدستورية المستقلة

كم من «ناصيري» وكم من «بعيوي» وكم «إسكوبار» ينتظرون النيابة العامة؟

الامتناع عن التصويت ليس تأييدا… بل موقف سياسي في مواجهة التغول…