رهانات اجتماعية واقتصادية تعيد رسم معالم الاختيار الديمقراطي
الاستحقاقات المقبلة… اختبار الثقة ومسؤولية البديل

شهدت حلقة برنامج “نقطة إلى السطر”، الذي يُبث مباشرة على القناة الأولى، استضافة المهدي مزواري، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في حوار سياسي اتسم بالصراحة والوضوح، أدارته الإعلامية صباح بنداوود والصحافي عبد الله لشكر. حلقة وُصفت بأنها من بين أكثر الحلقات كثافة من حيث الرسائل السياسية، إذ تناولت موقع الحزب في المشهد الوطني، تقييم الحكومة، سؤال النخب، مستقبل اليسار، ورهان الاستحقاقات المقبلة.
منذ البداية، شدد مزواري على أن تعريف الأحزاب السياسية مؤطر بالقانون، وأن دورها الأساس هو التأطير والاشتغال إلى جانب المجتمع. وأكد أن الاتحاد الاشتراكي “حزب وطني كبير يشتغل في المعارضة وله حضور قوي في المجتمع”، مبرزاً أن دفاعه عن قضايا المواطنين ينطلق من مرجعيته الاشتراكية الديمقراطية ومن تاريخه الممتد في الحركة الوطنية.

الاتحاد حزب مجتمعي بخيط ناظم مع القطاعات المهنية

في معرض حديثه عن علاقة الحزب بالقطاعات المهنية، أوضح مزواري أن الاتحاد الاشتراكي يتوفر على قطاعات مهيكلة وفاعلة، مستشهداً بقطاع المحامين الذي وصفه بالقوي ضمن المشهد الحزبي، كما ذكّر بأن الحزب كان أول من أعلن موقفاً واضحاً إلى جانب الصيادلة عبر بيان رسمي يساند مطالبهم المهنية. وأضاف أن أعضاء الحزب متواجدون في مجلس الهيئات وفي الميدان، بما يعكس “خيطاً ناظماً” يربط الحزب بمختلف الفئات المهنية.
واعتبر أن الأحزاب مدارس لإنتاج النخب القادرة على تحمل المسؤولية في المواقع السياسية والمجتمعية والاقتصادية والحقوقية والثقافية والتربوية. لكنه لم يُخف وجود “أعطاب كبرى في إنتاج النخب”، مشيراً إلى أن تحوّل بعض النخب إلى الحياد لا يخدم التقدم والتنمية، وهو ما يستدعي مجهوداً جماعياً لإعادة الاعتبار للعمل السياسي المؤطر بالقيم.

قراءة نقدية
للنموذج التنموي

وعند سؤاله عن تقييم الوضع العام بالبلاد، توقف مزواري عند وثيقة النموذج التنموي الجديد باعتبارها آخر وثيقة مرجعية لتشخيص الواقع، مؤكداً أن الحزب ينظر إليها برؤية مستقبلية متفائلة رغم أزمة الثقة التي تطبع المرحلة. واعتبر أن الوثيقة نموذجية ومرجعية، لكن تنزيلها عرف تأخراً بخمس سنوات، ما يطرح سؤال: “من نحن وأين نريد أن نمضي؟”، مستحضراً التاريخ الاتحادي كدافع ومحفز للاستمرار.

تجديد داخلي
وقرار سيادي

في محور التنظيم الحزبي، أقرّ مزواري بأن ممارسة السياسة ليست ترفاً، وأن الحزب مرّ بوضعية صعبة، لكنه استعاد ديناميته بعد المؤتمر الوطني الحادي عشر. وأشار إلى الاشتغال المكثف على النساء والشبيبة والقطاعات والهياكل الإقليمية والجهوية، مع تنظيم 72 مؤتمراً إقليمياً، مؤكداً أن معدل السن على المستوى الإقليمي لا يتجاوز 35 سنة، بينما يبلغ في المكتب السياسي حوالي 40 سنة، في دلالة على انفتاح الحزب على جيل جديد.
وأوضح أن تحديد عدد الولايات قرار سيادي ومطلب اتحادي، وأن الحزب مفتوح على النقاش، مستحضراً أجواء الترشح التي عرفها المؤتمر الأخير. كما كشف أن عدد المنخرطين يبلغ 55 ألفاً، وأن الانخراط أصبح إلكترونياً وسلساً، في إطار تحديث آليات الاشتغال.
وفي سياق متصل، اعتبر أن مغادرة بعض الأسماء، ومن بينها عبد الهادي خيرات، خيار شخصي، نتمنى له التوفيق، مؤكداً أن “الفكرة الاتحادية” لا تزال قائمة لأنها منبثقة من رحم الحركة الوطنية والمجتمع، وليست مرتبطة بأشخاص أو مواقع.

ملتمس الرقابة..
المبادرة اتحادية

في الشق البرلماني، أثار مزواري الجدل الذي رافق ملتمس الرقابة، معتبراً أن النقاش تم بشكل مغلوط، وأن السؤال الحقيقي هو: من اقترح الملتمس؟ وأكد أن الاتحاد الاشتراكي كان صاحب المبادرة، مذكّراً بأن كل مبادرات ملتمس الرقابة في تاريخ البلاد كان وراءها الاتحاد. وأشار إلى وجود فتور في التنسيق مع حزب التقدم والاشتراكية، دون أن يعني ذلك قطيعة، مؤكداً احترام الحزب لكل الفاعلين السياسيين، وأن مواقفه تُقاس ببياناته وخطابه وتصويته داخل اللجان البرلمانية.
وشدد على أن الحزب مرتبط بثوابت البلاد تحت قيادة جلالة الملك، وبالوحدة الترابية، رافضاً توصيفات “الغزل والودية” في العمل السياسي، ومؤكداً أن الاتحاد اختار موقع المعارضة بوضوح ومسؤولية.

حصيلة حكومية
تحت المجهر

في تقييمه للحكومة، كان مزواري حازماً. تساءل عن الإنجازات مقارنة بسقف الوعود الانتخابية المرتفع، مشيراً إلى أن نسبة البطالة بلغت 13 في المائة، وأن التعليم لم يحقق النتائج المرجوة، فيما يعرف قطاع الصحة مواعيد قد تصل إلى ثلاثة أشهر. واعتبر أن الدولة الاجتماعية، بدل أن تعزز العدالة، قد تخلق “بورجوازية في الصحة”، وأن “أسطورة حكومة الكفاءات” انهارت أمام الواقع.
كما انتقد ارتفاع الأسعار ونسب التضخم، مشيراً إلى الغلاء في الخبز واللحوم، واعتبر أن رفع الدعم المباشر يؤسس للفقر. وربط بين تحالف الأغلبية بعد انتخابات 2021 وبين تنامي العزوف وفقدان الثقة، مؤكداً أن الحزب يشتغل باستمرار على تحيين برامجه السياسية والانتخابية، وأنه سيدخل الاستحقاقات المقبلة مرتاحاً بفئات مرشحة “تشبهه كحزب”.

سؤال اليسار وبناء عرض سياسي جديد

في ما يتعلق بوضع اليسار، تحدث مزواري عن “جروح تاريخية” وتقديرات موضوعية وأخرى غير موضوعية، مؤكداً أن فكرة المرشح المشترك ليست جديدة، وأن الاتحاد كان سباقاً لطرحها. واعتبر أن هناك جمهوراً يسارياً ينتظر برنامجاً واضحاً، وأن بناء اليسار ليس رهين 2026 فقط، بل هو مسار يضم الأحزاب والنساء والشباب والحركات الاحتجاجية والنقابات.

وشدد على أن الاتحاد الاشتراكي، باعتباره أكبر قوة يسارية منظمة، معني بوحدة اليسار وتقديم عرض سياسي جديد تحتاجه البلاد. وأكد استعداد الحزب للنقاش حول كل الأفكار والمسلمات خدمة للمواطنين، داعياً إلى إنهاء النفوذ والفساد الانتخابي، وضمان شروط متكافئة في السياسة والانتخابات، مع الضرب بيد من حديد على كل الممارسات المشينة.
حلقة “نقطة إلى السطر” إذن لم تكن مجرد حوار عابر، بل محطة سياسية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول المعارضة، النخب، الحكومة، واليسار. ومن خلالها، حاول المهدي مزواري تثبيت صورة الاتحاد الاشتراكي كحزب تاريخي متجدد، يقرأ التحولات المتسارعة للمجتمع، ويستعد لتقديم بديل ديمقراطي اجتماعي يعيد الثقة في الفعل السياسي.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

صور فريق عمل المكتب السياسي مع الكتابة الإقليمية للحزب بالفداء درب السلطان

المجلس الجهوي بجهة الشرق …الرهان على جهة الشرق كقطب تنموي مشروط بالتأهيل السياسي لهذه الجهة 

في  حوار مع منسق السكرتارية الوطنية لقطاع الصيادلة الاتحاديين سعيد اكردي: قطاع الصيدلة خدماتي لا تجاري.. وسلاسل الصيدليات ستُفقد المهنة بُعدها الاجتماعي

ندوة « الوضعية السياسية الراهنة وآفاق العمل الحزبي»، ببرشيد