بقلم محمد السوعلي

لم يعد استقرار المؤسسات في المغرب، وحده، كافيًا لإقناع المواطن بجدوى الاختيارات العمومية أو بفعالية الخطاب السياسي. فحين يتجاور تماسك الدولة مع هشاشة الأوضاع الاجتماعية، واستمرارية المؤسسات مع تعثر التنمية، يصبح من المشروع التساؤل: هل تحول هذا الاستقرار فعلًا إلى رافعة للعدالة والكرامة، أم ظل مكسبًا شكليًا لم ينعكس بما يكفي على حياة الناس؟
لقد رآكم المغرب خلال العقود الأخيرة رصيدًا مهمًا من الاستقرار المؤسساتي، في محيط إقليمي ودولي مضطرب، وهو مكسب سياسي حقيقي لا يمكن إنكاره، لأنه وفر شروط الاستمرارية وحمى البلاد من كثير من الهزات. غير أن قيمة هذا المكسب لا تتحدد فقط بوجوده، بل بقدرته على إنتاج أثر اجتماعي وتنموي ملموس.
فالمواطن لا يقيس الاستقرار بما يقال عنه، بل بما يتيحه له من شغل وعلاج وتعليم وعيش كريم. لذلك، حين يتزامن الحديث عن قوة المؤسسات مع البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بوجود الاستقرار، بل بما إذا كان هذا الاستقرار قد أفاد المواطن فعلًا في واقعه اليومي.

الاستقرار السياسي ليس غاية في ذاته

الخطأ الأكبر يكمن في التعامل مع الاستقرار كما لو كان غاية نهائية، لا قاعدة للانطلاق نحو إصلاحات أعمق. فاستقرار المؤسسات ليس إنجازًا مكتملًا في حد ذاته، بل فرصة لبناء تنمية متوازنة وعدالة اجتماعية حقيقية. وحين يتحول إلى مجرد عنوان للاعتزاز السياسي دون أثر واضح في الواقع، يفقد تدريجيًا جزءًا من معناه لدى فئات واسعة من المواطنين.
لقد كان المفروض أن يفتح هذا الاستقرار المجال أمام سياسات أكثر جرأة في التشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية. لكن الذي حدث في كثير من الأحيان هو الاكتفاء بالحفاظ على التوازنات الكبرى دون ترجمتها إلى اختيارات اجتماعية منصفة. وهكذا بدت الدولة قوية في ضمان الاستمرارية، بينما ظلت السياسات العمومية محدودة الأثر في حياة الناس.

لم يعد استقرار المؤسسات في المغرب، وحده، كافيًا لإقناع المواطن بجدوى الاختيارات العمومية أو بفعالية الخطاب السياسي. فحين يتجاور تماسك الدولة مع هشاشة الأوضاع الاجتماعية، واستمرارية المؤسسات مع تعثر التنمية، يصبح من المشروع التساؤل: هل تحول هذا الاستقرار فعلًا إلى رافعة للعدالة والكرامة، أم ظل مكسبًا شكليًا لم ينعكس بما يكفي على حياة الناس؟
لقد رآكم المغرب خلال العقود الأخيرة رصيدًا مهمًا من الاستقرار المؤسساتي، في محيط إقليمي ودولي مضطرب، وهو مكسب سياسي حقيقي لا يمكن إنكاره، لأنه وفر شروط الاستمرارية وحمى البلاد من كثير من الهزات. غير أن قيمة هذا المكسب لا تتحدد فقط بوجوده، بل بقدرته على إنتاج أثر اجتماعي وتنموي ملموس.
فالمواطن لا يقيس الاستقرار بما يقال عنه، بل بما يتيحه له من شغل وعلاج وتعليم وعيش كريم. لذلك، حين يتزامن الحديث عن قوة المؤسسات مع البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بوجود الاستقرار، بل بما إذا كان هذا الاستقرار قد أفاد المواطن فعلًا في واقعه اليومي.

الاستقرار السياسي
ليس غاية في ذاته

الخطأ الأكبر يكمن في التعامل مع الاستقرار كما لو كان غاية نهائية، لا قاعدة للانطلاق نحو إصلاحات أعمق. فاستقرار المؤسسات ليس إنجازًا مكتملًا في حد ذاته، بل فرصة لبناء تنمية متوازنة وعدالة اجتماعية حقيقية. وحين يتحول إلى مجرد عنوان للاعتزاز السياسي دون أثر واضح في الواقع، يفقد تدريجيًا جزءًا من معناه لدى فئات واسعة من المواطنين.
لقد كان المفروض أن يفتح هذا الاستقرار المجال أمام سياسات أكثر جرأة في التشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية. لكن الذي حدث في كثير من الأحيان هو الاكتفاء بالحفاظ على التوازنات الكبرى دون ترجمتها إلى اختيارات اجتماعية منصفة. وهكذا بدت الدولة قوية في ضمان الاستمرارية، بينما ظلت السياسات العمومية محدودة الأثر في حياة الناس.

مسؤولية حكومية
لا يمكن التهرب منها

يتحمل الأداء الحكومي والأغلبية السياسية الداعمة له الجزء الأوفر من المسؤولية في هذه الإشكالية. فحين تكون المؤسسات مستقرة، والدولة متماسكة، والظروف مواتية للمبادرة، ثم تستمر الأزمات الاجتماعية والاختلالات التنموية، فإن الخلل لا يكون في الاستقرار نفسه، بل في العجز عن تحويله إلى منجز اقتصادي واجتماعي ملموس. ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومة، ليس فقط في ضعف الحصيلة، بل أيضًا في إهدار فرصة سياسية كان يمكن أن تجعل من الاستقرار مدخلًا فعليًا للإنصاف واستعادة الثقة.
فالحكومة لم تكن تشتغل في سياق ارتباك مؤسساتي أو فراغ سياسي، بل في ظل دولة مستقرة وتوجيهات كبرى واضحة. وكان المنتظر أن تترجم هذه الأرضية إلى قرارات أكثر جرأة وسياسات أكثر نجاعة ونتائج أوضح في التشغيل والدخل والخدمات. غير أن الأغلبية تعاملت مع هذا الرصيد كأنه معطى مضمون، لا كفرصة تاريخية تستوجب الاجتهاد والابتكار.

حين تتقدم المؤسسات 
وتتأخر التنمية

المفارقة اليوم أن المغرب يبدو أكثر تماسكًا على المستوى المؤسساتي، لكنه لا يزال يواجه أسئلة ثقيلة تنمويًا واجتماعيًا. فقوة الدولة لم تنعكس بما يكفي على المدرسة العمومية، ولا على العدالة في العلاج، ولا على حماية القدرة الشرائية، ولا على تقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم.
ذلك أن التنمية لا تختزل في أرقام أو مشاريع متفرقة، بل في شعور جماعي بأن الوطن يتقدم بشكل منصف، وأن ثمار الاستقرار تصل إلى الجميع. أما حين تتركز الفرص والخدمات في مجالات محددة، وتتسع الهشاشة في مجالات أخرى، فإن الاستقرار نفسه يصبح موضوع مساءلة.
وما يزعج اليوم ليس فقط محدودية النتائج، بل غياب الربط السياسي الواضح بين الاستقرار والعدالة. فالمجتمعات لا تكتفي بتماسك المؤسسات إذا كانت لا تشعر بالإنصاف، ولا تثق في الخطاب حين لا ترى أثره في حياتها اليومية. وهكذا يتحول التعثر التنموي من مجرد اختلال تقني إلى خلل سياسي في ترتيب الأولويات وفي توظيف الاستقرار نفسه.

أزمة الأثر قبل أزمة الخطاب

لا تكمن مشكلة المغرب في نقص الخطاب أو الشعارات، بل في ضعف الأثر الملموس. فالمواطن لم يعد ينتظر وصفًا للاستقرار، بل سياسات تجعله حاضرًا في جودة الخدمات، والإنصاف الاجتماعي، ومحاربة الاحتكار، وتوسيع فرص الصعود الاجتماعي.
وحين يغيب هذا الأثر، تتشكل أزمة ثقة صامتة، عنوانها تراجع القناعة بجدوى العمل العمومي. وهنا تكمن الخطورة: أن تظل المؤسسات قوية، دون أن يقتنع المجتمع بأن هذه القوة تنعكس فعلاً على حياته اليومية. لذلك، فإن الاستقرار الذي لا ينتج ثقة اجتماعية يظل مهددًا باتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وبين الخطاب والواقع.
ومن ثم، فإن المسؤولية السياسية اليوم لا تقف عند الدفاع عن صورة الاستقرار، بل في تحويله إلى سياسات ذات أثر مباشر. أما الاكتفاء بخطاب التبرير، أو تعليق الفشل على العوامل الخارجية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة، لأن المواطن قد يتفهم صعوبة الظرفية، لكنه لا يتفهم غياب النجاعة.

الخاتمة: الاستقرار الحقيقي 
هو الذي يغيّر حياة الناس

إن الدفاع عن استقرار المؤسسات لا يجب أن يتحول إلى مبرر للصمت عن أعطاب التنمية، كما أن نقد السياسات العمومية لا ينتقص من قيمة الاستمرارية المؤسسية التي تمثل أحد عناصر قوة المغرب. فالتحدي اليوم ليس فقط في حماية الاستقرار، بل في توظيفه وتحويله إلى مردود اجتماعي واقتصادي ملموس.
فالاستقرار الحقيقي ليس مجرد صمود المؤسسات، بل قدرتها على إنتاج العدالة والكرامة والفرص والثقة في المستقبل. وإذا لم يتحول هذا المكسب السياسي إلى رافعة تنموية يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فإن السؤال سيظل مطروحًا بإلحاح حول جدوى استقرار لا يخفف القلق الاجتماعي ولا يوسع دائرة الأمل.
ومن ثم، فإن الحكومة وأغلبيتها السياسية تتحملان الجزء الأوفر من مسؤولية عدم تحويل هذا المكسب إلى أثر واضح. لأن المطلوب لم يكن فقط الحفاظ على التوازنات، بل استثمارها في بناء أفق جديد للمغاربة، لا إهدارها في حصيلة محدودة ومردود دون الانتظارات.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الاتحاد يدعو ليقظة اقتصادية

رحيل صوت برلماني اتحادي ملتزم… النزهة أباكريم ومسار الترافع من داخل المؤسسة التشريعية

الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية يطالب بعقد اجتماع طارئ للجنة البنيات الأساسية حول حوكمة سوق المحروقات

الكاتب الأول يستقبل الوفد المشارك في مؤتمر «اليوزي»