رحلت النزهة أباكريم القادمة من صفوف القوات الشعبية، من تزنيت، أرض النضال والصمود، وإحدى قلاع المقاومة وجيش التحرير، ومن ذلك المغرب المنسي، أو الذي يراد له أن يظل على هامش الهامش، خرجت نزهة صوتا صداحا باسم الناس، لا تتكلم نيابة عنهم، بل تتحدث بهم ومنهم ولهم.
ولم تكن حكايتها حكاية مرضٍ عابر، ولا جسدٍ أنهكه الألم فحسب، بل كانت حكاية وعيٍ حيّ يصطدم بعقليات لا ترى في حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة قضية حقوقية أصيلة، ولا تعتبر الولوجيات التزاما قانونيا وأخلاقيا، بل ترفا مؤجلا أو تفصيلا ثانويا. هناك، حيث يفترض أن يصل الصوت من منبعه الصافي، تحت قبة مجلس النواب المغربي، سقط الامتحان المرير، لا لأن الجسد عجز عن الخطو، بل لأن الإرادة السياسية غابت عن مواكبة روح الدستور والاتفاقيات الدولية.

لقد كانت لحظة احتجاج الفريق الاتحادي حينها صرخة مدوية في وجه الإقصاء، تطالب بتمكين جسد متعب من ممارسة حقه في ولوج الفضاء المخصص لأصوات الشعب، لكن تلك اللحظة مرت كأنها حادث عرضي، لا كأنها سؤال كرامة يمس جوهر المواطنة، فلم يتبعها تقويم للمسار، بل صمت يثقل كاهل المكان. ورغم رحيلها المبكر، فقد تركت نزهة خلفها إرثا رقميا يصعب تجاوزه: 693 سؤالا كتابيا داخل المؤسسة التشريعية، وهو رقم قياسي لا يبلغه في كثير من الأحيان عشرات البرلمانيين مجتمعين، بل وتتوارى خلفه كفاءة فرق وأحزاب برمتها، فما كانت الأرقام عندها مجرد استعراض، بل كانت نبضا متواصلا للناس، وإصرارا عنيدا على مساءلة الواقع المر، وعلى فرض قضايا المواطنين في قلب النقاش العمومي تحت قبة البرلمان.
واليوم، ليس المطلوب منا أن نرثي واقعة، ولا أن نسكن غضبًا عابرا بكلمات التأبين، بل المطلوب هو إعادة ترتيب المعنى، وفهم أن الأشخاص في وضعية إعاقة-سواء كانت حركية، بصرية، سمعية، أو غيرها-ليسوا موضوعًا للشفقة أو الإحسان، بل هم أصحاب حق كامل غير منقوص في الولوج، والمشاركة، وصناعة القرار، ويجب أن نكف فورًا عن اختزال كيانهم في «الألم»، وأن نعترف بهم كطاقات وكفاءات وطنية، فيهم الأطر والمبدعون والسياسيون الصادقون الذين ينتظرون فقط أن تهدم الجدران وتفتح الأبواب كما تقتضي العدالة.
إن الحديث هنا لا يقتصر على مجرد ممر أو مصعد كهربائي، بل هو حديث عن تصور كامل للعدالة داخل المؤسسات، عن برلمان لا يغلق في وجه من لا يبصرون بل «يبصر « من خلالهم، ولا يقصي من أعاقتهم الحركة بل يتحرك بإرادتهم، ولا يضعف من لا يسمعون بل ينصت إلى مطالبهم بعمق ومسؤولية.
لقد وصلت الرسالة بوضوح، لكن التأخر في تحويلها إلى فعل ميداني يظل شكلا من أشكال التمييز الممنهج، وعلى الأحزاب السياسية كافة أن تدرك أن إدماج كل المغاربة دون تمييز ليس بندا ثانويا في برامجها، بل هو جوهر العمل السياسي الديمقراطي.
ولأجل ذكرى نزهة باكريم، لا يكفي الحزن ولا تجدي الكلمات المنمقة، بل المطلوب هو فعل واضح يتمثل في التعميم الفعلي للولوجيات داخل كل مرافق المؤسسة التشريعية بغرفتيها، وتخليد اسمها في أحد ممراتها، ليس كرمز تكريمي فحسب، بل كالتزام أخلاقي وحقوقي بأن ما ناضلت من أجله لن يطويه النسيان، حتى لا يظل نصيب الأشخاص في وضعية إعاقة هو الوقوف «خارج» الأبواب يحتجون، بل أن يدخلوا بكامل كرامتهم، جسدا وروحا وفكرا، لكي يشرّعون، ويراقبون، ويصنعون مستقبل هذا الوطن.
رحم الله النزهة أباكريم، ولعل رحيلها يكون بداية لامتحان حقيقي لإنسانيتنا ومؤسساتنا.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

جمع عام تأسيسي لقطاع التجار والمهنيين والصناع التقليديين بتطوان

المغاربة يُسحقون تحت الغلاء فمن يتحمل المسؤولية

في اختتام أشغال مؤتمر شبكة المينا–لاتينا بطنجة : انتخاب أيوب الهاشمي كاتبا عاما بالإجماع وتعزيز الهيكلة التنظيمية للشبكة مع التنويه بقرار مجلس الأمن حول الصحراء

في غياب الحكومة، المستهلك وجها لوجه أمام “لوبيات” الاحتكار وتجار الأزمات