رسالة الاتحاد
ثمة طريقة حديثة لإسقاط حزب معارض دون حظر أي تجمّع أو فرض رقابة علنية على أي صحيفة. وهي تقوم على ترك المحاكم تتولّى المهمة. وقد قدّمت تركيا للتوّ برهانًا مروّعًا على ذلك. ففي 21 مايو 2026، أبطلت محكمة استئناف في أنقرة، بحكم «البطلان المطلق» — وهو أشد أصناف البطلان في القانون المدني التركي — مؤتمر حزب الشعب الجمهوري (CHP) لعام 2023، وهو القوة المعارضة الأولى في البلاد، فمحت بأثر رجعي القيادة المنتخبة ديمقراطيًا برئاسة أوزغور أوزال، وكذلك جميع القرارات المتّخذة منذ ذلك الحين. وبعد ثلاثة أيام، اقتحمت الشرطة مقرّ الحزب لتنفيذ القرار، حتى قبل أن يصبح نهائيًا.
ورغم تقديمه على أنه مسألة إجرائية داخلية، فإن الأمر ليس كذلك. إنه يندرج ضمن سلسلة لا يترك منطقها مجالًا كبيرًا للشك. ففي مارس 2025، اعتُقل رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الرجل الذي كانت استطلاعات الرأي ترجّح قدرته على هزيمة رجب طيب أردوغان، في اليوم نفسه الذي كان حزبه يستعدّ فيه لترشيحه للانتخابات الرئاسية. وفي نوفمبر، طالب المدّعي العام آكين غورلك بسجنه أكثر من ألفي عام. وفي فبراير 2026، رُقّي المدّعي نفسه إلى منصب وزير العدل. وهكذا اكتملت الحلقة: فمن قاد حملة القمع ضد المعارضة هو اليوم من يشرف على المؤسسة التي يُفترض أن تحميها.
هذا الأسلوب لا يهاجم الحريات في وضح النهار، بل يفرغها من الداخل متدثّرًا برداء الشرعية. قاضٍ يحلّ محلّ الناخبين. ومحكمة تلغي و تنقض ما أقرّه مؤتمر. فلم تعد السلطة بحاجة إلى تلطيخ يديها: يكفيها أن تتحكم في اصحاب الجبة السوداء. والأثر مدمّر في منهجيّته — ففي بضع سنوات انهارت ثقة الأتراك في قضائهم، وباتت أغلبية واسعة تعتبر الملاحقات ضد المعارضة سياسيةً لا قضائية. وحين يكفّ شعب عن الإيمان بأن محاكمه تقول القانون لا إرادة الأمير، فإن البناء الديمقراطي بأكمله يتصدّع.
فلماذا ينبغي أن ننتبه للأمر ؟ لأن توظيف القضاء لأغراض التحييد السياسي ليس مرضًا تركيًا. إنه توجه عابر للحدود و وجه للاستبداد المعاصر. والقوى التقدمية، التي تعرف بحكم تجربتها ما يكلّفه تضييق الفضاء السياسي، لا تملك ترف اللامبالاة. فالتضامن الأممي ليس مجاملةً في المؤتمرات؛ بل هو الردّ الوحيد الذي يوازي شرًّا لا يعرف حدودًا. لذلك يؤكد الاتحاد الاشتراكي تضامنه و دعمه للقيادة الشرعية لحزب الشعب الجمهوري المنتخبة في مؤتمر 2023.
وأخيرًا، الدرسٌ الأوسع هو ان الديمقراطية لا تُقاس بمهابة نصوصها، بل بالاستقلال الفعلي لقضاتها وبالمساواة الفعلية بين المتنافسين السياسيين. إن دفاعنا عن حزب الشعب الجمهوري ليس دفاعًا عن حزب أجنبي، إنه دفاع عن فكرة نتقاسمها: أن السلطة تُكتسَب وتُفقَد في صناديق الاقتراع، لا في المحاكم.


تعليقات الزوار ( 0 )