أكد الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، أن المسار السياسي الذي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة قام على منطق التوافق والإصلاح التدريجي، وليس على منطق القطيعة أو الصدام، معتبراً أن المكاسب الديمقراطية والمؤسساتية التي تحققت اليوم هي ثمرة نضالات طويلة وتوافقات كبرى بين مختلف مكونات الحقل السياسي والمؤسساتي.
وأوضح لشكر أن مشاركة الاتحاد الاشتراكي في حكومة التناوب التوافقي شكلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر، إذ ساهمت في إطلاق أوراش سياسية واقتصادية وإدارية كبرى، ورسخت ثقافة التوافق الوطني حول الإصلاح الديمقراطي.
وأضاف أن التفاهمات التي تمت خلال تلك المرحلة مع الملك الراحل الحسن الثاني أسهمت في بناء مناخ سياسي جديد، مهد لتطوير المؤسسات وتعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين، وصولاً إلى الإصلاحات الدستورية المتلاحقة التي توجت بدستور 2011.
واعتبر لشكر أن دستور 2011 شكل محطة متقدمة في مسار الإصلاح السياسي بالمغرب، بما تضمنه من مكتسبات ديمقراطية ومؤسساتية مهمة، مؤكداً أن هذه الإصلاحات ساهمت في ترسيخ التوافق الوطني حول الثوابت الدستورية والمؤسساتية للمملكة.
وفي معرض حديثه عن الإصلاحات الاقتصادية، شدد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي على أن الحزب كان دائماً من المدافعين عن اقتصاد السوق المؤطر بالقانون والضوابط المؤسساتية، موضحاً أن عدداً من الإصلاحات المرتبطة بالتحرير الاقتصادي والخصخصة وتحديث المنظومة القانونية للاستثمار تم إطلاقها خلال فترات تولي الاتحاد الاشتراكي مسؤوليات حكومية.
وأكد أن نجاح السياسات الليبرالية لا يقاس فقط بفتح الأسواق، وإنما بمدى قدرتها على ضمان المنافسة الشريفة وحماية الحقوق الاقتصادية وتوفير الإطار القانوني الذي يشجع الاستثمار الوطني والأجنبي على حد سواء.
وخلال تفاعله مع أسئلة الحاضرين بشأن مستقبل الأحزاب التقليدية وصعود تيارات سياسية جديدة وعزوف الشباب عن العمل الحزبي، قدم لشكر قراءة للتحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين، خاصة ما ارتبط بصعود الحركات ذات المرجعية الدينية في عدد من البلدان العربية.
وأوضح أن ما يسمى بـ”الإسلام السياسي” ارتبط بسياقات إقليمية ودولية محددة، خاصة خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة وبداية التحولات الكبرى التي عرفها العالم العربي، مشيراً إلى أن التجارب التي أفرزتها هذه المرحلة كشفت حدود العديد من الرهانات التي بنيت عليها.
وأكد أن المغرب اختار مساراً مختلفاً قوامه الإصلاح التدريجي والاستقرار المؤسساتي، وهو ما مكنه من تجاوز العديد من الهزات التي عرفتها المنطقة، والحفاظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها في سياق إقليمي اتسم بعدم الاستقرار.
كما شدد على أن التحدي المطروح اليوم أمام الأحزاب السياسية، بما فيها الأحزاب التاريخية والعريقة، يتمثل في استعادة ثقة الشباب وإشراكهم في الحياة العامة، عبر تجديد الخطاب السياسي وتطوير آليات التأطير والمشاركة، والاستجابة للقضايا التي تشغل الأجيال الجديدة في مجالات التعليم والتشغيل والحريات والعدالة الاجتماعية.
وختم لشكر بالتأكيد على أن مستقبل العمل السياسي في المغرب يظل مرتبطاً بقدرة الأحزاب على التجدد والانفتاح على التحولات المجتمعية، مع الحفاظ على دورها التأطيري والتعبيري داخل المؤسسات الديمقراطية.


تعليقات الزوار ( 0 )