استقوت الحكومة، بأغلبيتها العددية، على المعارضة البرلمانية؛ ومارست عليها، كاستراتيجية لفرض أمر الواقع، كل أشكال التضييق، بشأن الصلاحيات الرقابية والتشريعية المخولة لها، بموجب الفصل 10 من الدستور.
ولما أفلحت في الاستقواء، مددت الحكومة تغولها الذي طال حتى على مجالس الحكامة، باعتبارها مؤسسات دستورية مستقلة، أناط بها الدستور وظائف تتعلق بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، وترسيخ الحكامة الجيدة، والتنمية البشرية والديمقراطية التشاركية.
ومن نتائج تمديد الحكومة لتغولها على مجالس الحكامة، مواصلة انتهاكها لمبدأ التوازن والتعاون والتكامل المؤسساتي، المنصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور؛ خاصة وأن هذا التغول أدى إلى تعطيل وتجميد جزء كبير من الصلاحيات المخولة لمجالس الحكامة بموجب الدستور والقوانين المنظمة لها.
ومن قبيل ذلك التجميد، ما تتم معاينته من ملاحظات ومآخذ تسجلها هذه المجالس على الحكومة، في تقاريرها السنوية والموضوعاتية؛ كما هو الشأن بالنسبة لتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومجلس المنافسة.
ومثل ذلك، ما سجلته تقارير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بشأن تعطيل الحكومة للجنة الوطنية لمكافحة الفساد؛ ومثل ذلك أيضا، أسلوب التجاهل واللامبالاة الذي تنهجه الحكومة، بشأن الإخلال بالتزامها الدستوري والقانوني، الذي يفرض عليها ضرورة اللجوء إلى الاستشارة الوجوبية لمجلس المنافسة، بشأن مشاريع القوانين التي تتضمن قيودا كمية على الولوج للمهن والدخول إلى السوق؛ إذ صرفت النظر عن هذه الاستشارة الوجوبية، ولم تلجأ إليها بخصوص مشاريع القوانين المتعلقة بمهن التوثيق العصري، والعدول، والمحاماة.
إن تعدد وتنوع مشاريع القوانين التي تجاهلت الحكومة بشأنها الاستشارة الوجوبية لمجلس المنافسة، يشكل قرينة على أسلوبها الممنهج في تعطيل مبدأ التوازن والتعاون والتكامل المؤسساتي.
ومما يجعل هذه القرينة قاطعة غير قابلة لإثبات العكس، أنه رغم لجوء مجلس المنافسة إلى الإحالة الذاتية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ورغم مبادرة الفيدرالية الديمقراطية للشغل، المتمثلة في تقديم أمام هذا المجلس طلبا للرأي حول القيود الكمية المفروضة على الولوج لمهنة المحاماة وممارستها، ورغم إعداد مجلس المنافسة رأيه في الموضوع، وتبليغه لرئيسي مجلسي النواب والمستشارين، ورئيس الحكومة، ووزير العدل بتاريخ 30 يونيو 2026؛ فإنه تم التغاضي عن هذا الرأي، ولم يتم ضمه لجدول أعمال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، في اجتماعها المنعقد يوم فاتح يوليوز 2026، خاصة وأن هذا الاجتماع، خصص بحيز كبير للقراءة الثانية لمشروع قانون المحاماة.
ولم ينحصر انتهاك الحكومة لمبدأ التوازن والتعاون والتكامل المؤسساتي في تغولها على المعارضة البرلمانية والمؤسسات الدستورية المستقلة؛ بل امتد إلى درجة انتهاك مبادئ دستورية أخرى، خاصة تلك الضامنة للعديد من الحريات والحقوق التي يكفلها الدستور للمواطنات والمواطنين المغاربة؛ من قبيل الحق في المساواة أمام القانون (الفصل 6)، وتكافؤ الفرص (الفصل 35)، والحق في الشغل (الفصل 31)؛ مستخدمة في ذلك فرض، عبر أغلبيتها العددية، قوانين عادمة لهذه الحريات والحقوق الدستورية.
ويتأكد بشكل كبير وواضح، هذا الطابع التغولي الذي تتسم به منهجية الحكومة في التعامل مع المعارضة البرلمانية والمؤسسات الدستورية المستقلة؛ عند استحضار عدد القوانين التي قضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقتها لمبادئ الدستور. ومن أمثلة ذلك، القانون المتعلق بالتنظيم القضائي، والقانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، وأخيرا القانون المنظم لمهنة العدول، والتي كلها قضت المحكمة الدستورية بانتهاكها لمبادئ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص.
هذه العينة من القوانين العادية التي قضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقتها للدستور، تعتبر هي الأخرى قرينة قاطعة على أن باقي القوانين العادية الأخرى التي لم تتم إحالتها على المحكمة الدستورية، تكون هي الأخرى مشوبة بانتهاك الدستور.
ورغم الإنذار الذي يستخلص من قرارات المحكمة الدستورية ذات الصلة، وكذلك من خلال استقراء آراء وتقارير مجالس الحكامة، فإن الحكومة تتعمد أسلوب الاستمرار في منهجها التغولي، وفي المساس بالحقوق الدستورية للمواطنات والمواطنين المغاربة؛ مستعملة في ذلك إنتاج نصوص تشريعية ماسة بتلك الحقوق، تمررها عبر أغلبيتها العددية بالبرلمان.
وهو الأمر الذي تتم ملامسته، من خلال عدم مبالاة الحكومة برأي مجلس المنافسة بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، حيث رغم التوصيات ذات الأولوية بشأن هذا المشروع، والهادفة إلى ضمان وحماية الحقوق الدستورية للمواطنات والمواطنين المغاربة، خاصة المساواة أمام القانون، وحرية المبادرة، وتكافؤ الفرص، والحق في الشغل؛ فإن الحكومة تغافلت عن هذه التوصيات، بل وتعاملت معها بانتقائية؛ متذرعة بكون هذه التوصيات تظل غير ملزمة؛ وفي هذا فهم خاطئ مقصود للطبيعة القانونية لهذه التوصيات الصادرة عن مؤسسة دستورية مستقلة، والتفاف حول المفهوم الحقيقي للاستشارة الوجوبية المنصوص عليها في المادة 7 من القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، والتي لن تكون بطبيعتها الوجوبية، إلا استشارة شبه ملزمة، تفرض على الحكومة، تبرير وتعليل استبعاد خلاصاتها وتوصياتها.
فرغم توصيات مجلس المنافسة بإلغاء الحد الأقصى للسن، في اجتياز امتحان الأهلية المهنية للمحاماة، ضمانا وكفالة لحقوق جميع المغاربة في المساواة، وتكافؤ الفرص، والشغل، وحماية لهم من كل أشكال التمييز بسبب الوضع الشخصي؛ فإن وزير العدل تغافل عن هذه التوصية، وأصر على هدر تلك الحقوق، المكفولة للمغاربة بموجب الدستور، من خلال الإصرار على الاحتفاظ بشرط الحد الأقصى للسن، مما سيحرم فئة عريضة من المواطنات والمواطنين المغاربة من حق الولوج لمهنة المحاماة.
وبنفس الإصرار، وبنوع من المزاجية والانتقائية، تعامل وزير العدل مع توصية مجلس المنافسة، الداعية إلى تمتيع الأطر الإدارية القانونية المكلفة بالشؤون القانونية، بالإعفاء من اجتياز امتحان الكفاءة المهنية، إسوة بالقضاة وأساتذة التعليم العالي، وموظفي كتابة الضبط؛ حيث تجاهل مطالب بعض نواب الأمة، بضرورة الالتفات لهذه التوصية، احتراما للدستور، وتنزيلا للالتزام الدستوري الذي وضعته الفقرة الثانية من الفصل 6 من الدستور، على السلطات العمومية في العمل على تعميم الطابع الفعلي للمساواة، بين المواطنات والمواطنين، في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؛ إذ أصر على إقصاء فئة الموظفين العموميين المكلفين بالشؤون القانونية، وتكريس حرمانهم من هذا الحق في الإعفاء من الامتحان ومن التمرين؛ رغم تقاطعهم في المراكز القانونية، وفي الاختصاصات، مع القضاة وأساتذة التعليم العالي والمحامين وموظفي كتابة الضبط؛ بل وأكثر من ذلك، تم إقصاء هذه الفئة من الموظفين العموميين، رغم اعترافه الصريح في المادة 7 من مشروع القانون الذي أشرف على إعداده، بصلتها المباشرة مع ممارسة مهنة المحاماة؛ بحيث لا يمكن للمحامي المتمرن أن يصير محاميا ممارسا إلا إذا اجتاز تدريبا لدى فئة الموظفين العموميين المكلفين بالشؤون القانونية والمنازعات القضائية للدولة.
تعليقات الزوار ( 0 )