لم يعد النجاح الذي حققته كرة القدم المغربية مجرد إنجاز رياضي عابر، بل تحول إلى عنوان لنهضة وطنية شاملة، وإلى مصدر اعتزاز لكل المغاربة، بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية. لقد وحد المنتخب الوطني مشاعر المغاربة داخل الوطن وخارجه، وجعل من الانتصارات الرياضية لحظة نادرة يلتقي فيها الجميع حول العلم الوطني، وحول صورة المغرب وهو يفرض حضوره بين كبار الأمم الكروية. وهذا ما جعل كرة القدم واحدة من أهم مجالات الإجماع الوطني التي ينبغي صيانتها من كل أشكال التوظيف والاستغلال.
غير أن ما يثير الانتباه في الآونة الأخيرة هو بروز خطاب سياسي يحاول تقديم هذه الإنجازات وكأنها امتداد لمشروع سياسي معين، أو نتيجة مباشرة لتوجه حزبي بعينه، في محاولة لاستثمار الرصيد الرمزي والشعبي الذي راكمته كرة القدم المغربية. وهي محاولة لا تخدم لا الرياضة ولا السياسة، لأنها تنقل لعبة تجمع المغاربة جميعا إلى ساحة التجاذب والانقسام.
لقد علمتنا التجارب، في المغرب وفي غيره، أن النجاح في الرياضة لا يعني بالضرورة النجاح في السياسة. فكثير من الأبطال الرياضيين الذين دخلوا معترك السياسة لم يحققوا النجاح نفسه الذي حققوه في الملاعب. والسبب واضح، لأن المجالين مختلفان في الطبيعة والوظيفة والأهداف. فالرياضة تقوم على المنافسة الشريفة والنتائج الملموسة، بينما السياسة مجال لتدافع البرامج والرؤى والمصالح، ولا يمكن أن تكون فيه فكرة واحدة أو موقف واحد محل إجماع دائم.
ولهذا فإن محاولة إلباس الإنجازات الرياضية لباسا سياسيا ستؤدي حتما إلى نتائج عكسية. فما دام المنتخب الوطني يمثل جميع المغاربة، فإن تحويله إلى رصيد سياسي لفائدة طرف دون غيره سيدفع الأطراف الأخرى إلى رفض هذا الاحتكار، وسينتقل ما كان مجالا للوحدة إلى فضاء للاستقطاب. وعندما تدخل السياسة إلى المجال الرياضي بهذا الشكل، فإن الخاسر الأول سيكون هو الإجماع الوطني الذي التف حول المنتخب.
والحقيقة التي لا يجوز القفز عليها هي أن ما تحقق لم يكن نتيجة جهود معزولة أو ظرفية، وإنما ثمرة مسار طويل من الإصلاح والاستثمار والعمل المؤسساتي، شاركت فيه الدولة بمختلف مؤسساتها، وفي مقدمته الرؤية الملكية والدعم الملكي المتواصل الذي وفر للرياضة المغربية، وللكرة على وجه الخصوص، شروط التطور والنجاح. كما ساهمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والأطر التقنية واللاعبون والجمهور في صناعة هذا الإنجاز الجماعي الذي لا يمكن مصادرته أو نسبته إلى جهة واحدة.
ومن هنا فإن كل محاولة لاحتكار هذا النجاح أو تقديمه باعتباره انتصارا لتيار سياسي معين، هي في حقيقتها اختزال لجهد وطني جماعي شارك فيه الجميع. فالمنتخب الوطني ليس منتخبا حزبيا، والانتصارات التي يحققها ليست ملكا لتنظيم سياسي أو حكومة أو فئة اجتماعية، وإنما هي ملك لكل المغاربة، تماما كما أن العلم الوطني والنشيد الوطني ملك للجميع.
وفي هذا السياق، يكتسي البيان الأخير للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أهمية خاصة، إذ نبه إلى خطورة الخطاب الذي يروج، بكثير من الجزم واليقين، لمن سيفوز في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرا أن مثل هذا السلوك يشكل مسا بروح المنافسة الديمقراطية وضربا في عمق مصداقية الانتخابات قبل أوانها. وإذا كان البيان لم يتحدث مباشرة عن الرياضة، فإن من المشروع سياسيا الربط بين هذا التحذير وبين محاولات استثمار الإنجازات الوطنية، وفي مقدمتها الإنجازات الكروية، لإنتاج خطاب تبشيري يوحي بأن الشعبية الرياضية يمكن أن تتحول إلى رصيد انتخابي، أو أن ما تحقق في الملاعب يمكن توظيفه لإقناع المواطنين بأن نتائج صناديق الاقتراع قد حسمت سلفا. وهو منطق يسيء إلى السياسة كما يسيء إلى الرياضة.
فكما استقر الوعي الوطني على رفض توظيف الدين في الصراع السياسي، باعتباره ملكا لجميع المغاربة، ولا يحق لأي طرف أن يحتكره أو يدعي امتلاك مفاتيحه، فإن المنطق نفسه يقتضي حماية كل الرموز الوطنية الجامعة من الاستغلال السياسي. وكرة القدم اليوم أصبحت، بفضل ما حققته من إنجازات، واحدة من تلك الرموز التي ينبغي أن تبقى فوق الحسابات الحزبية والمكاسب الانتخابية.
إن قوة المغرب لم تكن يوما في تعدد خلافاته، وإنما في قدرته على الحفاظ على مساحة واسعة من القواسم المشتركة التي تجمع أبناءه. وكلما اتسعت هذه المساحة، ازدادت مناعة المجتمع، وتعززت الثقة في المؤسسات، وارتفعت قدرة الوطن على مواجهة التحديات. أما عندما تصبح كل النجاحات موضوع صراع على الملكية السياسية، فإننا نكون بصدد إضعاف هذا الرصيد المشترك الذي تحتاجه كل الأمم.
إن من يسعى اليوم إلى التبشير بأن الإنجازات الرياضية تمنح صكا انتخابيا مسبقا، أو يوظف مشاعر الفخر الوطني لبناء يقين سياسي حول نتائج لم يقل فيها الشعب كلمته بعد، لا يخدم الديمقراطية ولا يخدم الرياضة. فالديمقراطية تحتكم إلى صناديق الاقتراع، والرياضة تحتكم إلى قوانين المنافسة، ولا يجوز الخلط بين المجالين.
لذلك فإن حماية كرة القدم من الاستغلال السياسي ليست دفاعا عن لعبة فحسب، بل هي دفاع عن المشترك الوطني، وعن نزاهة التنافس الديمقراطي، وعن حق جميع المغاربة في أن يظل المنتخب الوطني رمزا لوحدتهم، لا أداة في معارك السياسة اليومية.
مواضيع ذات صلة

فريق الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تصنيف المقاهي الثقافية كشريك استراتيجي لدعم الفعل الثقافي

من التغول على المعارضة إلى التغول على المؤسسات الدستورية المستقلة

بلاغ المكتب السياسي للحزب لاجتماع يوم 29 يونيو 2026

تعليقات الزوار ( 0 )