تعميم التعليم الأولي في أفق 2028 وطموح محاربة الانقطاع بحلول 2030 عبر الجودة والرصد المبكر والدعم الاجتماعي
كيف نضمن لكل طفل بداية تعليمية جيدة، وكيف نحمي حقه في مواصلة التعلم حتى يبني مستقبله بكرامة؟ بهذا السؤال، وضع كمال الهشومي، الوزير المنتدب المكلف بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، الرهان الإنساني والاجتماعي للإصلاح في صلب تقديم أولويات مجاله أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، يوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، ضمن مناقشة مشروع الميزانية الفرعية للوزارة برسم سنة 2027.
وفي تدخل قدمه إلى جانب محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، ربط الهشومي بين الاستثمار في السنوات الأولى من حياة الطفل وحماية استمراره داخل منظومة التعليم والتكوين. فالفوارق التي تتشكل مبكرا قد تتسع مع الانتقال بين الأسلاك، والتعثر الذي لا يجد مواكبة في الوقت المناسب قد يتحول إلى انقطاع يضيق فرص التعلم والتأهيل والاندماج.
وتتحدد وجهة هذا العمل، وفق التدخل، في التزامات البرنامج الحكومي، وفي مقدمتها استكمال تعميم التعليم الأولي في أفق 2028، والسعي إلى تحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول 2030، في ظل العناية التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس للمدرسة المغربية وتنمية الإنسان. وهي أهداف قدمها الوزير المنتدب باعتبارها مسؤولية تستوجب تدخلا تدريجيا من مختلف القطاعات الحكومية وقابلا للتتبع، وقياسا للنتائج التي تصل فعليا إلى الأطفال والأسر.
رب
*التعليم الأولي وتحدي الوصول إلى كل طفل
عرض الهشومي مؤشرات تقدم تعميم التعليم الأولي، موضحا أن نسبة التمدرس بلغت 82,3 في المائة خلال الموسم الدراسي 2025–2026، فيما تستهدف خطة العمل بلوغ نسبة تقارب 90 في المائة خلال موسم 2026–2027، في الطريق إلى التعميم. كما ارتفعت الميزانيتان المخصصتان للاستثمار والتسيير في هذا المجال من 1,9 مليار درهم سنة 2022 إلى 3,3 مليارات درهم سنة 2026.
وفي مستجدات الدخول المدرسي 2026–2027، شملت مواصلة توسيع العرض إحداث نحو 785 قسما جديدا، واستقبال أكثر من 47 ألف طفل إضافي بالتعليم الأولي العمومي، إلى جانب انتقال تدبير نحو 915 قسما قائما من أقسام المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

وتحمل هذه الدينامية، في المقاربة التي قدمها الوزير المنتدب، مسؤولية الوصول إلى الأطفال الذين ما زالت تعترضهم صعوبات الالتحاق، خاصة في المناطق القروية والمجالات ذات الكثافة السكانية الضعيفة. لذلك يرتبط توسيع العرض بمعرفة دقيقة بمواقع الخصاص، وبالتواصل مع الأسر وتشجيعها على تسجيل أطفالها ابتداء من سن الرابعة، من خلال مبادرات من بينها الحملة الوطنية “خطوتي الأولى”.
ويحضر الإنصاف هنا بوصفه معيارا لتوجيه التدخل: فالطفل في دوار بعيد، والطفلة المنتمية إلى أسرة محدودة الدخل، والطفل في وضعية إعاقة، يحتاجون إلى شروط فعلية للاستفادة من خدمة تربوية جيدة. ويقتضي ذلك تكييف الاستقبال والأنشطة والمواكبة مع الحاجات المختلفة للأطفال، وتقريب العرض من الفئات والمناطق الأقل استفادة.

*الجودة تبدأ من المربية والمربي
أعطى التدخل مكانة مركزية لما يكتسبه الطفل داخل القسم، من لغة وتواصل وثقة واستقلالية وقدرة على التفاعل والتعلم باللعب، وفق سنه وحاجاته. ومن هذا المنظور، يرتبط تقدم التعميم بجودة التأطير، وباستعداد الطفل للانتقال الناجح إلى التعليم الابتدائي.
وفي ترجمة لهذا التوجه، استعرض الهشومي التزامات البرنامج الحكومي بإطار مرجعي وطني لمكتسبات الطفل في الرابعة والخامسة، ودليل بيداغوجي موحد للمربية والمربي، مع تعزيز أدوات تقييم النمو والتعلم والتتبع الرقمي المرتبط بمنظومة “مسار”. وتتيح هذه الأدوات توجيه المواكبة مبكرا وتأمين استمراريتها عند الانتقال إلى الابتدائي.
وأكد الوزير المنتدب أهمية التكوين الأساس والمستمر، والمواكبة التربوية المنتظمة، وتحسين الظروف المهنية والاجتماعية للمربيات والمربين. فجودة التجربة اليومية للطفل تتأثر مباشرة بقدرة من يؤطره على فهم حاجاته وتنمية مهاراته. ويكتمل هذا الجهد بإشراك الأسرة، وتوسيع التربية الوالدية، والاستفادة من التقييم الذاتي والخارجي لوحدات التعليم الأولي لتحديد حاجات التحسين.
*صفر انقطاع يبدأ بالتدخل قبل المغادرة
في محور محاربة الهدر المدرسي، قدم الهشومي مقاربة تنطلق من التقاط الإشارات الأولى التي تهدد المسار الدراسي. فتكرار الغياب يستدعي تواصلا مع التلميذ وأسرته، والتراجع في التعلمات يحتاج إلى دعم بيداغوجي، والصعوبات النفسية أو الأسرية تستوجب إنصاتا ومواكبة ملائمين.
ويمنح هذا التوجه للرصد المبكر وظيفة عملية داخل المؤسسة، من خلال التتبع اليومي للغياب، وتوظيف منظومة “مسار”، وتفعيل خلايا اليقظة ومراكز الإنصات والدعم النفسي والاجتماعي. وتكتسب هذه الآليات فعاليتها حين تفضي الحالة المرصودة إلى تدخل محدد، ثم إلى متابعة تبين ما إذا كان التلميذ قد تجاوز الصعوبة واستعاد انتظامه الدراسي.
ويستدعي السلك الإعدادي عناية خاصة، بالنظر إلى حجم التحديات المرتبطة به، وإلى حساسية الانتقال من الابتدائي. كما يحتل التحكم في التعلمات الأساس موقعا رئيسيا في الوقاية، عبر تشخيص التعثرات وتقديم الدعم المناسب قبل تراكم الفشل والتكرار وتراجع ارتباط التلميذ بالمدرسة.
*النقل والإيواء والإطعام لحماية الاستمرار الدراسي
وضع الوزير المنتدب الدعم الاجتماعي ضمن أدوات حماية الحق في التعليم. فحين يصبح بعد المؤسسة أو ثمن التنقل عائقا، تكتسب خدمات النقل المدرسي والإيواء والإطعام أثرا مباشرا في استمرار التلاميذ، خاصة الفتيات في الوسط القروي وعند الانتقال إلى الإعدادي.
وتتكامل هذه الخدمات مع تعزيز جاذبية المدرسة، عبر الأنشطة الثقافية والرياضية ومراكز التفتح ومسارات “رياضة ودراسة”، بما يتيح للتلاميذ اكتشاف قدراتهم وتقوية شعورهم بالانتماء إلى المؤسسة. كما تشمل الأولويات تعبئة الأسر والجماعات الترابية والجمعيات، وتنسيق تدخلاتها حتى يصل الدعم إلى التلميذ في الوقت المناسب ويستجيب للسبب الفعلي الذي يهدد استمراره.
*فرصة للعودة ومسارات للتأهيل
وتناول الهشومي وضعية المنقطعين، مؤكدا أهمية تنويع المسارات وإقامة جسور فعلية بين التعليم والتكوين المهني والتكوين بالتدرج ومدارس الفرصة الثانية، مع عناية خاصة بالفئة العمرية بين 15 و18 سنة.
ويتيح تكامل هذه المجالات ضمن اختصاصات الوزارة توسيع إمكانات العودة إلى التعلم والتأهيل، وملاءمة المسارات مع قدرات الشباب وميولهم. ويظل تثبيت العودة ومتابعة الاستمرار شرطين لتقدير أثر الاسترجاع، كما ترتبط قيمة مراكز الفرصة الثانية بما تفتحه من فرص فعلية للتعلم والتأهيل والإدماج.
*الميزانية في خدمة أثر يلمسه المتعلم
وجعل الهشومي وصول الخدمة وتحسن التعلمات واستمرار المستفيدين داخل منظومة التعليم والتكوين معايير لتقييم العمل. وبذلك ترتبط الموارد المعبأة بالنتائج المحققة، ويصبح تتبع الصعوبات وتصحيح التدخلات جزءا من المسؤولية الحكومية ومن النقاش مع المؤسسة البرلمانية.
ومن خلال هذا التدخل، برز تصور يجمع التعليم الأولي والوقاية من الانقطاع ضمن مسار متصل: بداية جيدة تساعد الطفل على التعلم، ومواكبة تحميه حين يتعثر، وفرص تتيح للشباب استئناف بناء مستقبلهم. وهي الوجهة التي عبر عنها الوزير المنتدب بقوله: “أن يجد كل طفل مكانه منذ التعليم الأولي، وأن يجد كل تلميذ من يسانده حين يتعثر، وأن يجد كل شاب فرصة لبناء مستقبله”.


تعليقات الزوار ( 0 )