من مغرب بسرعات متفاوتة إلى مغرب موحد في فرص التنمية

في إطار تقديم البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قدم “أحمد مفيد”، عضو لجنة إعداد البرنامج، شقا مفصلاً حول العقد الاجتماعي ، مركزاً على قضايا العدالة المجالية والدولة الاجتماعية والصحة والتعليم والجامعة والبحث العلمي وأوضاع المتقاعدين والمسنين.
وانطلق مفيد من فكرة أساسية مفادها أن التنمية لا يمكن أن تكون عادلة إذا ظلت بعض المناطق والجهات تعاني من الخصاص في المدارس والمستوصفات والطرق وشبكات الماء والخدمات الأساسية، بينما تستفيد مناطق أخرى من مستويات أعلى من التجهيز والاستثمار.
ومن هنا رفع الحزب شعار بناء **«مغرب بسرعات موحدة»**، بدل مغرب بسرعات متفاوتة، باعتبار أن الإنصاف المجالي أصبح شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والاستقرار الاجتماعي.
ويأتي هذا التوجه منسجماً مع النقاش الذي فتحه الاتحاد الاشتراكي منذ مرحلة الإعداد لبرنامجه، حيث جعل العدالة الاجتماعية والمجالية مدخلاً أساسياً لأي نموذج تنموي فعال، وربط التنمية بضرورة إعادة توزيع الثروة والفرص وتقليص الفوارق.
الاستثمار العمومي في خدمة المناطق المهمشة
وفي مجال العدالة المجالية، قدم محمد مفيد مجموعة من الالتزامات الرقمية، في مقدمتها **رفع قيمة الاستثمار العمومي الموجه إلى الجهات الأقل نمواً والمناطق النائية والمهمشة بنسبة 50 في المائة**.
كما يلتزم البرنامج، حسب عرضه، بتقليص الفوارق المجالية بنسبة **30 في المائة**، والحفاظ على معدل الاستثمار العمومي في حدود **30 في المائة من الناتج الداخلي الخام**.
ولا يتوقف التصور عند إعادة توزيع الاستثمار، بل يقترح إخضاع السياسات الوطنية لمعيار واضح للإنصاف الترابي، ونشر خريطة ملزمة لتوزيع الاستثمار العمومي حسب الجهات، مع توجيه السياسة الجبائية بما يخدم التنمية المجالية.
والغاية من ذلك هي جعل مكان إقامة المواطن أقل تأثيراً على حظوظه في الاستفادة من الخدمات العمومية، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو النقل أو البنيات الأساسية.
الدولة الاجتماعية.. من الشعار إلى الحق الملموس
انتقل مفيد إلى المحور الاجتماعي، مؤكداً أن **الدولة الاجتماعية** أصبحت خياراً استراتيجياً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الخيار إلى حقوق فعلية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وفي هذا السياق، يطرح الاتحاد الاشتراكي تعميم التغطية الاجتماعية بنسبة **100 في المائة**، وتقليص الفقر متعدد الأبعاد بنسبة **50 في المائة**.
والمقصود بالفقر متعدد الأبعاد، كما أوضح المتدخل، ليس فقط ضعف الدخل، وإنما الحرمان المتزامن من مجموعة من الشروط الأساسية للحياة الكريمة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم ومستوى المعيشة.
كما يطرح البرنامج إدماج نسبة من الفئات المستفيدة من برامج الدعم الاجتماعي في سوق الشغل، حتى لا تتحول الحماية الاجتماعية إلى مجرد آلية للمساعدة، وإنما إلى جسر نحو الاستقلال الاقتصادي والإدماج.
وهذه الرؤية تتقاطع مع التصور الذي سبق للحزب أن قدمه حول الحماية الاجتماعية، حيث دعا إلى منظومة شاملة ومستدامة تجعل الحماية الاجتماعية أداة للعدالة وصون كرامة المواطن.
الصحة.. العمود الفقري للدولة الاجتماعية
احتلت الصحة حيزاً مهماً من مداخلة محمد مفيد، الذي اعتبر أن إصلاح القطاع الصحي يمثل **العمود الفقري للدولة الاجتماعية**.
فالرهان، حسب هذا التصور، لا ينبغي أن يقتصر على بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وإنما يجب أن يتجه نحو إرساء منظومة للرعاية الاستباقية والوقائية، تضمن للمواطن حقه في العلاج بجودة عالية، بغض النظر عن دخله أو مكان إقامته.
ولهذا يقترح البرنامج تأهيل المستشفيات، وتحفيز الأطباء، وتطوير الموارد البشرية الطبية وشبه الطبية، ورفع عدد العاملين في القطاع الصحي إلى **4.5 لكل ألف نسمة**.
كما يهدف إلى تقليص مدة الانتظار في المستشفيات والمستوصفات بنسبة **50 في المائة**، وتخفيض ما تتحمله الأسر من كلفة العلاج إلى أقل من **20 في المائة**، مع مراجعة التعريفة المرجعية للعلاج، وتطوير صناعة الدواء، واستكمال بناء الوحدات الجهوية للصحة.
ويضاف إلى ذلك مضاعفة عدد خريجي مهن الصحة في القطاعين العام والخاص، بما يساهم في سد الخصاص المتراكم في الموارد البشرية.
المدرسة العمومية.. المعركة من أجل تكافؤ الفرص
في الجانب التعليمي، اعتبر مفيد أن التعليم يشكل أحد الأسس الرئيسية للعدالة الاجتماعية، لأن جودة المدرسة تحدد إلى حد كبير فرص الارتقاء الاجتماعي.
ولهذا يتضمن البرنامج التزامات مرتبطة بتحسين جودة التعليم، وتقليص الاكتظاظ، ومحاربة الهدر المدرسي بنسبة **50 في المائة**، وتعميم التعليم الأولي بنسبة **100 في المائة**.
ويحمل التعليم الأولي، في هذا التصور، أهمية خاصة لأنه يمثل نقطة البداية في المسار التعليمي للطفل. فكلما كانت البداية غير متكافئة، توسعت الفوارق الطبقية والتعليمية في المراحل اللاحقة.
ومن ثم فإن تعميم التعليم الأولي لا يقدم باعتباره مجرد توسيع للعرض التعليمي، بل باعتباره **استثماراً مبكراً في تكافؤ الفرص**.
الجامعة والبحث العلمي.. صناعة المستقبل
ولم يغفل العرض الجامعة والبحث العلمي، حيث أكد محمد مفيد أن الجامعة لا ينبغي أن تكون فقط فضاءً لتلقي المعارف، وإنما مؤسسة للارتقاء الاجتماعي والإدماج الاقتصادي.
ويقترح الحزب رفع جاذبية الجامعات، وتحفيز الأساتذة الباحثين، وتقوية البحث العلمي، وملاءمة التكوينات مع حاجيات سوق الشغل، بهدف رفع نسبة ولوج الخريجين إلى سوق العمل إلى **60 في المائة**.
كما يدعو إلى إدماج تخصصات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والطاقات المتجددة والقطاعات المستقبلية، وإحداث أقطاب جامعية متخصصة، وتعزيز الشراكات بين الجامعة والمقاولات.
فالجامعة، وفق هذه الرؤية، لا يمكن أن تبقى معزولة عن الاقتصاد، كما لا يمكن للمقاولة أن تتطور دون بحث علمي وابتكار.
الرقمنة لتقريب الإدارة من المواطن
وشمل البرنامج أيضاً التزاماً بالرقمنة الشاملة للخدمات العمومية بنسبة **100 في المائة**.
والمقصود هنا ليس فقط إدخال التكنولوجيا إلى الإدارة، وإنما جعل الرقمنة وسيلة لتقليل آجال الخدمات، ومحاربة التعقيد والبيروقراطية، وتقريب الإدارة من المواطن.
فالتحول الرقمي، في التصور الاتحادي، ينبغي أن يكون جزءاً من إصلاح الدولة الاجتماعية، لأنه يسمح بتحسين الولوج إلى الخدمات وتسهيل العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي.
المتقاعدون والمسنون.. «ليسوا عبئاً»
ومن أكثر الجوانب الإنسانية حضوراً في مداخلة محمد مفيد، حديثه عن المتقاعدين والمسنين.
فقد شدد على أن هذه الفئة **ليست عبئاً على السياسات العمومية**، وإنما تمثل فئة قدمت الكثير للوطن، وتشكل خزانا للخبرة والحكمة والذاكرة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، يقترح الاتحاد الاشتراكي إحداث **«بطاقة الوفاء»** لفائدة المتقاعدين والمسنين، تتيح لهم الاستفادة من مجموعة من الخدمات الصحية والثقافية والترفيهية.
كما يقترح ألا يقل الحد الأدنى لدخل المتقاعد عن الحد الأدنى للأجر، والرفع من الحد الأدنى للمعاش بنسبة **25 في المائة**، وحماية القدرة الشرائية لمائة في المائة من المتقاعدين، وتقليص فوارق المعاشات بنسبة **30 في المائة**.
ويشمل التصور كذلك ضمان ولوج ميسر لجميع المتقاعدين إلى الخدمات الصحية.
عقد اجتماعي يعيد الاعتبار للكرامة
في ختام مداخلته، أكد محمد مفيد أن هذه الالتزامات لا تقدم باعتبارها مجرد وعود انتخابية، وإنما باعتبارها أهدافاً محددة بأرقام ومؤشرات قابلة للقياس، وكلفة مالية يفترض أن تكون مدروسة.
وهنا تلتقي مداخلته مع الفلسفة العامة للبرنامج الاتحادي: **الانتقال من الخطاب العام إلى الالتزام القابل للتقييم**.
فالتنمية العادلة، في هذا التصور، لا يمكن أن تتحقق بمجرد رفع معدلات النمو أو إنجاز المشاريع الكبرى، وإنما عندما يشعر المواطن بأن المدرسة العمومية أصبحت أفضل، وأن العلاج أصبح أقرب وأقل كلفة، وأن الجهة التي يعيش فيها لم تعد محكومة بالخصاص، وأن المتقاعد يعيش بكرامة، وأن الطفل في القرية يمتلك فرصاً قريبة من تلك المتاحة لطفل المدينة.
وبذلك قدم محمد مفيد العقد الاجتماعي باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الاتحادي، القائم على **دولة اجتماعية أكثر فعالية، وعدالة مجالية أكثر إنصافاً، وخدمات عمومية قابلة للقياس، وحماية اجتماعية تحمي الكرامة ولا تكتفي بتدبير الهشاشة**.
وفي جوهر المداخلة رسالة سياسية واضحة: **لا معنى للتنمية إذا لم تصل إلى الإنسان، ولا معنى للدولة الاجتماعية إذا لم تتحول حقوقها إلى واقع يومي، ولا معنى للعدالة إذا ظل المكان الذي يولد فيه المواطن يحدد فرصه في الحياة.**



تعليقات الزوار ( 0 )