ونحن نقترب من انتخابات 23 شتنبر 2026، أعتقد أن النقاش الحقيقي لا يجب أن يختزل في سؤال من سيفوز، ومن سيحصل على المرتبة الأولى، ومن سيقود الحكومة. هناك أسئلة أعمق تسبق ذلك كله: هل ستضمن الدولة والإدارة الترابية شروط منافسة متوازنة بين جميع الأحزاب؟ هل ستدافع الأغلبية الحكومية عن حصيلتها أم ستبحث عن وجوه وأسماء جديدة لتجاوز ضعف هذه الحصيلة؟ هل سيصوت المواطن لمعاقبة الحكومة أم سيبحث عن بديل؟ وهل يستطيع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تحويل جاهزيته التنظيمية والسياسية إلى ثقة انتخابية فعلية؟ هذه، بالنسبة لي، هي الأسئلة التي ستحدد معنى انتخابات شتنبر واتجاه المرحلة المقبلة.
هل تبدأ الانتخابات يوم الاقتراع فقط؟
في تقديري، الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير. تبدأ من شروط المنافسة، ومن حياد الإدارة، ومن تكافؤ الفرص، ومن عدم استعمال المال أو النفوذ أو مواقع المسؤولية أو الوسائل العمومية للتأثير على الناخبين. لا أطلب امتيازاً للاتحاد الاشتراكي ولا لأي حزب آخر، بل أطلب فقط أن تكون القواعد واحدة بالنسبة للجميع، وأن يترك الحسم في النهاية للمواطن. وهذا ليس تفصيلاً، لأن جزءاً من أزمة السياسة اليوم مرتبط بشعور فئات واسعة بأن الانتخابات لا تغير الشيء الكثير. فإذا أردنا فعلاً رفع المشاركة واستعادة الثقة، فالبداية تكون من إقناع الناخب بأن صوته له أثر، وأن اختياره يمكن أن يغير موازين السياسة والبرامج والوجوه.
هل تستطيع الأغلبية أن تدافع عن حصيلتها؟
الأغلبية الحكومية تقول إنها نجحت، وهذا حقها. لكن من حق المواطن أيضاً أن يسأل أين يظهر هذا النجاح في حياته اليومية. فالأسعار ارتفعت، والقدرة الشرائية تراجعت بالنسبة لفئات واسعة، والخدمات في الصحة والتعليم ما زالت دون الانتظارات، والتشغيل والسكن ما زالا من أكبر انشغالات الأسر والشباب.
لهذا أستغرب أن يتحول جزء من النقاش قبل الانتخابات إلى البحث عن أسماء قادمة من الرياضة أو الاقتصاد أو مجالات أخرى، وكأن المشكل في المغرب هو العثور على شخصية جديدة وليس مراجعة السياسات والاختيارات. الحكومة لا تقاد بالشهرة، وإنما ببرنامج واضح، وبأغلبية تتحمل مسؤوليتها، وباختيارات يمكن للمواطن أن يحاسبها عليها.
هل سيكون تصويت المواطن عقابياً أم اختياراً لبديل؟
هنا توجد، في نظري، الفرضية الأصعب. هناك غضب اجتماعي واضح، لكن ليس مضموناً أن يتحول كله إلى تصويت عقابي. المواطن قد يعاقب، وقد يقاطع، وقد يغير اختياره، وقد يجدد ثقته في الاختيار نفسه. ولهذا لا يكفي بالنسبة للمعارضة أن تقول إن الحكومة فشلت، بل عليها أن تقول ماذا ستفعل إذا وصلت إلى الحكم.
الناخب يريد أن يعرف ماذا سنفعل للأسعار، وللصحة، وللتعليم، وللتشغيل، وللسكن، وللفوارق بين الجهات، ويريد أن يعرف أيضاً كيف سنمول هذه الالتزامات، ومتى سننجزها، وكيف سيحاسبنا عليها. وهنا ينتقل النقاش من الغضب إلى الاختيار، ومن الاعتراض إلى البديل.
هل الاتحاد الاشتراكي جاهز فعلاً لقيادة المرحلة المقبلة؟
الاتحاد الاشتراكي لم يبدأ الاستعداد للانتخابات اليوم. خلال هذه الولاية اشتغل على تقوية تنظيماته محلياً وإقليمياً وجهوياً ووطنياً، وعلى القطاعات المهنية والشبابية والنسائية، وصولاً إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر وما أعقبه من دينامية تنظيمية وسياسية. كما مارس معارضة واضحة داخل المؤسسات وخارجها، وواجه الأغلبية في عدد من اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنني أعتقد أن هذا كله لا يكفي. المشكل اليوم ليس أن نقنع أنفسنا بأننا جاهزون، بل أن نقنع المواطن. كيف يتحول التنظيم إلى أصوات؟ كيف نصل إلى الشباب الذي ابتعد عن السياسة؟ كيف نقنع من لم يعد يثق في الأحزاب؟ وكيف نقنع الناخب بأن الاتحاد ليس فقط حزباً يجيد المعارضة، بل حزب قادر على الحكم؟ هنا يوجد الامتحان الحقيقي.
ماذا يعني تقديم البديل بالنسبة للاتحاد؟
في رأيي، يجب أن يدخل الاتحاد انتخابات 23 شتنبر برسالة بسيطة: نحن لا نقدم شخصاً ضد شخص، ولا نجماً ضد نجم، بل نقدم مشروعاً سياسياً في مواجهة حصيلة حكومية.
ولهذا سيتقدم الاتحاد الاشتراكي إلى الناخبات والناخبين بـعشرين التزاماً واضحاً وقابلاً للتنفيذ، ليست مجرد وعود عامة، بل إجراءات محددة بتمويلها وبرمجتها وآجال إنجازها خلال السنوات الخمس المقبلة. هذه الالتزامات العشرون يجب أن تكون، في تقديري، عقداً سياسياً بين الحزب والناخب. المواطن يمنح ثقته على أساس التزامات يعرفها مسبقاً، والحزب يتحمل مسؤولية تنفيذها ويقبل أن يخضع للمحاسبة عليها خلال الولاية وفي نهايتها.
وهذا هو الفرق، بالنسبة لي، بين برنامج انتخابي ينتهي بانتهاء الحملة وبين تعاقد سياسي حقيقي. فإذا قاد الاتحاد الحكومة، يجب أن تصبح هذه الالتزامات مرجعاً للعمل الحكومي، وأن يستطيع المواطن بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات أن يسأل ببساطة: ماذا التزمتم؟ وماذا أنجزتم؟
من يملك الكلمة الأخيرة يوم 23 شتنبر؟
يوم 23 شتنبر لن يكون الناخب مطالباً بالاختيار بين أسماء فقط. أمامه خمس سنوات من التدبير يمكنه أن يقيمها، وبرامج وبدائل يستطيع أن يقارن بينها. ولهذا لا أعتقد أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يحتاج إلى خطاب يقول للمغاربة إنه الأفضل.
يحتاج إلى برنامج والتزامات وممارسة سياسية تسمح للمغاربة أنفسهم بأن يصلوا إلى هذه القناعة.
وبين الحصيلة التي يعرفونها والبديل الذي سيعرض عليهم، تبقى الكلمة في النهاية لهم، كما يجب أن تكون دائماً: للناخبات والناخبين يوم 23 شتنبر.

بقلم
محمد السوعلي

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الكتابة الإقليمية للحزب بالمحمدية تتباحث استعدادات انتخابات 2026 التشريعية

حين تصنع التحديات أولويات البرنامج الانتخابي

انعقاد دورة المجلس الإقليمي الموسع للحزب بالحوز

لقاء تواصلي بإقليم ميدلت برئاسة إدريس لشكر لمناقشة انتظارات الساكنة وقضايا التنميةالتحرير