الأسئلة التي وجهت عدد من الصحفيين استعدادا للانتخابات التشريعية ،إلى قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ،حول طبيعة المعارضة التي مارسها الحزب، تفتح نقاشا يتجاوز تقييم المواقف الظرفية إلى سؤال جوهري حول معنى المعارضة ودورها. فالسياسة بالنسبة إلينا ليست مجرد موقع في المؤسسات، وإنما مسؤولية تجاه المجتمع والوطن، ولذلك كان اختيارنا واضحا في ممارسة معارضة مؤسساتية ومسؤولة، قوية في مواقفها، واضحة في اختياراتها، ومفتوحة دائما على البدائل والحلول.
لم يختر الاتحاد الاشتراكي الطريق الأسهل، ولم يعتبر أن قوة المعارضة تقاس بعلو الصوت أو بكثرة البيانات أو بتحويل كل قضية اجتماعية إلى مناسبة للمزايدة. فالمعارضة التي نؤمن بها تقوم على النقد حين يكون النقد ضروريا، وعلى الاقتراح حين يكون البديل ممكنا، وعلى الدفاع عن المواطن حين تمس السياسات العمومية مصالحه وحقوقه.
ومن هنا جاء اختلافنا مع بعض الاتجاهات التي أخذت الممارسة المعارضة نحو الشعبوية، حيث يصبح الغضب غاية في ذاته، وتتحول معاناة المواطنين إلى مادة للاستهلاك السياسي. نحن نرى في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن دور الحزب السياسي أكبر من ذلك بكثير. أن يسمع نبض المجتمع، وأن يترجم مطالبه إلى مواقف وسياسات، وأن يقدم للمغاربة ما يتجاوز الاحتجاج إلى إمكانية حقيقية للتغيير.
وفي هذا السياق، فإن موقفنا من الأوراش الوطنية الكبرى لم يكن موقف رفض أو تعطيل. بالعكس، دافعنا عن استكمالها وإنجاحها، لأن المغرب في حاجة إلى التنمية والإصلاح والاستثمار في مستقبله. لكننا، في الوقت نفسه، نطرح السؤال الذي يعطي لهذه الأوراش معناها الحقيقي في كيف تنعكس نتائجها على حياة المواطنين ، وكيف تصل ثمار التنمية إلى الفئات التي تحتاجهاو وكيف تتحول المشاريع والبرامج إلى مدرسة أفضل، وصحة أكثر إنصافا، وفرص شغل أكثر، وقدرة شرائية تحفظ الكرامة، وعدالة مجالية يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
لهذا نقول بوضوح إن معارضتنا لا تطالب بإيقاف الأوراش، وإنما بالدفع نحو استكمالها وتصحيح اختلالاتها وتعزيز بعدها الاجتماعي. فالنجاح لا يقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تغيير حياة الناس وتحقيق الإنصاف وتقليص الفوارق.
وهنا تحديدا تتضح فلسفة المعارضة الاتحادية،فنحن لا نعارض من أجل المعارضة، ولا نختلف لمجرد تسجيل المواقف، بل نعارض حين نرى اختلالا، نقترح حين نرى إمكانية للإصلاح، وندافع عن كل ما يخدم المصلحة الوطنية. نساند ما يستحق المساندة، وننتقد ما يحتاج إلى النقد، ونطالب بالتصحيح عندما لا تحقق السياسات العمومية ما ينتظره المواطن.
قد يكون الصراخ أسرع طريق إلى العناوين، وقد تكون المزايدة أسهل طريق إلى التصفيق، لكن السياسة في نظر الاتحاد الاشتراكي ليست صناعة ضجيج. إنها صناعة بدائل. ولذلك اخترنا أن نمارس المعارضة بعقلية الحزب الذي يريد أن يتحمل المسؤولية، لا بعقلية من يريد البقاء أسير موقع الاحتجاج.
إننا نرفض أن يكون المواطن مجرد متلق للوعود أو منخرط في الخطابات الغاضبة، بل نريده شريكا في السياسات العمومية، وصاحب حق في ثمار التنمية، وصاحب صوت في تحديد الأولويات. ولذلك فإن دفاعنا عن القضايا الاجتماعية ليس موسميا، كما أن موقفنا من الأوراش الوطنية ليس خاضعا للحسابات الظرفية.
لقد اخترنا أن نكون في المعارضة ضد الاختلال، لا ضد الوطن، وأن ننتقد الحكومة دون أن نعادي الإصلاح، وأن ندافع عن المواطن دون أن نحول معاناته إلى ورقة للمزايدة.
واليوم، أمام الاستحقاق الانتخابي، يصبح هذا الاختيار أكثر وضوحا، فالمغاربة لا يحتاجون إلى من يقول لهم فقط ما الذي لم ينجح، وإنما يحتاجون إلى من يقول لهم أيضا كيف يمكن أن ينجح. ولا يحتاجون إلى من يرفع سقف الغضب، وإنما إلى من يرفع سقف الطموح والبديل.
الاتحاد الاشتراكي لا يطلب من المغاربة أن يحاسبوه على حجم الضجيج الذي أحدثه في المعارضة، بل على ما دافع عنه، وما اقترحه، وما حمله من مشروع. لأن المعارضة بالنسبة إلينا ليست نهاية الطريق، وإنما مدرسة للمسؤولية ومقدمة لتقديم البديل.


تعليقات الزوار ( 0 )