بقلم محمد السوعلي
تحية نضالية عالية للأخ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على سعة أفقه السياسي، وعلى قدرته الواضحة على الإمساك بخيوط اللحظة كما هي، وطنيا ودوليا، وعلى قراءته الدقيقة لموازين القوى داخل المشهد الحزبي الذي يتقوى بوتيرة متسارعة بعد المؤتمر الوطني الثاني عشر.
ما يميز هذا النفس القيادي أنه لا ينظر إلى القضايا الكبرى بعين الانفعال، بل بعين المسؤولية. فحين يتحدث عن الأوضاع الدولية، ينطلق من قاعدة واضحة: مصلحة المغرب فوق كل اعتبار، والتعامل مع الأزمات يجب أن يتم بمنطق الحكمة لا بمنطق التهويل، وبمنهج الحلول السياسية لا بردود الفعل المتسرعة. وهذه ليست مجرد لغة دبلوماسية، بل تعبير عن نضج سياسي يعرف أن ما يقع خارج الحدود ينعكس مباشرة على الداخل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وفي ما يخص الشرق الأوسط، يتأكد مرة أخرى أن الاتحاد الاشتراكي ثابت في موقعه، منحاز إلى الحق الفلسطيني دون مزايدة، ومتشبث بحل سياسي عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه الكامل في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. هذا الموقف ليس شعارا مناسباتيا، بل جزء من هوية نضالية تعتبر أن الشرعية الدولية ليست تفصيلا، وأن السلام لا يصنعه منطق القوة، بل يصنعه احترام الحقوق.
كما أن حضور الحزب في الواجهات الدولية والإقليمية لم يكن يوما حضورا رمزيا، بل كان دائما امتدادا لدوره في الدفاع عن مصالح المغرب والقضية الوطنية، داخل مختلف المنتديات الاشتراكية والتقدمية. وهذا ما يعطي للموقف الحزبي وزنه، لأنه يجمع بين وضوح المرجعية وصلابة الحضور وحسن التقدير. وعلى المستوى الداخلي، جاءت الرسالة صريحة: المغاربة لم يعودوا ينتظرون خطابات مطمئنة بلا أثر، بل ينتظرون قرارات تلامس حياتهم اليومية. يريدون فرص شغل حقيقية، ويريدون حماية اجتماعية فعالة، ويريدون مدرسة عمومية تستعيد مكانتها، ومستشفى عموميا يحفظ الكرامة، وسياسات عمومية تقاس بنتائجها لا بعدد الشعارات المرفوعة حولها. ومن هنا تبدو قوة الاتحاد الاشتراكي اليوم في كونه يسمي الأعطاب بأسمائها، ويواجه الفشل الحكومي كما هو، دون تردد ولا مجاملة.
وفي ملف ملتمس الرقابة، برز مرة أخرى أن الاتحاد الاشتراكي تعامل مع الموضوع من منطلق سياسي مسؤول، باعتباره آلية دستورية جدية لتقوية موقع المعارضة وإعادة الاعتبار للنقاش الديمقراطي المؤسساتي. لكن ما أضعف هذا المسار هو أن بعض الأطراف فضلت حساباتها الخاصة على منطق الفعل المشترك، فاختلطت المبادرة الجدية بالمزايدات الصغيرة. ومع ذلك، ظل واضحا أن الحزب كان صاحب موقف منسجم، وأنه تحرك بوعي سياسي وأخلاقي، بعيدا عن كل أشكال الشعبوية.
والأمر نفسه ينسحب على عدد من الملفات الاجتماعية الحساسة، ومنها النقاش المرتبط بالساعة الإضافية، حيث برز الفرق بين من يشتغل بمنطق الدولة ومن يشتغل بمنطق الإثارة. فهذه القضايا لا تحل بالصراخ ولا بالتبسيط، بل تحتاج إلى نقاش مؤسساتي رصين، وإلى تقييم علمي وتقني، وإلى جرأة في اتخاذ القرار على أساس المصلحة العامة لا على أساس تصفيق اللحظة.
وفي سياق آخر، فإن وعي الأخ إدريس لشكر بالتحولات التي يعرفها العمل الحزبي في زمن الثورة الرقمية يعكس فهما عميقا لطبيعة المرحلة. لأن السياسة اليوم لم تعد تدار بالأدوات القديمة وحدها، ولم يعد الحضور التنظيمي كافيا ما لم يواكبه تجديد في أساليب التواصل والتأطير والتفاعل مع المجتمع. ومن يفهم هذا التحول مبكرا هو من يربح معركة المستقبل.
لهذا كله، فإن ما يتأكد اليوم هو أن الاتحاد الاشتراكي يعيش لحظة صعود سياسي وتنظيمي حقيقي. بعد المؤتمر الوطني الثاني عشر، لم يعد الحزب فقط يستند إلى رصيده التاريخي، بل صار يشتغل أيضا بطاقة متجددة، وبوضوح أكبر في الرؤية، وبقيادة تعرف كيف تربط بين تعقيد السياق الدولي، وانتظارات الداخل، والتحولات المتسارعة في المجتمع والمشهد الحزبي. وهذا بالضبط ما يجعل الحزب اليوم أكثر قدرة على توسيع حضوره، وتقوية موقعه، وربح الرهانات المقبلة بثقة ومسؤولية.


تعليقات الزوار ( 0 )