
لم يكن اختيار مدينة كلميم لاحتضان اللقاء التواصلي الذي أطره الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، حول موضوع “العدالة المجالية ورهان التنمية” اختيارا عابرا ، بل جاء محملا بدلالات سياسية وتنموية عميقة، جعلت من هذا الموعد محطة للترافع المسؤول عن واحدة من أكثر الجهات المغربية حاجة إلى تسريع وتيرة التنمية، واستكمال الأوراش الملكية الكبرى التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في إطار النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، باعتباره مشروعا وطنيا استراتيجيا يروم تحويل الجهات الجنوبية الثلاث إلى قطب للتنمية والاستثمار والانفتاح على العمق الإفريقي.
وقد أعاد إدريس لشكر، من قلب كلميم، التأكيد على أن العدالة المجالية ليست مجرد مفهوم نظري أو شعار يرفع في المناسبات، وإنما هي اختيار سياسي يقتضي إرادة حقيقية في توزيع ثمار التنمية بين مختلف جهات المملكة، ويستوجب جعل المواطن محورا للسياسات العمومية، والمجال ركيزة لكل تخطيط تنموي. فالتنمية، كما أكد لشكر ، لا تقاس بحجم الاعتمادات المالية ولا بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بما تتركه من أثر مباشر في تحسين شروط عيش المواطنين، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

كما شكل اللقاء مناسبة لاستحضار المواقف الثابتة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي ظل، منذ إطلاق الأوراش التنموية الكبرى بالأقاليم الجنوبية، من أكثر المدافعين عن ضرورة التفعيل الحقيقي للمشاريع، واحترام آجال إنجازها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تتحول الميزانيات المرصودة إلى منجزات ملموسة تعزز الثقة في السياسات العمومية وتكرس الإنصاف بين مختلف المجالات.
وأكد لشكر أن جهة كلميم وادنون، بما تختزنه من مؤهلات طبيعية وبشرية وجيو-استراتيجية، تمتلك كل المقومات لتكون بوابة اقتصادية نحو إفريقيا، ومنصة للاستثمار والإنتاج، غير أن بلوغ هذا الأفق يظل رهينا بتسريع تنفيذ المشاريع المهيكلة، ومعالجة مظاهر التعثر، واعتماد رؤية تنموية مندمجة تجعل من الجهة فضاءً للإقلاع الاقتصادي لا مجالاً لانتظار الوعود.
وجدد الكاتب الأول التأكيد على أن العدالة المجالية هي التعبير العملي عن العدالة الاجتماعية، لأنها تعني عدالة في توزيع الثروة، وعدالة في الولوج إلى الخدمات، وعدالة في فرص الاستثمار والتشغيل، بعيدا عن أي منطق يجعل القرب أو البعد عن المركز معيارا للاستفادة من ثمار التنمية. ومن هنا، فإن بناء مغرب الجهات يظل رهينا بتمكين كل جهة من الوسائل والإمكانات الكفيلة بصناعة تنميتها والمساهمة في الاقتصاد الوطني.
كما استحضر اللقاء القناعة التاريخية للاتحاد الاشتراكي بأن بناء الدولة الحديثة يمر عبر جهوية متقدمة حقيقية، تمنح الجهات اختصاصات فعلية وإمكانات مالية وبشرية كافية، وتحقق الالتقائية بين مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، حتى تتحول المشاريع التنموية إلى رؤية متكاملة لا إلى مبادرات متفرقة تفتقد للانسجام والاستدامة.
وفي هذا السياق، برزت جهة كلميم وادنون نموذجا لمجال يحتاج إلى مضاعفة الجهود في استكمال البنيات التحتية، وتثمين الثروات البحرية والفلاحية والسياحية، والاستثمار في الطاقات المتجددة، مع جعل الشباب والنساء في صلب المشروع التنموي، باعتبارهما الرأسمال الحقيقي لأي نهضة اقتصادية واجتماعية.
لقد حمل لقاء كلميم رسالة سياسية واضحة تجاوزت حدود الجهة، مفادها أن مستقبل المغرب لا يمكن أن يبنى إلا على أساس الإنصاف المجالي، وأن النموذج التنموي الوطني لن يبلغ أهدافه إلا إذا أصبحت كل جهة قادرة على إنتاج الثروة، والمساهمة في التنمية الوطنية، والاستفادة العادلة من الاستثمارات العمومية.
وانتهى اللقاء إلى إعادة طرح سؤال التنمية في عمقه السياسي والاستراتيجي:
كيف يمكن تحويل العدالة المجالية إلى رافعة للوحدة الوطنية، وجعل الجهوية المتقدمة أداة لترسيخ الكرامة والعيش الكريم لكل المغاربة؟ وهو السؤال الذي ظل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يحمله في مشروعه المجتمعي، ويواصل الترافع عنه باعتباره مدخلا لبناء الدولة الاجتماعية، وانسجاما مع الرؤية الملكية التي جعلت من تنمية الجهات أساسا المغرب أكثر توازنا، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.


تعليقات الزوار ( 0 )