في عالم يتسم بتحولات متسارعة، لم تعد الأزمات مجرد أحداث عابرة، بل غدت واقعا دائماً يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين؛ فمن التضخم وارتفاع الأسعار إلى تداعيات الجفاف والتوترات الدولية، وصولا إلى الحروب الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تبرز تساؤلات ملحة حول مدى قدرة الحكومات على التدبير الاستباقي وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
وفي قلب هذا النقاش المحتدم بين خطاب حكومي يدافع عن منجزاته في دعم الأسر، ومعارضة ترى أن المواطن لا يزال يرزح تحت وطأة الغلاء، تأتي مواقف الشبيبة الاتحادية لتضع النقاط على الحروف.
في قراءته للمشهد السياسي والاقتصادي الراهن، قدم فادي وكيلي عسراوي (الكاتب العام للشبيبة الاتحادية) تشخيصا حاداً للأداء الحكومي – من موقع مشاركته في برنامج “شباب في الواجهة” على القناة الأولى – حيث اعتبر أن الحكومة الحالية لا تكتفي بكونها “ضعيفة” في تدبير الأزمات، بل هي حكومة “مترددة” تفتقر إلى الجرأة في اتخاذ الحسم السياسي.
ويرى عسراوي أن هذا التردد الحكومي تجلى في عجز السلطة التنفيذية عن استخلاص الدروس من الأزمات السابقة، والاكتفاء بتدخلات تقنية محدودة جداً لا تلامس جوهر معاناة المغاربة مع “الريع والفساد” الذي ينخر الأسواق المحلية.
ويرى عسراوي أيضا، أن التدخل الحكومي لا يتجاوز البعد “التقني المحدود جداً”، مؤكداً أن السلطة التنفيذية لم تستخلص الدروس من الأزمات السابقة، وهو ما تجلى بوضوح في “امتحان” الحرب الأوكرانية الروسية؛ فرغم القفزات المهولة في أسعار البترول عالمياً، عجزت الحكومة عن الاستباق للأزمات اللاحقة كحرب الشرق الأوسط، حيث سجل المغرب عجزاً في المخزون الاستراتيجي القانوني الذي يجب أن يغطي 60 يوماً، بينما لا يتجاوز (حاليا) 30 يوما فقط.
كما لم يفته أن ينتقد غياب الرؤية السيادية في البنية الطاقية، مشيراً إلى أن المغرب لا يزال يستورد الغاز عبر إسبانيا مع غياب ميناء مخصص لهذا الغرض، و واصفا إجراءات الحكومة في ملف مصفاة “لاسامير” بـ “صفر إجراء”، رغم دورها الحيوي في خفض الأسعار.
وأما على مستوى الأزمات القطاعية الداخلية، فقد حمّل عسراوي الحكومة مسؤولية ما وصفه بـ “هدر الزمن الوطني”، مستشهدا بقطاع التعليم الذي توقف فيه التدريس لأبناء المغاربة لمدة ثلاثة أشهر كاملة قبل أن تتحرك الحكومة لفتح حوار جدي. وامتد نقد عسراوي أيضا، ليشمل الاحتقان في التعليم العالي، وأزمة قطاع المحاماة التي أدت إلى شلل في محاكم المملكة وتضررا في مصالح السجناء والمتقاضين.
وفي خضم مشاركته في البرنامج، توقف عسراوي عند طريقة تعامل الأغلبية مع “الجيل زد” (Génération Z) في قطاعات الصيدلة والصحة والتشغيل، معتبرا أن الأغلبية الحكومية “غير متجانسة”، حيث حاول كل مكون منها التنصل من المسؤولية وإلقائها على الآخر، مما يعزز القناعة بأن “الحكومة التقنية” عاجزة عن تقديم حلول للمشاكل الاجتماعية العميقة.
وفي تشريحه المالي لظاهرة الغلاء، ميز عسراوي بين التضخم المستورد والتضخم المحلي، مؤكدا أن الأخير هو نتاج مباشر لـ “الريع والفساد”، مفصلا في الأسباب البنيوية لهذا الغلاء، ومشيرا إلى وجود “سلسلة وسطاء” طويلة تنهك المستهلك، تبدأ من الفلاح وصولا إلى “المربع” (الكاري) في أسواق الجملة الذي يُمنح غالبا بمنطق ريعي أو انتخابي.
وانتقد فادي عسراوي بشدة استمرار العمل بدورية لوزارة الداخلية تعود لعام 1959 تفرض رسماً بنسبة 7% داخل أسواق الجملة يتحمله المواطن. وشدد على أن مؤسسات الحكامة، كالمجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة التي أكدت وجود “احتكار ومضاربة” في مواد أساسية، ومستغربا صمت الحكومة تجاه شركات المحروقات التي تراكم أرباحاً تتجاوز درهماً ونصف في اللتر الواحد، وتفضل دفع الغرامات لكونها أقل من أرباحها الفاحشة، في ظل غياب الصرامة في تنزيل آليات المنافسة.
وبخصوص ملف الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، قدم عسراوي رؤية مغايرة للخطاب الرسمي؛ فاعتبر أن بلوغ عدد المستفيدين من الدعم لـ 12 أو حتى 14 مليون مواطن ليس إنجازاً يدعو للتبجح، بل هو مؤشر خطير على استفحال الهشاشة والفقر في البلاد.
وفي نفس السياق، حذر من “مأسسة الفقر” مطالبا بأن يكون الهدف الحقيقي هو تقليص عدد المستفيدين عبر إدماجهم في الدورة الإنتاجية وتوفير فرص شغل تضمن الكرامة (السميك أو ما فوقه)، بدلا من الاكتفاء بمنح دعم مالي بسيط. كما استند في نقده إلى تقارير المجلس الأعلى التي سجلت “عجزاً مالياً” واختلالات في تدبير هذا الورش للسنة الثالثة على التوالي.
وفيما يتعلق بـ الممارسة الديمقراطية والتوازن المؤسساتي، انتقد عسراوي ما أسماه “التغول العددي” للأغلبية الحكومية، التي تستخدم “منطق الأرقام” لرفض كافة تعديلات ومقترحات المعارضة في البرلمان. وأشار إلى التناقض الصارخ داخل الحكومة، حيث وصل الأمر بوزير إلى وصف أطراف أخرى بـ “الفراقشية”، مما يعكس غياب الانسجام.
وفي نهاية مشاركته في برنامج “شباب في الواجهة”، اختتم مواقفه بالتأكيد على أن قوة الدولة لا تكمن في “الأرقام الصماء” في قانون المالية، بل في حماية المؤسسات وصيانة كرامة المواطن وقدرته الشرائية، داعيا إلى ضرورة تفعيل تقارير المؤسسات الرقابية (مجلس المنافسة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي) التي تم تجاهلها، والتحول من منطق “رد الفعل” إلى منطق الاستباقية الحقيقية لحماية العيش الكريم للمغاربة.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الاتحاد الاشتراكي يعيد ترتيب بيته بالدار البيضاء سطات…

يسار  الغياب عن معارك الإصلاح

جلسة تنظيمية لفريق عمل المكتب السياسي لجهة الدار البيضاء مع الكتابة الإقليمية ببن سليمان

ستحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته