بقلم نور الدين زوبدي
لم يعد خافيا أن العد التنازلي للاستحقاقات الانتخابية قد بدا فعليا، ليس عبر التنافس حول البرامج أو فتح نقاش عمومي مسؤول، بل من خلال سباق محموم لتوظيف إمكانيات الدولة وتوجيهها لخدمة حسابات انتخابية ضيقة. مشهد يعيد الى الواجهة اشكالية التداخل بين ما هو حزبي وما هو مؤسساتي، ويطرح بحدة سؤال تكافؤ الفرص في الممارسة الديمقراطية.
في سباق مع الزمن، دخلت أحزاب التحالف الحكومي مرحلة غير مسبوقة من التنافس، عنوانها الأبرز تسخير المشاريع العمومية كأداة للدعاية الانتخابية. لم يعد الهدف هو تسريع التنمية وفق رؤية مندمجة ومتوازنة، بل أصبح الرهان هو من يسبق إلى «تسويق» المشروع ومن ينسبه لنفسه سياسيا، ولو على حساب منطق التخطيط والتناسق الترابي.
هذا الوضع أفرز توجها واضحا نحو إخراج مشاريع البنية التحتية والخدمات بشكل انتقائي، حيث توجه إلى مناطق بعينها وفق اعتبارات سياسية وانتخابية، لا وفق أولويات التنمية الحقيقية. وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع مبدأ العدالة المجالية، الذي يفترض توزيعا منصفا ومتوازنا للاستثمارات العمومية.
الأخطر أن عددا من الاتفاقيات لم تعد تعد داخل القنوات المؤسساتية المعتادة، بل تصاغ داخل مقرات الأحزاب، حيث تفصل المشاريع على المقاس، ويتم تحديد مواقعها وتوقيتها بما يخدم الأجندة الانتخابية. هذه الممارسات تفرغ العمل المؤسساتي من محتواه، وتحوله إلى مجرد واجهة شكلية لقرارات تتخذ خارجها.
وفي هذا الإطار، يتم استدعاء المدراء الجهويين وبعض المسؤولين القطاعيين للتنسيق المباشر مع الفاعلين الحزبيين، وتنفيذ توجيهات لا تمر عبر التسلسل الإداري الطبيعي. وهو ما يضع هؤلاء المسؤولين في وضعية ملتبسة بين واجبهم المهني والتزامات غير معلنة تفرض عليهم بحكم السياق السياسي.
أما رؤساء الجماعات الترابية، فهم من أكثر المتضررين من هذا الوضع، إذ يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام مشاريع تبرمج داخل نفوذهم الترابي دون علم مسبق أو إشراك فعلي. ولا يستدعون إلا في مراحل متأخرة للتوقيع أو الحضور الشكلي، في مشهد يضعهم في حرج كبير أمام الساكنة، خاصة وأن رفضهم قد يفهم على أنه عرقلة للتنمية.
ومع اقتراب نهاية الولاية، يتخذ هذا السباق بعدا آخر، من خلال تسريع وتيرة التعيينات في مناصب المسؤولية، في ظروف تفتقر أحيانا إلى معايير الشفافية والاستحقاق. حيث يطغى منطق الولاء والانتماء الحزبي، في مقابل تراجع الاعتبارات المرتبطة بالكفاءة والخبرة، وهو ما يهدد جودة التدبير العمومي على المدى المتوسط والبعيد.
هذه الدينامية غير المتوازنة أربكت بشكل كبير عمل المسؤولين الترابيين على مستوى الاقاليم والجهات، الذين يجدون أنفسهم أمام معطيات غير مكتملة عند إعداد برامج التنمية المندمجة. فعدد من المشاريع يبقى خارج دائرة البرمجة الرسمية، لأنه يدار في قنوات موازية بين منتخبين ومسؤولين قطاعيين يتحركون وفق توجيهات سياسية.
في المقابل، تكتفي أحزاب المعارضة بمتابعة هذا الوضع وانتقاده، مسجلة اختلالات واضحة في توظيف إمكانيات الدولة، وغياب تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين. كما تحذر من أن هذه الممارسات تفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، وتحول التنافس السياسي إلى سباق غير متكافئ.
إن ما يجري اليوم لا يمس فقط بقواعد المنافسة السياسية، بل يضرب في العمق ثقة المواطن في المؤسسات، ويقوض أسس تنمية عادلة ومنصفة. فالتنمية التي تبنى على منطق الانتقائية والولاءات، لا يمكن أن تحقق التوازن المجالي، ولا أن تستجيب لتوجيهات الإصلاح التي تؤكد على الإنصاف والنجاعة.
إن التنافس السياسي الحقيقي يجب أن يقوم على حصيلة ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وعلى برامج واضحة وبدائل مقنعة تقدمها مختلف الأطراف، أما تحويل إمكانيات الدولة إلى أدوات انتخابية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة، وإضعاف المسار الديمقراطي الذي يفترض ان يقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص.


تعليقات الزوار ( 0 )