الشباب ليس مشكلة اجتماعية.. بل طاقة إنتاجية معطلة

في إطار تقديم مضامين البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قدم **علي الغنبوري**، عضو لجنة إعداد البرنامج، مداخلة ركزت على واحد من أكثر الملفات التصاقاً بالانتظارات اليومية للمغاربة: **التشغيل والإدماج الاقتصادي والاجتماعي**.
وانطلق الغنبوري من فلسفة واضحة تقوم على الانتقال **«من التحفيز إلى الإدماج»**، أي إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها توجيه الامتيازات والدعم والتحفيزات العمومية، وربطها بنتيجة أساسية هي خلق فرص الشغل.
فبالنسبة إليه، لا معنى لمنظومة تمنح الإعفاءات الضريبية أو الامتيازات العقارية أو الدعم العمومي للمقاولات دون أن يكون خلق فرص العمل جزءاً أساسياً من التعاقد معها. وبهذا المعنى، يريد الاتحاد الاشتراكي تحويل التشغيل من نتيجة محتملة للسياسات الاقتصادية إلى **شرط رئيسي لنجاحها**.
التشغيل معياراً لكل تحفيز عمومي
يرى الغنبوري أن الدولة تنفق وتستثمر وتحفز، لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل هذه التدخلات هو: ماذا أنتجت هذه التحفيزات من فرص شغل؟ ومن استفاد منها؟ وما أثرها على الاقتصاد والمجتمع؟
ومن هنا يأتي اقتراح الحزب بربط مختلف أشكال الدعم العمومي بمؤشرات واضحة، بحيث يصبح خلق فرص الشغل معياراً لتقييم السياسات الاقتصادية.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه سبق أن طرحه الاتحاد الاشتراكي في برامجه السابقة، حيث جعل التشغيل دعامة للقدرة الشرائية وأساساً للعدالة الاجتماعية، واقترح آليات لدعم ابتكار الشباب وتوجيه التكوين نحو حاجيات القطاعات الصاعدة.
أهداف رقمية لخفض البطالة
ولم يتوقف عرض الغنبوري عند مستوى التشخيص، بل قدم مجموعة من الأهداف الرقمية التي يسعى البرنامج الاتحادي إلى تحقيقها.
ومن أبرزها **خفض معدل البطالة إلى أقل من 8 في المائة، وخفض بطالة الشباب إلى أقل من 10 في المائة، وبطالة النساء إلى أقل من 15 في المائة، مع رفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل إلى أكثر من 30 في المائة**.
وتعكس هذه الأهداف رغبة في جعل البرنامج الانتخابي قابلاً للتقييم، بحيث لا تظل قضية التشغيل مجرد شعار انتخابي، وإنما تصبح التزاماً يمكن للمواطنين والبرلمان والرأي العام مساءلة الحكومة بشأنه.
الشباب.. رأس المال الحقيقي للمغرب
احتل الشباب موقعاً مركزياً في مداخلة علي الغنبوري، الذي رفض النظر إلى الشباب باعتباره مجرد فئة اجتماعية تحتاج إلى الرعاية أو الدعم.
فالشباب، حسب هذا التصور، هو **الرأسمال الحقيقي للمغرب**، خصوصاً أن البلاد لا تتوفر على موارد نفطية أو غازية ضخمة، وإنما تمتلك ثروة بشرية يمكن أن تكون أساساً لقوة اقتصادية مستدامة.
لكن هذه الثروة البشرية، كما أبرز المتدخل، تظل جزءاً كبيراً منها خارج المنظومة الإنتاجية، وهو ما يجعل الاستثمار في الشباب والتكوين والتشغيل ضرورة اقتصادية قبل أن يكون مجرد سياسة اجتماعية.
ومن هنا يقترح الاتحاد الاشتراكي **إدماج 100 ألف شاب سنوياً**، ودعم **50 ألف مقاولة شبابية خلال خمس سنوات**، ورفع نسبة الإدماج بعد التكوين المهني إلى أكثر من **80 في المائة**، إلى جانب تخصيص **10 في المائة من الصفقات العمومية للشركات الناشئة والمبتكرة**.
المرأة.. من قضية اجتماعية إلى ضرورة اقتصادية
انتقل الغنبوري بعد ذلك إلى قضية المشاركة الاقتصادية للنساء، مؤكداً أن تمكين المرأة لم يعد في نظر الحزب مجرد اختيار اجتماعي أو مطلباً حقوقياً، وإنما أصبح **ضرورة تنموية واقتصادية**.
فحين تكون نصف الطاقة البشرية للمجتمع تقريباً خارج سوق الشغل أو ضعيفة المشاركة فيه، فإن الاقتصاد يفقد جزءاً مهماً من قدرته الإنتاجية.
ولهذا يتضمن البرنامج التزاماً برفع مشاركة النساء في التشغيل إلى **30 في المائة**، ومضاعفة المقاولة النسائية، وخفض بطالة النساء إلى أقل من 15 في المائة، واعتماد المناصفة في برامج التشغيل التي تمولها الدولة.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الغنبوري لم يربط تمكين النساء فقط بمبدأ الإنصاف، بل ربطه مباشرة بقدرة الاقتصاد المغربي على النمو والاستفادة من كامل رأسماله البشري.
الطبقة المتوسطة.. صمام الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
وفي جزء آخر من مداخلته، توقف الغنبوري عند وضعية **الطبقة المتوسطة**، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
فالنمو الاقتصادي، في نظره، لا يؤدي وظيفته كاملة إذا لم تصل ثماره إلى هذه الفئة التي تساهم في الإنتاج والاستهلاك وتتحمل جزءاً كبيراً من تكاليف التعليم والصحة والسكن.
ولهذا يقترح البرنامج رفع متوسط الأجور بنسبة **20 في المائة**، وزيادة الدخل الصافي للأجراء بنسبة **15 في المائة**، مع العمل على تقليص ما تتحمله الأسر من نفقات مباشرة في الصحة والتعليم.
وهنا يعود النقاش إلى الفكرة المركزية التي حملتها مداخلات البرنامج كلها: **قياس التنمية بما تغيره في حياة المواطن، وليس فقط بما تسجله المؤشرات الاقتصادية.**
السكن.. عبء آخر على الأسر
ولم يغفل الغنبوري أزمة السكن، خصوصاً بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة والشباب.
فارتفاع كلفة السكن، إلى جانب تكاليف الصحة والتعليم، يضغط بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، ويحد من قدرتها على الاستهلاك والاستثمار وتحسين مستوى عيشها.
ومن ثم، فإن معالجة أزمة السكن، في الرؤية الاتحادية، لا يمكن أن تنفصل عن سياسة متكاملة لتحسين الدخول وتقليص النفقات الأساسية للأسر.
الإدماج بدل الانتظار
وتكمن أهمية مداخلة علي الغنبوري في أنها أعادت وضع التشغيل في مركز النقاش حول النموذج التنموي.
فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس فقط تحفيز المقاولات أو إطلاق البرامج، وإنما التأكد من أن هذه البرامج تنتج فرصاً حقيقية ومستدامة، وأن الشباب والنساء لا يبقون خارج الدورة الاقتصادية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع النقاش الذي فتحه الاتحاد الاشتراكي خلال التحضير لبرنامجه الانتخابي، حيث أكد الحزب أن أي إصلاح اقتصادي لا يضع العدالة في صلب اختياراته يظل عاجزاً عن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
نحو اقتصاد يدمج بدل أن يقصي
في المحصلة، قدم علي الغنبوري تصوراً يجعل من **الإدماج الاقتصادي** عنواناً أساسياً للعقد الذي يقترحه الاتحاد الاشتراكي.
فالشاب لا ينبغي أن يكون مجرد مستفيد من برنامج، وإنما منتجاً وصاحب مشروع وفاعلاً اقتصادياً. والمرأة لا ينبغي أن ينظر إليها فقط باعتبارها مستفيدة من سياسات اجتماعية، وإنما باعتبارها قوة إنتاجية أساسية. والطبقة المتوسطة لا ينبغي أن تتحمل وحدها كلفة الإصلاح، وإنما يجب أن تكون من أبرز المستفيدين من ثمار النمو.
وهكذا تختصر فلسفة المداخلة في الانتقال **من التحفيز إلى الإدماج، ومن الدعم إلى النتائج، ومن النمو إلى التشغيل، ومن الأرقام الاقتصادية إلى تحسين الحياة اليومية للمغاربة**.
وهو رهان سياسي واقتصادي يتجاوز معالجة البطالة في حد ذاتها، ليطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة النموذج التنموي الذي يريده الاتحاد الاشتراكي: **اقتصاد لا يكتفي بإنتاج الثروة، وإنما يخلق فرصاً عادلة للاستفادة منها، ويضع الإنسان في قلب العملية الإنتاجية والتنموية.

تعليقات الزوار ( 0 )