من الديمقراطية الموسمية إلى ديمقراطية تُمارس يومياً

في قلب البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لا يظهر الإصلاح المؤسساتي باعتباره محوراً تقنياً منفصلاً عن باقي الأوراش، بل باعتباره الشرط الذي يجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية ممكنة ومستدامة. وهذا ما برز بوضوح في مداخلة عضو لجنة إعداد البرنامج، كمال الهشومي، الذي قدم تصور الحزب لما سماه **«العقد الديمقراطي»**، واضعاً الثقة في المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، والعدالة الثقافية واللغوية، في صلب هذا التعاقد.
ويأتي هذا التصور ضمن مسار سبق للحزب أن فتحه في إطار النقاش حول «التنمية العادلة»، حيث جعل الإصلاح السياسي والمؤسساتي مدخلاً للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وربط فعالية الإنجاز بوضوح الاختيارات وقوة المؤسسات.
## اختصار المسافة بين المواطن والمؤسسة
انطلق الهشومي من فكرة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالتها السياسية: **اختصار المسافة والزمن بين المواطن والدولة**.
فالمؤسسة، في التصور الذي قدمه، لا ينبغي أن تكون فضاءً بعيداً عن المواطن أو جهازاً بيروقراطياً يطلب منه الانتظار، وإنما خدمة عمومية يشعر معها المواطن بأن الإدارة موجودة لخدمته.
ومن هنا جاء الالتزام ببناء **دولة قوية بمؤسساتها**، وحكومة تقاس نتائجها بما تحققه فعلياً، وإدارة أكثر سرعة وقرباً وفعالية.
إن الأمر، وفق هذه الرؤية، لا يتعلق بزيادة عدد المؤسسات أو توسيع حجم الإدارة، وإنما بجعل المؤسسات أكثر قوة ونجاعة، والإدارة أكثر قرباً من المواطن.
الفساد «خط أحمر».. من الخطاب الأخلاقي إلى منظومة المحاسبة
اختار كمال الهشومي عبارة مباشرة وحاسمة: «الفساد خط أحمر».
لكن أهمية طرحه لا تكمن في إعادة ترديد شعار محاربة الفساد، وإنما في توسيع مفهومه. فالفساد، حسب المداخلة، ليس فقط أموالاً عمومية تهدر، وإنما هو قبل كل شيء ثقة تهدر، وفرص تسرق، ومنافسة تشوه، وشعور بالظلم يتسع داخل المجتمع.
وهنا ينتقل النقاش من الجانب الأخلاقي إلى الجانب المؤسساتي.
فلا يمكن، في تصور الاتحاد الاشتراكي، أن يُطلب من المواطن أن يثق في السياسة إذا لم يكن مقتنعاً بأن القانون يسري على الجميع، وأن المسؤول يخضع للمحاسبة عندما يخرق القانون.
ولهذا يقترح الحزب الانتقال من مجرد الحديث عن النزاهة إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية والمراقبة والمحاسبة، تشمل قواعد أكثر صرامة في تضارب المصالح والامتيازات، وتصريحاً أكثر فعالية بالممتلكات، وشفافية أكبر في الصفقات العمومية، ومراقبة تتبعها المحاسبة والجزاء عندما تثبت المسؤولية.
الهدف ليس رفع الشعارات.. بل قياس التقدم
من اللافت في مداخلة الهشومي أن محاربة الفساد لم تقدم باعتبارها شعاراً عاماً، بل ارتبطت بمؤشرات وأهداف قابلة للقياس.
فالاتحاد الاشتراكي يقترح، حسب العرض، التقدم بثلاثين مرتبة في مؤشرات الحكامة، واستهداف الوصول إلى المرتبة الستين عالمياً في مؤشر مدركات الفساد.
وهذا ينسجم مع الفلسفة العامة للبرنامج الاتحادي، الذي يقوم على تحويل الالتزامات السياسية إلى أهداف يمكن تقييمها ومساءلة أصحابها بشأنها.
فالمال العام، كما شدد الهشومي، أمانة، والمسؤولية ليست امتيازاً، والمحاسبة ليست انتقاماً، وإنما تطبيق طبيعي للقانون وشرط من شروط الديمقراطية.
الثقافة.. ليست ترفاً وإنما قوة للمجتمع
في محور قد يبدو لأول وهلة بعيداً عن الإصلاح المؤسساتي، وضع كمال الهشومي الثقافة في قلب العقد الديمقراطي.
والمنطلق هنا أن الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وانتخابات، وإنما مجتمع يفكر ويقرأ ويبدع ويناقش ويختلف دون أن يتفكك.
لذلك يرفض التصور الاتحادي التعامل مع الثقافة باعتبارها قطاعاً هامشياً يأتي بعد معالجة باقي المشاكل. الثقافة، وفق المداخلة، حق، ومجال لإنتاج فرص الشغل، وصناعة إبداعية، وقوة ناعمة للدولة، وأداة لبناء المواطن وتعزيز الانتماء.
ومن هنا يأتي مطلب العدالة المجالية الثقافية، حتى لا يتوقف حق الطفل والشاب في السينما والمسرح والكتاب والمكتبة على المدينة أو الحي الذي ولد فيه.
50 قاعة سينمائية و50 مسرحاً و200 مكتبة
ولإعطاء هذا التصور مضموناً عملياً، قدم الهشومي مجموعة من الالتزامات الرقمية.
ومن بينها إحداث أو تجديد 50 قاعة سينمائية**، وإحداث 50 مسرحاً على الأقل، وإنشاء 200 مكتبة عمومية ومكتبة قرب، إضافة إلى دعم 5000 عنوان سنوياً، ورفع ميزانية الثقافة إلى أكثر من 1% من الميزانية العامة للدولة، وفق ما ورد في المداخلة.
والمغزى السياسي من هذه الأرقام، حسب التصور المقدم، هو أن الاستثمار في الثقافة ليس إنفاقاً إضافياً يمكن تأجيله، بل استثمار في ذكاء المجتمع ومناعته ومستقبله.
فالمجتمع الديمقراطي، في هذه الرؤية، يحتاج إلى المواطن القادر على القراءة والتفكير والنقاش والاختلاف، وليس فقط إلى الناخب الذي يشارك في الاقتراع كل بضع سنوات.
الأمازيغية.. من الاعتراف الدستوري إلى الفعل المؤسساتي
أما المحور الآخر الذي حظي بحيز مهم في مداخلة كمال الهشومي، فهو الأمازيغية.
وانطلق من قاعدة يعتبرها محسومة: الاعتراف بالأمازيغية دستورياً وقانونياً أصبح مكتسباً وطنياً، لكن التحدي الحالي هو التفعيل العملي.
فالقيمة الحقيقية للدستور، حسب هذا المنظور، لا تكمن فقط في إعلان المبادئ، وإنما في تحويلها إلى حقوق يمارسها المواطن في المدرسة والإدارة والمحكمة والإعلام والفضاء الاقتصادي.
ومن هنا يقترح الحزب الانتقال من الأمازيغية باعتبارها اعترافاً رمزياً إلى الأمازيغية باعتبارها **ممارسة مؤسساتية يومية.
100% من الإدارات الترابية.. و80% من الوثائق الأساسية
حدد الهشومي مجموعة من الالتزامات العملية في هذا المجال، من بينها الوصول إلى 100% من الإدارات الترابية التي تتواصل بالعربية والأمازيغية، وتعميم تدريس الأمازيغية في التعليم الابتدائي، وتوفير ما لا يقل عن 80% من الوثائق الإدارية الأساسية بالأمازيغية.
كما طرح مضاعفة حضورها في الإعلام العمومي، وتعزيز وتعميم استعمالها في المحاكم.
وهنا لا يقدم الحزب الأمازيغية باعتبارها هوية في مواجهة هوية أخرى، بل باعتبارها مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية المغربية الجامعة.
فالرسالة التي حملتها المداخلة واضحة: التعدد لا يناقض الوحدة، وإنما يغنيها، والهوية التي تستوعب مختلف مكوناتها هي هوية أكثر قوة وثقة في المستقبل.
المؤسسات الأقوى بدل المؤسسات الأكثر
في خلاصة المحور المؤسساتي، حاول كمال الهشومي رسم صورة متكاملة للعقد الديمقراطي الذي يقترحه الاتحاد الاشتراكي.
فالمطلوب ليس مؤسسات أكثر، وإنما مؤسسات أقوى، وليس إدارة أكبر، وإنما إدارة أسرع وأقرب؛ وليس خطاباً أخلاقياً عن الفساد، وإنما ربط فعلي بين المسؤولية والمحاسبة؛ وليس وضع الثقافة في هامش السياسة العمومية، وإنما اعتبارها قوة لبناء الإنسان والمجتمع.
كما أن الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي لا ينبغي أن يتوقف عند مستوى النصوص، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية داخل المرافق والمؤسسات.
وهكذا تتشكل المعادلة التي قدمها الهشومي: دستور فعّال، مؤسسات تنتج، إدارة تخدم، مسؤول يحاسب، ثقافة تحرر الطاقات، وهوية جامعة تحتضن التعدد.
الديمقراطية التي تبدأ من المواطن
في نهاية مداخلته، أعاد كمال الهشومي تعريف الهدف النهائي للعقد الديمقراطي: ليس بناء ديمقراطية موسمية مرتبطة بالانتخابات والشعارات، وإنما بناء ديمقراطية تُمارس في الحياة اليومية.
ديمقراطية يشعر فيها المواطن أن القانون يحميه، وأن الإدارة تخدمه، وأن المسؤول يخضع للمحاسبة، وأن صوته له قيمة، وأن هويته وثقافته حاضرتان في مؤسسات الدولة.
ومن هذه الزاوية، تصبح محاربة الفساد جزءاً من إعادة بناء الثقة، وتصبح الثقافة جزءاً من بناء الديمقراطية، وتصبح الأمازيغية جزءاً من المساواة في الولوج إلى المرفق العمومي.
وهي رؤية تتقاطع مع ما قدمه الحزب في محطات سابقة من برنامجه، حيث ربط بناء الدولة القوية بدولة المؤسسات والحق والقانون، وبالعدالة المنصفة، والتوزيع العادل للاستثمار، وتعزيز الجهوية.
استعادة الثقة.. الرهان الأكبر
في المحصلة، لا تبدو مداخلة كمال الهشومي مجرد عرض لمحور مؤسساتي داخل برنامج انتخابي، وإنما محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة والسياسة؟
والجواب الذي تقترحه المداخلة يقوم على معادلة واضحة: لا ثقة من دون قانون يسري على الجميع، ولا ديمقراطية من دون مؤسسات متوازنة، ولا مؤسسات قوية من دون محاسبة، ولا عدالة اجتماعية من دون إدارة فعالة، ولا مواطنة كاملة من دون مساواة في الحقوق والولوج إلى الخدمات.
وبذلك يضع الاتحاد الاشتراكي، من خلال هذا المحور، الإصلاح المؤسساتي في قلب مشروعه للتنمية العادلة، باعتبار أن الدولة القوية ليست الدولة الأكثر تدخلاً، وإنما الدولة الأكثر عدلاً وفعالية ونزاهة، والقادرة على حماية حقوق مواطنيها وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة**.
وفي النهاية، تختزل مداخلة كمال الهشومي جوهر العقد الديمقراطي في هدف واحد: إعادة الثقة؛ ثقة المواطن في المؤسسات، وثقة المجتمع في السياسة، وثقة المغاربة في قدرتهم على بناء دولة أقوى بعدالتها، وأقوى بمؤسساتها، وأقوى بمواطنيها.



تعليقات الزوار ( 0 )