لم تعد عبارة “الدولة الاجتماعية” مجرد مفهوم سياسي أو اقتصادي يتداول في الخطب والبرامج. لقد أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش العمومي، وأصبح المواطن معنياً بمعرفة ما إذا كانت هذه الدولة التي يُتحدث عنها كثيراً قادرة فعلاً على حمايته عندما يواجه المرض أو البطالة أو ارتفاع تكاليف المعيشة أو صعوبة الولوج إلى التعليم والسكن.
ومن هنا، فإن انتخابات 23 شتنبر ستكون أيضاً امتحاناً لفكرة الدولة الاجتماعية.
فالسياسة الاجتماعية لا تُقاس بعدد البرامج التي يتم الإعلان عنها، ولا بحجم الميزانيات المرصودة لها فقط. معيارها الحقيقي هو أثرها في حياة الناس. هل أصبح المواطن أكثر أمناً اجتماعياً؟ هل أصبح الولوج إلى العلاج أكثر إنصافاً؟ هل تحسنت شروط التعليم؟ هل أصبح فقدان العمل أقل تهديداً للأسرة؟ وهل تستطيع الفئات المتوسطة والهشة مواجهة أعباء الحياة بقدر أكبر من الاستقرار؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح مفهوم الدولة الاجتماعية معناه الحقيقي.
لقد قطعت البلاد خطوات مهمة في توسيع عدد من برامج الحماية الاجتماعية، لكن الانتقال من إطلاق البرامج إلى ضمان فعاليتها يظل تحدياً مستمراً. فالبرنامج الاجتماعي لا يحقق أهدافه بمجرد تسجيل المستفيدين، وإنما عندما يشعر المواطن بأن حياته أصبحت أكثر استقراراً وأماناً. وهنا تظهر أهمية جودة الخدمات العمومية.
فلا معنى لتوسيع التغطية الصحية إذا ظل المواطن يواجه صعوبة في الحصول على موعد، أو اضطر إلى تحمل جزء كبير من تكاليف العلاج، أو وجد نفسه مضطراً إلى البحث عن العلاج خارج القطاع العمومي.
ولا معنى للحديث عن إصلاح التعليم إذا بقيت المدرسة العمومية عاجزة في بعض المناطق عن توفير الشروط الأساسية للتعلم الجيد؛
ولا معنى للحماية الاجتماعية إذا لم تترافق مع سياسات فعالة للتشغيل وتحسين الدخل ودعم الفئات التي تواجه هشاشة اقتصادية.
إن الدولة الاجتماعية ليست فقط دولة تقدم الدعم، وإنما دولة تمنح المواطن القدرة على الوقوف على قدميه.
وهذا يعني أن السياسات الاجتماعية يجب أن ترتبط بسياسات اقتصادية منتجة لفرص الشغل، وباستثمارات عمومية تعزز الخدمات، وبنظام ضريبي أكثر عدالة، وبمؤسسات قادرة على ضمان تكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإن النقاش الانتخابي ينبغي ألا يختزل الدولة الاجتماعية في الوعود بالمساعدات أو الدعم، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني مجتمعاً لا يحتاج فيه المواطن إلى المساعدة إلا عندما يكون في حاجة حقيقية إليها؟
فالعدالة الاجتماعية لا تعني فقط إعادة توزيع جزء من الثروة، وإنما تعني أيضاً توزيع الفرص.
أن يحصل ابن العامل وابن الموظف وابن الفلاح وابن المقاول على تعليم جيد، وأن تكون أمام الشباب فرص متقاربة في العمل، وأن لا تتحول المنطقة التي يعيش فيها المواطن إلى عامل يحدد مسبقاً حظوظه في العلاج أو التعليم أو التشغيل.
هذه هي المعركة الحقيقية.
وفي انتخابات 23 شتنبر، سيكون على الأحزاب أن توضح للناخبين كيف ترى مستقبل الدولة الاجتماعية. هل ستكتفي باستمرار البرامج القائمة وتوسيعها؟ أم ستقدم تصوراً أكثر شمولاً يربط الحماية الاجتماعية بالتشغيل والتعليم والصحة والعدالة الضريبية والتنمية المجالية؟
المواطن لا يريد دولة اجتماعية في الخطاب فقط، يريدها عندما يدخل المستشفى، وعندما يبحث ابنه عن عمل، وعندما يذهب أطفاله إلى المدرسة، وعندما يصل راتبه إلى آخر الشهر، وعندما يواجه ظرفاً صحياً أو اجتماعياً مفاجئاً.
وهنا يكمن الامتحان.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما تقوله الحكومة عن نفسها، وإنما بما يشعر به المواطن في حياته اليومية.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة ليست فقط مناسبة للحكم على حصيلة سياسية، بل هي فرصة أيضاً لتأكيد اختيار أي دولة اجتماعية نريد، ولمن، وبأي وسائل، وبأي عدالة.
فإذا كانت الدولة الاجتماعية مشروعاً وطنياً، فإن نجاحها يجب أن يتحول من عنوان في البرامج الانتخابية إلى واقع يلمسه المواطن دون الحاجة إلى البحث عنه في الخطب والتقارير.


تعليقات الزوار ( 0 )