الأمر ليس تسريباً، ولا زلة لسان، ولا موقفاً عفوياً. ما قام به الطالبي العلمي هو دعاية سياسية مفكَّر فيها جيداً، ومناورة محسوبة بعناية، هدفها نقل النقاش من الأسئلة الحارقة التي يطرحها المغاربة على حكومة الأحرار إلى معركة أخرى عنوانها: من سيحتل المرتبة الأولى، الأحرار أم البام؟
وهكذا يُراد للمغاربة أن ينشغلوا بالترتيب الانتخابي بدل أن يسألوا عن الحصيلة، وأن ينشغلوا بمن سيقود الحكومة المقبلة بدل أن يسألوا: ماذا فعلت الحكومة الحالية؟
فأين هي الوعود التي قُدمت للمغاربة؟ أين 2500 درهم؟ أين الزيادات التي بشّروا بها؟ أين القدرة الشرائية التي وعدوا بحمايتها؟ وأين عيد الأضحى الذي وجد فيه المواطن نفسه أمام أسعار أرهقت جيبه، بينما ظل الخطاب الحكومي يطلب منه المزيد من الصبر؟
وأين ذهبت الملايير التي قُدمت تحت عناوين الدعم؟ كيف تحولت لغة الدعم، بالنسبة إلى الفئات الفقيرة والهشة، إلى صدقة، بينما تحولت بالنسبة إلى المحظوظين واللوبيات والمستفيدين إلى ثروات ومكاسب؟ وكيف أصبح الدعم، في قطاعات متعددة، وفي مقدمتها الفلاحة، عنواناً لتوزيع الامتيازات بدل أن يكون وسيلة حقيقية لتحقيق العدالة الاجتماعية؟
هذه هي الأسئلة التي يريدون اليوم الهروب منها.
يريدون أن يقولوا للمغاربة: لا تنظروا إلى الحصيلة، انظروا فقط إلى المراتب. لا تسألوا أين ذهبت الوعود، اسألوا من سيحتل المرتبة الأولى. لا تحاسبوا الحكومة، تابعوا «المركاتو» الانتخابي.
والأكثر إثارة أن الطالبي العلمي يتحدث وكأن المشهد السياسي حُسم سلفاً، وكأن الأحرار والبام هما وحدهما من يملكان مفاتيح المستقبل، وكأن الحكومة المقبلة ليست سوى تفاصيل يجري ترتيبها وبعض الوزارات التي سيتم توزيعها بعد ظهور النتائج.
لكن هل نسي الطالبي العلمي أن زعيمه نفسه جاء من البام؟ هل نسي أن الوجوه يمكن أن تنتقل من حزب إلى آخر، وأن الرموز يمكن أن تتغير، بينما تبقى نفس الممارسات ونفس المصالح ونفس الحسابات؟
هل يريدون إقناع المغاربة بأن تغيير القميص السياسي يعني تغيير المشروع؟
المغاربة أذكى من هذه المناورات.
إن ما يجري ليس مجرد تنافس انتخابي عادي، وإنما محاولة لصناعة ثنائية قطبية وهمية، وإقناع المواطن بأن مستقبله محصور بين خيارين، وأن أحدهما سيأتي أولاً والآخر ثانياً، وأن التحالف بينهما هو قدر لا مفر منه.
وهنا بالضبط يجب أن تكون الإجابة واضحة: لا.
لا يمكن أن تكون الديمقراطية مجرد تدوير للوجوه بين الأحزاب. ولا يمكن أن تتحول الانتخابات إلى «مركاتو» لتبادل المواقع والمصالح. ولا يمكن أن يصبح المواطن مجرد صوت انتخابي مطلوب في يوم الاقتراع، ثم يعود بعد ذلك إلى مواجهة الغلاء والبطالة والهشاشة وارتفاع كلفة الحياة.
الخطر الحقيقي اليوم ليس في أن يفوز حزب أو يخسر حزب. الخطر هو أن تتحول نتائج الانتخابات إلى شيء يُوحى به للمواطن قبل أن يفتح صندوق الاقتراع، وأن تُستعمل الدعاية الموجهة والشخصيات والرموز لصناعة إحساس بأن النتيجة محسومة سلفاً.
هذه ليست ديمقراطية.
الديمقراطية أن يدخل الجميع السباق، وأن تكون الكلمة الأخيرة للمواطن، لا للتوقعات المصنوعة، ولا للدعاية الموجهة، ولا للتحالفات التي تُطبخ قبل ظهور النتائج.
ولذلك فإن الشجاعة اليوم تقتضي من الأحزاب الوطنية، ومن كل القوى الديمقراطية، ومن المواطنين، إسقاط هذه الثنائية القطبية الوهمية، وتأجيل كل الخلافات الشكلية والمسطرية، لأن المعركة الحقيقية أكبر من الحسابات الحزبية الضيقة.
المعركة هي من أجل أن يبقى الوطن أكبر من الأحزاب، وأن يبقى البرلمان مؤسسة للمواطنين لا سوقاً لتدوير البرلمانيين، وأن يبقى الصوت الانتخابي أمانة لا سلعة في «المركاتو».
لقد آن الأوان لأن يُسأل كل من حكم عن حصيلته، وكل من وعد عن وعوده، وكل من استفاد عن الامتيازات التي حصل عليها.
فلا تمرّوا على ذاكرة المغاربة بهذه السهولة.
لا تمرّوا فوق 2500 درهم.
لا تمرّوا فوق القدرة الشرائية.
لا تمرّوا فوق عيد الأضحى.
لا تمرّوا فوق الملايير التي وُزعت باسم الدعم.
ولا تمرّوا فوق الفقراء الذين تحولت حقوقهم إلى صدقات، بينما تضخمت ثروات المحظوظين.
لقد جاء وقت الحساب.

والحساب ليس انتقاماً من أحد، بل هو جوهر الديمقراطية.
ومن يريد أن يطلب أصوات المغاربة من جديد، عليه أولاً أن يجيبهم: ماذا فعلتم بالأصوات التي منحناكم إياها بالأمس؟
المغرب ليس «مركاتو».
والمواطن المغربي ليس رقماً.
والوطن ليس غنيمة.
والانتخابات لم تُحسم بعد.
فلا تُخيفوا المغاربة بالثنائية… لقد جاء وقت الحساب.

بقلم محمد الطالبي

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

القدرة الشرائية.. حين تدخل الانتخابات إلى جيب المواطن

حين تصبح المعارضة صراخا.. يختار الاتحاد الاشتراكي أن يكون بديلا

الدولة الاجتماعية.. من شعار انتخابي إلى امتحان يومي

عبد الغني كامل.. إنصات أعمق لنبض الحوز