قد تبدو الانتخابات، في الخطاب السياسي، معركة بين البرامج والشعارات والمرشحين. لكنها بالنسبة إلى المواطن العادي أكثر بساطة وأشد واقعية: ماذا بقي في جيبه بعد ارتفاع الأسعار؟ ماذا يستطيع أن يشتري بدخله؟ وكيف يدبر نفقات أسرته في ظل تزايد كلفة الحياة؟
من هنا تبدأ السياسة الحقيقية.
فالمواطن لا يفصل بين الانتخابات وحياته اليومية. وحين يقف أمام صندوق الاقتراع، فإن جزءاً من تجربته السياسية يتشكل مما يعيشه في السوق، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي وسائل النقل، وفي البحث عن العمل والسكن.
ولذلك ستكون القدرة الشرائية واحدة من القضايا التي يصعب تجاوزها في انتخابات 23 شتنبر.
لقد أصبحت مسألة الأسعار تتجاوز كونها مؤشراً اقتصادياً لتتحول إلى قضية اجتماعية وسياسية بامتياز. فالأسرة التي تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها كل شهر، وتقليص بعض حاجياتها، أو التخلي عن خدمات كانت تعتبرها أساسية، لا يمكن مطالبتها بالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية المجردة بمعزل عن واقعها.
صحيح أن الاقتصاد لا يمكن اختزاله في الأسعار وحدها، وأن الدولة تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة، لكن السياسة في النهاية تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية التوازن الاجتماعي.
وهنا يبرز السؤال الذي ستواجهه الأحزاب في المرحلة المقبلة: هل تستطيع أن تقدم للناخب تصوراً واضحاً لتحسين دخله والحد من آثار ارتفاع تكاليف المعيشة، أم ستكتفي بتكرار الخطاب العام حول النمو والاستثمار والإصلاح؟
إن النمو الاقتصادي، مهما كانت أهميته، لا يكتسب معناه الاجتماعي الكامل إلا عندما يشعر المواطن بآثاره. والاستثمار لا يتحول إلى نجاح سياسي إذا بقي بعيداً عن حياة الناس. كما أن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية لا يمكن أن تلغي شعور أسرة بأن قدرتها على مواجهة متطلبات الحياة أصبحت أكثر صعوبة.
ولهذا فإن النقاش الانتخابي يحتاج إلى الانتقال من لغة الأرقام العامة إلى سؤال العدالة في توزيع ثمار النمو.
من يستفيد أكثر؟ ومن يتحمل العبء الأكبر؟ وما هي السياسات التي يمكن أن تجعل الطبقة الوسطى أكثر استقراراً، وتحمي الفئات الهشة، وتوفر فرصاً حقيقية للشباب؟
هذه الأسئلة ليست شعارات انتخابية، بل هي صميم السياسة العمومية.
وإذا كانت الدولة الاجتماعية قد أصبحت عنواناً مركزياً في الخطاب السياسي، فإن الامتحان الحقيقي لها لا يكمن في عدد البرامج التي تم إطلاقها، وإنما في مدى قدرتها على حماية المواطن عندما يواجه المرض، أو البطالة، أو ارتفاع الأسعار، أو تكاليف التعليم والسكن.
إن الانتخابات المقبلة تتيح فرصة لمناقشة هذه القضايا بعيداً عن المزايدات. فمن حق الحكومة أن تقدم حصيلتها، ومن حق المعارضة أن تكشف ما تعتبره اختلالات، لكن المواطن يحتاج في النهاية إلى شيء أكثر وضوحاً: ماذا سيحدث غداً إذا منح صوته لهذا الحزب أو ذاك؟
إن السياسة التي لا تلامس الحياة اليومية للمواطن تتحول إلى خطاب بعيد عن المجتمع. والسياسي الذي لا يسمع لغة السوق والأسرة والمدرسة والمستشفى، لن يستطيع بسهولة أن يسمع لغة الناخب داخل صندوق الاقتراع.
لذلك، فإن القدرة الشرائية لن تكون مجرد موضوع اقتصادي في انتخابات 23 شتنبر، بل ستكون امتحاناً سياسياً للحصيلة وللبرامج وللوعود.فالناخب قد ينسى كثيراً من الشعارات، لكنه لا ينسى بسهولة ما إذا كان دخله يكفيه حتى نهاية الشهر.
وختاما، حينما تتحول الشعارات الانتخابية إلى واقع مالي يمسّ القوة الشرائية للمواطن، تختزل كل المؤشرات السياسية في تساؤل جوهري واحد: هل أصبح المواطن يعيش حياة أفضل؟
بقلم عبد الحق الريحاني


تعليقات الزوار ( 0 )