إدريس لشكر يرسم في «صدى الانتخابات» ملامح معركة 23 شتنبر

لم يكن مرور إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في برنامج «صدى الانتخابات» على قناة ميدي1 تيفي، مجرد محطة أخرى في الحملة الانتخابية السابقة لاستحقاقات 23 شتنبر، بل شكل مناسبة لبسط مجموعة من المواقف التي تلامس جوهر المرحلة السياسية المقبلة، بدءاً من طبيعة الاختيارات الانتخابية، مروراً بموقع المعارضة والتحالفات، ووصولاً إلى البرنامج الانتخابي والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية التي يضعها الحزب في صلب خطابه. ويأتي هذا الحوار ضمن سلسلة من الإطلالات الإعلامية للكاتب الأول للحزب في الأيام الأخيرة من الحملة.
ومنذ البداية، اختار لشكر أن يضع يده على ما يعتبره أحد أبرز عناصر النقاش السياسي الجاري، وهو ما سماه «القطبية المصطنعة»، رافضاً اختزال المشهد الانتخابي في ثنائية أو ثلاثية جاهزة، وكأن نتائج الاقتراع محسومة سلفاً بين أحزاب بعينها.

لا للقطبية المصطنعة

بالنسبة إلى إدريس لشكر، فإن الحديث المتداول عن قطبية مسبقة، وعن سيناريوهات تقوم على افتراض أن حزباً بعينه سيتصدر ثم يستدعي هذا الحزب أو ذاك إلى الحكومة، لا يعكس بالضرورة حقيقة الاختيار الذي سيواجهه الناخب المغربي أمام صندوق الاقتراع.
فالناخب، كما قدم لشكر المسألة، يوجد أمام تعددية حزبية وبرامج واختيارات مختلفة، وليس أمام خيارين أو ثلاثة فقط. ولذلك، فإن تحويل الانتخابات قبل إجرائها إلى عملية توزيع مسبق للأدوار الحكومية، في نظره، يفرغ الاقتراع من جزء من معناه السياسي.
ويذهب لشكر أبعد من ذلك في رفض السيناريوهات الجاهزة، مؤكداً أن نتائج الاقتراع هي التي ستفتح، بعد الإعلان عنها، المجال أمام المشاورات السياسية. أما الحديث مسبقاً عن تحالفات محددة، فيبقى، حسب طرحه، سابقاً لأوانه.
ومن هنا جاءت رسالته الأساسية: لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى مباراة إعلامية حول «من سيضم من»، قبل أن يقول الناخب كلمته.

من مربع المعارضة
إلى طموح المرتبة الأولى

إذا كان لشكر قد رفض القطبية المصطنعة، فإنه في المقابل لم يتردد في التعبير عن طموح حزبه السياسي. فالانتقال من موقع المعارضة إلى موقع السعي لقيادة الحكومة، بالنسبة إليه، ليس تناقضاً، بل هو جوهر العمل الحزبي عندما يقدم الحزب نفسه للناخبين ببرنامج متكامل.
وفي قراءته لمسار الحملة الانتخابية، تحدث لشكر عن انتقال الاتحاد الاشتراكي، بتعبيره، «من المربع إلى المثلث»، في إشارة إلى تقديره بأن الحزب بات يوجد ضمن دائرة الأحزاب الثلاثة الأولى في المشهد الانتخابي.
غير أن الأهم في كلامه كان ربط هذا التقدير بالطموح السياسي، إذ أكد أن الحزب الذي يدخل الانتخابات لا يضع أمامه إمكانية الوصول إلى المرتبة الأولى وقيادة الحكومة، لا يكون قد دخل المعركة السياسية بالطموح الذي يقتضيه تقديم برنامج بديل.
وفي الوقت نفسه، لم يقدم لشكر ذلك باعتباره نتيجة محسومة، بل كطموح سياسي يراهن الحزب على تحقيقه في انتخابات 23 شتنبر، قائلاً إن نتائج الاقتراع هي التي ستحدد في النهاية موقع كل حزب.
وهنا تتضح المفارقة التي حاول لشكر إبرازها: رفض القطبية المسبقة لا يعني غياب الطموح، وإنما يعني ترك ترتيب القوى الانتخابية لصندوق الاقتراع.

اليسار.. سؤال المشروع
وليس سؤال الزعامة

في ملف اليسار، عاد لشكر إلى سؤال قديم متجدد: هل المشكلة في تعدد التنظيمات اليسارية أم في غياب مشروع سياسي قادر على جمعها؟
ويرى أن النقاش حول وحدة اليسار لا ينبغي أن يتحول إلى صراع حول من يقود ومن يلتحق بمن. فالاختلافات، في نظره، ليست كلها اختلافات في البرامج، وإنما تتداخل فيها أحياناً حسابات سياسية وتنظيمية وشخصية.
وأشار إلى أن محاولات التقارب بين مكونات اليسار، ومنها التقارب الذي جمع الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في مرحلة سابقة، لم تصل إلى النتائج التي كان ينتظرها البعض، رغم أن الاتحاد الاشتراكي، حسب روايته، اختار الانخراط في هذا المسار بدل منطق المقاطعة أو الانغلاق.
وفي حديثه عن موقع الاتحاد الاشتراكي دولياً، شدد لشكر على ما يعتبره امتداداً تاريخياً لعلاقات الحزب مع العائلة الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية عبر العالم، معتبراً أن ذلك يعكس، من وجهة نظره، استمرار حضور المرجعية الاتحادية خارج الحدود الوطنية.

التحالفات.. كل القنوات مفتوحة بعد النتائج

وفي موضوع التحالفات، كان لشكر حريصاً على عدم إغلاق أي باب مسبقاً.
فالأحزاب، وفق منطقه، ستعود إلى بعضها البعض بعد إعلان النتائج، وليس قبلها. ولذلك لم يضع الاتحاد الاشتراكي، كما قال، شروطاً مسبقة للتفاوض مع هذا الحزب أو ذاك، ولم يعتبر أن تحالفاً معيناً قد أصبح أمراً مفروغاً منه.

وهذا الموقف يشمل مختلف الأحزاب التي يمكن أن تفرزها نتائج الاقتراع، سواء تعلق الأمر بالتجمع الوطني للأحرار أو الأصالة والمعاصرة أو الاستقلال أو التقدم والاشتراكية أو الحركة الشعبية أو غيرها.
والقاعدة التي يطرحها لشكر بسيطة: الانتخابات أولاً، والنتائج ثانياً، والمشاورات بعد ذلك.

المعارضة الاتحادية..
من المراقبة إلى المبادرة

في حديثه عن تجربة المعارضة، حاول لشكر الدفاع عن ما يسميه «المعارضة الاتحادية»، أي معارضة لا تكتفي بتسجيل الملاحظات وانتقاد الحكومة، وإنما تقدم مبادرات تشريعية ورقابية.
واستحضر في هذا السياق مبادرة «ملتمس الرقابة»، التي قال إن الاتحاد الاشتراكي اقترحها في سياق صعوبات مرتبطة بآليات الرقابة البرلمانية، خصوصاً عندما لا تتوفر الشروط العددية لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق.
وكان المقترح، وفق روايته، يقوم على خلق فضاء مؤسساتي موسع للرقابة، يسمح بحضور رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة ومناقشة مختلف الملفات والسياسات العمومية في إطار برلماني.
وبذلك أراد لشكر أن يقدم صورة للمعارضة باعتبارها ممارسة مؤسساتية تتجاوز منطق الاعتراض إلى إنتاج البدائل والمبادرات.

الحكومة وأحزابها الثلاثة.. المسؤولية السياسية جماعية

وعندما انتقل الحوار إلى تقييم الحكومة، حمل لشكر مكونات الأغلبية الحكومية مسؤولية مشتركة عن حصيلة المرحلة.
فالحكومة، بالنسبة إليه، ليست مجموع وزارات منفصلة، وإنما فريق سياسي واحد يتحمل أعضاؤه المسؤولية الجماعية عن الاختيارات الكبرى.
وانتقد ما اعتبره تناقضات وخلافات تظهر أحياناً بين مكونات الأغلبية، معتبراً أن استمرار الخلافات العلنية بين أحزابها لا يخدم صورة العمل الحكومي ولا يساعد على بناء الثقة.
وفي خلفية هذا النقاش، يضع لشكر سؤالاً أكبر: هل تستطيع الأغلبية أن تقدم للمغاربة رؤية سياسية موحدة بشأن المرحلة المقبلة، أم أن التنافس داخلها سيظل حاضراً إلى نهاية الولاية؟

التزكيات والمال..
لشكر يرد على الجدل

الترشيحات الانتخابية كانت بدورها حاضرة بقوة في الحوار، خصوصاً أمام النقاش الذي رافق بعض الترشيحات وما أثير حول المال الانتخابي.
ورفض لشكر اختزال عملية التزكية في القدرة المالية، مؤكداً أن معايير الترشيح داخل حزبه تشمل عناصر من قبيل النزاهة والكفاءة والقدرة التنظيمية والحضور السياسي، مع الاعتراف بأن الحملات الانتخابية تحتاج أيضاً إلى موارد وإمكانات لوجستيكية.
وأشار إلى أن الاتحاد الاشتراكي، بحكم موقعه كحزب معارض، لا يتوفر على الإمكانات نفسها التي تتوفر عليها أحزاب الأغلبية، وأن المرشح مطالب، في حدود القانون، بالمساهمة في توفير شروط حملته وتنظيمها.
كما دافع عن طريقة اختيار مرشحي الحزب، وقال إن الأصل هو ترشيح كل شخص في المجال الانتخابي الذي ينتمي إليه، رافضاً ما يسمى بـ«الترحال الانتخابي».

المرأة والشباب..
رهانات التجديد

وفي ما يتعلق بالمرأة والشباب، حاول لشكر إبراز ما يعتبره الحزب تجديداً في تركيب لوائحه.
وأشار إلى حضور النساء في اللوائح الجهوية، وإلى دعم الحزب لمرشحاته، كما شدد على أن الاتحاد الاشتراكي يراهن على حضور أجيال جديدة في العملية الانتخابية.
أما الشباب، فقدم لشكر ترشيح وجوه شابة باعتباره جزءاً من عملية تجديد النخب الحزبية، معتبراً أن النقاش حول مستقبل الأحزاب لا يمكن فصله عن قدرتها على فتح المجال أمام الأجيال الجديدة.
وهذا التوجه ينسجم مع تقديم الحزب لبرنامجه الانتخابي باعتباره مشروعاً يتوجه إلى قضايا الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية والحريات، وليس مجرد قائمة من الوعود الانتخابية.

البرنامج الانتخابي..
«من أخذ ممّن؟»

ومن أكثر الأسئلة السياسية التي حاول لشكر إثارتها خلال الحوار سؤال العلاقة بين برامج الأغلبية وبرنامج المعارضة.
فهو يرى أن عدداً من الأفكار التي كان الاتحاد الاشتراكي يطرحها من موقع المعارضة، أصبحت حاضرة في الخطاب الحكومي، ليطرح السؤال بصيغة سياسية مباشرة: «من أخذ ممّن؟».
لكن الأهم أن الاتحاد الاشتراكي قدم بالفعل برنامجاً انتخابياً من عشرين التزاماً تحت شعار«التنمية العادلة والعيش الكريم»، ويربطه الحزب بثلاثة محاور مركزية: الإنصاف والشغل والكرامة. كما يتضمن البرنامج مقترحات في الصناعة والتشغيل والخدمات الاجتماعية والحماية الاجتماعية والمؤسسات والديمقراطية.
ومن بين الأهداف المعلنة في البرنامج، إحداث 250 ألف منصب شغل صناعي، ورفع الصادرات الصناعية بنسبة 40 في المائة، وتحقيق 1.5 نقطة نمو إضافية سنوياً، وهي أهداف يقدمها الحزب ضمن رؤيته للانتقال من اقتصاد التجميع والمناولة إلى اقتصاد أكثر إنتاجاً للقيمة.

القدرة الشرائية..
أكثر من مجرد دعم مباشر

وفي الشق الاجتماعي، لا يحصر لشكر قضية القدرة الشرائية في الدعم المباشر، وإنما يربطها بسؤال أوسع يتعلق بإنتاج الثروة وتوزيعها.
فالقدرة الشرائية، في تصوره، لا تتحسن فقط عندما يحصل المواطن على دعم، وإنما عندما يرتفع الدخل، وتتوسع فرص الشغل، وتتراجع كلفة الخدمات الأساسية، وتصبح الثروة المنتجة أكثر عدالة في توزيعها.
وهذا التصور حاضر كذلك في البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي، الذي يربط التنمية بالنمو الاقتصادي من جهة، وبمدى وصول ثمار هذا النمو إلى المواطن من جهة أخرى.

الإثراء غير المشروع..
ملف في قلب النقاش

أما ملف الفساد والإثراء غير المشروع، فقد احتل مكانة بارزة في خطاب لشكر، الذي أكد أن الاتحاد الاشتراكي يعتبر محاربة الإثراء غير المشروع جزءاً من معركة تخليق الحياة العامة.
ويربط الحزب هذا الملف بسؤال أوسع يتعلق بتضارب المصالح والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار أن محاربة الفساد، في المرجعية التي يقدم بها برنامجه، ليست شعاراً منفصلاً عن إصلاح المؤسسات.
وهنا يلتقي الخطاب الانتخابي مع ما أورده الحزب في تقديم برنامجه، حيث يؤكد أن المحاسبة ينبغي أن تكون حقاً للمواطن، وأن السياسات العمومية يجب أن تكون قابلة للتقييم وقياس النتائج.

بنكيران.. سجال سياسي يتجاوز الأشخاص

ولم يغب عبد الإله بنكيران عن الحوار، في سياق العلاقة المتوترة سياسياً بين الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية.
ولشكر أعاد التأكيد على أن خلافاته مع بنكيران كانت، في جوهرها، سياسية وليست شخصية، مستحضراً مرحلة رئاسة بنكيران للحكومة، وطبيعة السجالات التي كانت تدور داخل البرلمان وخارجه.
كما توقف عند عدد من الملفات التي كانت موضوع سجال بين الطرفين، ومنها معاشات الوزراء ومواقف بنكيران من الاتحاد الاشتراكي وبعض قياداته.
لكن خلف هذا السجال الشخصي والسياسي يبرز سؤال أوسع حول طبيعة العلاقة بين الأحزاب المتنافسة: هل ينبغي أن تتحول المنافسة الانتخابية إلى صراع حول الأشخاص، أم أن جوهرها ينبغي أن يظل مرتبطاً بالبرامج والاختيارات المجتمعية؟

الديمقراطية والحريات.. مرجعية لا تغيب

وفي مواجهة سؤال ما إذا كانت القضايا الديمقراطية والحقوقية تراجعت في الخطاب الانتخابي لصالح الملفات الاقتصادية والاجتماعية، يؤكد لشكر أن المرجعية الاشتراكية الديمقراطية لا تفصل بين التنمية والحرية.
فالبرنامج الانتخابي الذي قدمه الحزب يضع ضمن مرجعيته الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والديمقراطية المؤسساتية، ويقدم هذه العناصر باعتبارها مترابطة وليست ملفات منفصلة.
ومن هذه الزاوية، يحاول لشكر الدفاع عن فكرة مفادها أن تحسين الوضع الاجتماعي لا يلغي الحاجة إلى إصلاح المؤسسات وتوسيع مجال الحقوق والحريات، كما أن الدفاع عن الديمقراطية لا يمكن أن يكون منفصلاً عن العدالة الاجتماعية.

23 شتنبر.. الاقتراع أولاً والنتائج هي الحكم

في نهاية الحوار، يعود النقاش إلى النقطة التي بدأ منها: الانتخابات.
فكل السيناريوهات التي يتم تداولها قبل الاقتراع تظل، في نظر لشكر، مجرد احتمالات سياسية، بينما وحدها صناديق الاقتراع ستحدد الأحجام الانتخابية وموازين القوى.
ومن هنا جاء رفضه لما يسميه «القطبية المصطنعة»، مقابل إعلانه في الوقت نفسه عن طموح الاتحاد الاشتراكي إلى موقع متقدم، بل إلى المرتبة الأولى وقيادة الحكومة، باعتبار ذلك الهدف الطبيعي لأي حزب يقدم نفسه للناخبين ببرنامج للحكم.
وبين رفض التحالفات المسبقة، والدعوة إلى ترك نتائج الاقتراع تحدد مسار المشاورات، والدفاع عن تجربة المعارضة، وتقديم برنامج يقوم على عشرين التزاماً، رسم لشكر خلال هذا الحوار صورة المعركة كما يريدها حزبه: انتخابات لا ينبغي أن تُختزل في أسماء الأحزاب المتداولة في مقدمة المشهد، بل في البرامج والاختيارات التي سيضعها الناخبون أمام ميزان الاقتراع يوم 23 شتنبر.
أما ما بعد ذلك، فيبقى رهيناً بالنتائج وبالمشاورات السياسية التي ستنطلق بعد إعلانها، وهي مرحلة يقول لشكر إن كل قنواتها ستظل مفتوحة، دون أن تكون هناك، قبل الاقتراع، صيغة تحالف محسومة سلفاً.

عبد الحق ريحاني

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

البئر الجديد تستقبل مولاي المهدي الفاطمي.. حملة اتحادية تنزل إلى الميدان وتفتح نقاشاً مع الساكنة

من خميس أنجرة: الاتحاد الاشتراكي يفتح ملف التهميش ويطالب بالمحاسبة

«الاتحاد الاشتراكي يعبئ قواعده بشفشاون.. البقالي الطاهري وإيدي في جولة ميدانية تفتح نقاشا مباشرا مع الساكنة

لقاء تواصلي للقطاع التجاري والمهني الاتحادي بالمحمدية