أغلبية قوية ومعارضة فاعلة أساس التوازن الديمقراطي بالبلاد

الدعوة إلى حكومة سياسية قوية، قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية

التأكيد على ضرورة بناء توازن مؤسساتي بين أغلبية منسجمة ومعارضة فاعلة

قدم إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال استضافته في برنامج «نقطة إلى السطر» على القناة الأولى يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، مجموعة من التحليلات والمواقف السياسية المرتبطة بطبيعة المرحلة المقبلة، وشروط المشاركة في الحكومة، وأولويات السياسات العمومية، والتوازن المطلوب بين الأغلبية والمعارضة. وقد تجاوزت مقاربته الحسابات المرتبطة بتشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، لتطرح أسئلة أعمق حول مضمون الاختيارات الحكومية، ومدى قدرة الفعل السياسي على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
ومن خلال مواقف لشكر، برزت مركزية سؤال المشاركة الحكومية باعتباره قرارا سياسيا يرتبط بمدى حضور المشروع الحزبي في السياسات العمومية، وبالقدرة على التأثير في القرار العمومي، والدفاع عن الاختيارات الاجتماعية والديمقراطية التي تشكل جزءا من المرجعية الاتحادية. فالمشاركة، وفق التصور الذي عرضه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، لا تختزل في الحصول على مواقع داخل الجهاز التنفيذي، كما أن المعارضة لا ينبغي أن تتحول إلى موقع سلبي، بل تظل ممارسة سياسية ومؤسساتية لها وظائفها في الرقابة والمساءلة واقتراح البدائل.

من حساب المقاعد إلى وضوح المشروع السياسي

من أبرز المواقف التي عبر عنها إدريس لشكر ضرورة عدم اختزال المشاورات الحكومية في الأرقام والحسابات الانتخابية وحدها. فرغم أهمية نتائج الانتخابات في تحديد موازين القوى، فإن تشكيل حكومة قادرة على الإنجاز يقتضي، إلى جانب ذلك، وضوح التوجه السياسي، والاتفاق حول الأولويات، وتحديد الالتزامات التي تجمع مكونات الأغلبية.
وتحيل مقاربة لشكر على إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الحكومة المنتظرة: هل ستكون مجرد ائتلاف لتدبير التوازنات العددية، أم حكومة سياسية تمتلك رؤية مشتركة بشأن القضايا الكبرى للبلاد؟ ذلك أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية تفرض، وفق التحليل الذي قدمه، الانتقال من منطق توزيع المسؤوليات إلى منطق التعاقد حول برنامج قابل للتنفيذ، يحدد الأهداف والوسائل وآليات التقييم والمحاسبة.
وفي هذا السياق، شدد لشكر على أهمية حضور الأحزاب السياسية بمرجعياتها وبرامجها، بدل الاكتفاء بالتوافق حول المناصب. فالحكومة السياسية القوية، بحسب هذا التصور، ليست بالضرورة الحكومة الأكثر عددا في أعضائها، وإنما الحكومة التي تتوفر على الانسجام في اختياراتها، والوضوح في مسؤولياتها، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته أمام المؤسسات والرأي العام.

العدالة الاجتماعية والمجالية في صلب الاختيارات الحكومية

احتل البعد الاجتماعي والمجالي مكانة أساسية ضمن الأفكار التي طرحها إدريس لشكر، من خلال تأكيده ضرورة الربط بين التنمية الاقتصادية وتحسين شروط عيش المواطنين. فالتحدي لا يتعلق فقط بتحقيق مؤشرات النمو أو إطلاق المشاريع، بل بمدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للأسر، وعلى فرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والقدرة الشرائية، وتقليص الفوارق بين الجهات والمناطق.
وتتصل هذه الرؤية بمسألة توزيع الاستثمار والثروة والفرص الاقتصادية. فالعدالة المجالية لا تتحقق بمجرد تعميم المشاريع على الخريطة الوطنية، بل تقتضي توجيه الموارد نحو المجالات التي تعاني من الخصاص، وربط الاستثمار بالبنيات التحتية والخدمات الأساسية، وضمان استفادة السكان من ثمار التنمية.
كما أبرزت مواقف الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أهمية ملفات الماء والطاقة والأمن الغذائي وتثمين الموارد الطبيعية، باعتبارها من القضايا التي تضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية صياغة سياسات بعيدة المدى، تجمع بين متطلبات السيادة الاقتصادية والحاجات الاجتماعية. وهي ملفات لا يكفي التعامل معها بإجراءات متفرقة، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تربط التخطيط الاقتصادي بالتنمية المحلية، وتمنح الجهات دورا فعليا في تحديد أولوياتها.
ومن هذا المنطلق، يربط لشكر تقييم العمل الحكومي بما يلمسه المواطن من تحسن في الخدمات والفرص، لا بمجرد الإعلان عن البرامج أو تقديم الحصائل الرقمية.

الدولة الاجتماعية: من منطق الدعم إلى ضمان الكرامة

توقف إدريس لشكر عند طبيعة تدخل الدولة في المجال الاجتماعي، وما يقتضيه الانتقال نحو سياسات أكثر قدرة على حماية الفئات الهشة وصون كرامة المواطنين. فالدعم الاجتماعي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة عمومية متكاملة تضمن الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتوفر شروط الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتحمي الفئات التي تواجه الهشاشة أو الإقصاء.

وتبرز في هذا الإطار أهمية الطبقة الوسطى، التي تناولها لشكر باعتبارها مكونا أساسيا في التوازن الاجتماعي ومحركا للاستهلاك والإنتاج والاستقرار. فالحفاظ على قدرتها الشرائية وتعزيز فرص ارتقائها الاجتماعي يظلان من القضايا المرتبطة بحيوية الاقتصاد الوطني، وبقدرة السياسات العمومية على توزيع الأعباء والفرص بصورة أكثر إنصافا.
كما ربط لشكر فعالية التدخل العمومي بضرورة تعزيز الشفافية، وإتاحة المعلومة بشأن القرارات الإدارية والمالية، وتقوية آليات المراقبة والمحاسبة، والحد من تضارب المصالح. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنما تتعزز حين يشعر المواطن بأن القرارات تخضع للمصلحة العامة، وأن تدبير المال العام يتم وفق قواعد واضحة ومسؤولة.

الكفاءة السياسية والمسؤولية في تدبير الشأن العام

ومن القضايا التي أثارها إدريس لشكر التمييز بين الخبرة التقنية والقرار السياسي. فالإدارة تحتاج إلى كفاءات متخصصة وخبرات قادرة على تنفيذ السياسات، لكن تحديد الأولويات والاختيارات الكبرى يظل مسؤولية سياسية ينبغي أن تكون واضحة أمام المواطنين والمؤسسات المنتخبة.
وتتطلب هذه المعادلة، وفق المقاربة التي عرضها، حضورا فعليا للنخب السياسية المؤهلة، القادرة على فهم الملفات العمومية، والتفاوض بشأنها، واتخاذ القرارات المناسبة، وتحمل المسؤولية عن نتائجها. كما تفرض تطوير آليات اختيار المرشحين للمسؤوليات الحكومية والبرلمانية على أساس الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، لا على أساس الاعتبارات الشخصية أو القرب من مراكز القرار.
ويؤكد هذا الطرح أن الممارسة السياسية لا تستقيم من دون نخب تمتلك التكوين والتجربة والقدرة على النقاش، وتستوعب أن تحمل المسؤولية العمومية تكليف يقتضي العمل والمحاسبة، وليس امتيازا منفصلا عن انتظارات المجتمع.

العلاقة مع الأحزاب الأخرى: السياسة مجال للتفاعل لا للقطيعة الدائمة

وتناول إدريس لشكر طبيعة العلاقات بين الأحزاب، في ضوء التحولات التي يعرفها المشهد السياسي وتغير موازين القوى. وبرز في مواقفه تأكيد أن العلاقات الحزبية لا ينبغي أن تبقى رهينة مواقف سابقة أو خلافات تاريخية تتحول إلى قطيعة دائمة، بل يمكن أن تتطور بحسب البرامج والمواقف والمصالح العامة التي يجري التوافق بشأنها.
ولا يعني هذا التوجه، في دلالته السياسية، أن التقارب يقتضي التخلي عن المرجعيات أو محو الاختلافات الإيديولوجية، وإنما يستدعي التمييز بين الخلاف الذي يشكل جزءا طبيعيا من التعددية، وبين الانغلاق الذي يعطل إمكانات الحوار والتعاون. فالأحزاب مطالبة بالحفاظ على استقلالية قراراتها، وفي الوقت نفسه بالانفتاح على المبادرات التي تسمح بتوسيع مجال التوافق حول القضايا الوطنية والاجتماعية.
وبالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يطرح هذا النقاش سؤال كيفية ترجمة مرجعيته التقدمية والاجتماعية إلى اختيارات عملية، سواء من موقع المشاركة الحكومية أو من موقع المعارضة. فالمعيار الأساسي، وفق هذا المنظور، يظل مدى القدرة على الدفاع عن المشروع السياسي والمساهمة في تحسين السياسات العمومية.

أغلبية منسجمة ومعارضة قوية: شرط التوازن الديمقراطي

لم يقدم إدريس لشكر المشاركة الحكومية والمعارضة باعتبارهما موقعين متعارضين من حيث القيمة السياسية، بل باعتبارهما شكلين مختلفين من ممارسة المسؤولية داخل المؤسسات. فوجود معارضة قوية وفاعلة يشكل عنصرا أساسيا في التوازن الديمقراطي، كما أن الأغلبية مطالبة بدورها بالانسجام والقدرة على تحمل مسؤولية قراراتها.
ويكتسب هذا التوازن أهمية خاصة داخل البرلمان، حيث لا ينبغي اختزال العمل التشريعي في التصويت العددي أو الاكتفاء باستكمال الإجراءات الشكلية. فالبرلمان، وفق التصور الذي دافع عنه لشكر، فضاء للنقاش العمومي، ومراقبة الحكومة، وتجويد النصوص القانونية، والتعبير عن انتظارات المواطنين ومصالحهم.
ويستدعي ذلك حضورا فعليا للنواب في الجلسات العامة واجتماعات اللجان، ومشاركة مسؤولة في مناقشة القوانين والتعديلات، فضلا عن تتبع تنفيذ السياسات الحكومية. كما أن انسجام الأغلبية لا يقاس فقط بتوافق مكوناتها على التصويت، بل بقدرتها على الدفاع عن برنامج مشترك وتفسير اختياراتها للرأي العام.
ومن هنا، فإن التحدي الذي تطرحه مواقف لشكر لا يتعلق بتقوية الأغلبية على حساب المعارضة، أو العكس، بل ببناء مؤسسات منتخبة تمارس اختصاصاتها بفعالية، وتضمن تعدد الآراء ووضوح المسؤوليات.

البرنامج الحكومي وقانون المالية: اختبار الالتزام السياسي

في ضوء هذه المواقف، تبرز أهمية البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية باعتبارهما محطتين أساسيتين لترجمة التوجهات السياسية إلى التزامات عملية. فالبرنامج الحكومي ينبغي أن يحدد الأولويات والآجال والوسائل، وأن يوضح كيفية تمويل التعهدات الاجتماعية والاقتصادية، فيما يشكل قانون المالية اختبارا لمدى انسجام الموارد المرصودة مع الأهداف المعلنة.
وتقتضي المقاربة التي عرضها لشكر ألا تظل الوعود المتعلقة بالتشغيل والصحة والتعليم والاستثمار في مستوى الشعارات العامة، بل أن تترجم إلى تدابير محددة قابلة للتقييم. كما تستدعي المسؤولية السياسية الانتباه إلى السياق الاقتصادي والمالي، وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الأساسية، والضغوط التي يمكن أن تؤثر في ميزانية الأسر وفي توازنات الاقتصاد الوطني.
وبذلك، فإن المشاركة الحكومية، متى تم اختيارها، تصبح مرتبطة بمدى القدرة على التأثير في هذه الاختيارات، والدفاع عن الأولويات الاجتماعية، والمساهمة في تنفيذ برنامج واضح، مع الاحتفاظ بالحق في التقييم والمساءلة السياسية.

نحو ممارسة سياسية تستعيد ثقة المواطنين

في المحصلة، تكشف التحليلات والمواقف التي عرضها إدريس لشكر في برنامج «نقطة إلى السطر» عن جملة من الأسئلة التي تواجه الحياة السياسية والمؤسساتية: كيف يمكن الانتقال من تدبير التوازنات العددية إلى بناء مشاريع سياسية واضحة؟ وكيف تتحول العدالة الاجتماعية والمجالية من أهداف معلنة إلى نتائج ملموسة؟ وما الشروط التي تجعل المشاركة الحكومية وسيلة للتأثير في القرار العمومي، وتجعل المعارضة قوة اقتراح ومراقبة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتوقف على مواقف الأحزاب وحدها، بل ترتبط أيضا بقدرة المؤسسات على العمل بانسجام، وبمدى وضوح المسؤوليات، وبوجود إرادة فعلية لتحويل البرامج إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة.
وهكذا، فإن الرهان الأساسي للمرحلة المقبلة، كما يبرز من خلال قراءة مواقف الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، لا يكمن فقط في تشكيل حكومة أو توزيع الحقائب، وإنما في بناء ممارسة سياسية تجعل المواطن في صلب القرار العمومي، وتربط المسؤولية بالنتائج، وتمنح التنافس الحزبي معناه من خلال البرامج والاختيارات والقدرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

«هاشتاغ».. ناطق مغربي باسم اليمين المتطرف الإسباني

إدريس لشكر.. الخطاب الملكي حدد رهانات المرحلة المقبلة والمغرب أمام عهد جديد وتوازن حقيقي بين الأغلبية والمعارضة… 

نواب الاتحاد الاشتراكي : انتخاب التويزي يعكس انسجام الأغلبية ونراهن على برلمان قوي في التشريع والرقابة

بـــــــــــيـــــــــــــان تشكيل الأغلبية الحكومية