رسالة الاتحاد
لم تكن بداية حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد انتقال من مرحلة حكومية إلى أخرى، بل شكلت محطة سياسية ومؤسساتية جديدة، تزامنت مع انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة، وأسئلة متجددة حول قدرة الأحزاب على تحويل برامجها الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة، ومدى استعداد المؤسسة التشريعية للاضطلاع بأدوارها في النقاش والمراقبة والمحاسبة.
ومنذ تعيين المنصوري رئيسة للحكومة في 29 شتنبر 2026، اتجه الاهتمام إلى طبيعة الأغلبية التي ستتشكل حولها، والخيارات التي ستحدد أولويات الولاية الحكومية الجديدة، قبل أن تقدم برنامجها أمام مجلسي البرلمان في جلسة مشتركة يوم 19 أكتوبر، وتحصل على ثقة مجلس النواب يوم 22 أكتوبر، بأغلبية 204 أصوات مقابل 127 صوتا معارضا. وبذلك دخلت الحكومة مرحلة المسؤولية الدستورية والسياسية، وأصبح المطلوب منها الانتقال من الإعلان عن التوجهات إلى إثبات القدرة على التنفيذ.
البرنامج: أولوية المعيش اليومي
ركز البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 على مجموعة من الأولويات التي تتقاطع مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية المطروحة في النقاش العمومي، وفي مقدمتها حماية القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، إلى جانب تقوية السيادة الطاقية والغذائية ومواجهة التحديات المرتبطة بالماء والتحولات الاقتصادية والمناخية.
وتكمن أهمية هذه الأولويات في كونها تمس صلب العلاقة بين المواطن والدولة، إذ لم يعد تقييم الأداء الحكومي مرتبطا فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الأسر، وعلى فرص الشباب في الاندماج الاقتصادي، وعلى قدرة المدرسة والمستشفى العموميين على تقديم خدمات ذات جودة.
وقد شددت رئيسة الحكومة، خلال تقديم برنامجها، على الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن التركيز على حجم الاستثمار إلى قياس مردوديته وأثره، ومن تعدد البرامج إلى ضمان تكاملها. وهي توجهات تضع الحكومة أمام ضرورة تحديد مؤشرات واضحة للإنجاز، وآجال زمنية قابلة للتقييم، وآليات للمساءلة عن النتائج.
غير أن الاختبار الحقيقي للبرنامج لن يتوقف عند وضوح العناوين الكبرى، بل سيمتد إلى تفاصيل السياسات المعتمدة، والموارد المالية المرصودة لها، ومدى قدرتها على معالجة التفاوتات بين الجهات والفئات الاجتماعية. فالتعهد بتحسين القدرة الشرائية، مثلا، يقتضي إجراءات قابلة للقياس، كما أن الالتزام بإحداث فرص الشغل يستدعي توضيح القطاعات المستهدفة، وحجم المناصب المرتقبة، وآليات مواكبة المقاولات والشباب.
مشروع قانون المالية: أول امتحان عملي
يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2027 في مقدمة الملفات التي ستحدد الملامح العملية للتوجه الحكومي، باعتباره الأداة التي تترجم الاختيارات السياسية والاجتماعية إلى موارد ونفقات وتدابير ضريبية واستثمارات عمومية.
وقد صادق المجلس الحكومي، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، على مشروع قانون المالية رقم 60.26 يوم 20 أكتوبر 2026. وتكتسي هذه المحطة أهمية خاصة، لأنها تضع الوعود الواردة في البرنامج الحكومي أمام امتحان الترجمة الميزانياتية، وتكشف مدى الانسجام بين الخطاب السياسي والاختيارات المالية الفعلية.
فالمواطن الذي ينتظر تحسنا في الخدمات الصحية والتعليمية، أو تخفيفا لأعباء المعيشة، لا يكتفي بسماع الالتزامات، بل يتطلع إلى معرفة حجم الاعتمادات المخصصة للمستشفيات والمدارس، وموقع التشغيل ضمن الأولويات، وكيفية توزيع الاستثمار العمومي بين المجالات الترابية، والإجراءات المتخذة لدعم الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.
كما أن الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ينتظرون توضيحات بشأن السياسة الضريبية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات، وتوسيع فرص الشغل، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وقد رافقت المصادقة على المشروع مناقشات قانونية وسياسية حول توقيتها، لكونها تمت قبل حصول الحكومة على ثقة البرلمان. ودافعت رئيسة الحكومة عن هذه الخطوة باعتبارها احتراما للأجل القانوني لإيداع المشروع، بينما أثارت المسألة نقاشا بشأن حدود تصريف الاختصاصات الحكومية قبل استكمال التنصيب الدستوري.
ويستدعي هذا النقاش التمييز بين الجدل السياسي حول التوقيت، وبين الحسم القانوني الذي ينبغي أن يستند إلى النصوص الدستورية والتنظيمية ذات الصلة. وفي جميع الأحوال، فإن الأهمية الأساسية لمشروع قانون المالية ستظل مرتبطة بمضمونه، وبمدى قدرته على تمويل الالتزامات الحكومية، وبما سيكشف عنه النقاش البرلماني من أولويات واختيارات.
الرأي العام بين انتظار النتائج ومساءلة الخطاب السياسي
عكست ردود الفعل التي أعقبت تقديم البرنامج الحكومي تباينا في التقديرات السياسية، فقد اعتبرت مكونات الأغلبية أن البرنامج يستجيب لانتظارات المواطنين ويستحضر الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، بينما ركزت ملاحظات المعارضة على ما اعتبرته نقصا في الالتزامات الدقيقة، وغياب آجال واضحة للتنفيذ، وعدم كفاية بعض التدابير المقترحة لمواجهة التحديات المطروحة.
ولا يمكن اختزال الرأي العام الوطني في هذه المواقف الحزبية أو في التعليقات المتداولة عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، غير أن النقاش الذي رافق الانطلاقة الحكومية يكشف عن مطلب أساسي يتمثل في الانتقال من الوعود العامة إلى النتائج الملموسة، ومن تقديم البرامج إلى إثبات أثرها في الحياة اليومية.
كما أثار الأداء التواصلي لرئيسة الحكومة خلال عرض البرنامج نقاشا حول اللغة المستعملة وطريقة الإلقاء، وبينما انشغلت بعض التعليقات بهذا الجانب، برزت الحاجة إلى التمييز بين تقييم الشكل التواصلي للمسؤول السياسي وتقييم المضمون الحكومي نفسه، فاللغة أداة للتواصل، لكن المحك الأساسي يظل وضوح القرارات، وقوة الحجج، والقدرة على الإجابة عن أسئلة النواب والمواطنين.
إن الرأي العام لا يحتاج إلى خطاب سياسي خال من الأخطاء الشكلية بقدر ما يحتاج إلى خطاب واضح وصريح بشأن الإمكانات والإكراهات، وإلى مسؤولين يفسرون اختياراتهم ويقدمون حصيلة قابلة للفحص والمقارنة. كما أن الثقة لا تُبنى في الأسابيع الأولى من الولاية فقط، بل تتشكل تدريجيا من خلال الوفاء بالتعهدات، والشفافية في تدبير المال العام، والاستعداد لتحمل المسؤولية عند التعثر.
أحزاب الأغلبية: من التوافق على الحكومة إلى التوافق على السياسات
تشكل الأغلبية الحكومية الإطار السياسي الذي يفترض أن يوفر للحكومة السند البرلماني اللازم لتنفيذ برنامجها. غير أن نجاح هذا الإطار لا يقاس فقط بعدد الأصوات التي تضمن المصادقة على البرنامج الحكومي أو مشاريع القوانين، وإنما أيضا بمدى قدرة مكوناته على بلورة رؤية مشتركة، وتنسيق مواقفها، وتدبير اختلافاتها حول الأولويات والتدابير العملية.
فالتوافق على تشكيل الحكومة يظل خطوة أولى، بينما يبدأ الامتحان الفعلي عندما تصل الملفات الاجتماعية والاقتصادية إلى مرحلة اتخاذ القرار. عندها تظهر الحاجة إلى الانضباط للالتزامات المشتركة، وإلى الحوار بين الأحزاب المكونة للأغلبية، وإلى تفادي تحول الاختلافات القطاعية أو الحسابات الحزبية إلى عائق أمام تنفيذ البرنامج.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول التضامن الحكومي إلى تبرير آلي لجميع القرارات، أو إلى تعطيل للنقاش داخل المؤسسات. فالأغلبية السياسية القوية هي التي تستطيع الدفاع عن اختياراتها بالحجج والأرقام، وتفسير قراراتها للرأي العام، وتصحيح الاختلالات عند ظهورها.
ومن هذا المنطلق، ستكون العلاقة بين مكونات الأغلبية اختبارا لقدرتها على الانتقال من التعاقد الانتخابي إلى التعاقد الحكومي، ومن توزيع المسؤوليات إلى تحمل المسؤولية الجماعية عن النتائج. كما ستكشف الممارسة اليومية ما إذا كانت الأحزاب تحتفظ بدورها السياسي في التأطير والاقتراح والتواصل، أم أن حضورها سيقتصر على دعم القرارات الحكومية بعد اتخاذها.
البرلمان: هل يستعيد النقاش السياسي مكانته؟
أعادت بداية الولاية الحكومية طرح سؤال جوهري يتعلق بمستوى النقاش السياسي داخل البرلمان، وبمدى حضور البرامج والبدائل في مواجهة المواقف الحزبية المتقابلة، فالمؤسسة التشريعية ليست مجرد فضاء للتصويت على النصوص، بل هي مجال لعرض الاختيارات الحكومية، ومناقشة آثارها، وتقديم البدائل، ومراقبة التنفيذ، ومساءلة المسؤولين.
وقد أظهرت المناقشات التي أعقبت عرض البرنامج الحكومي تباينا بين دفاع الأغلبية عن أولويات الحكومة وانتقادات المعارضة لبعض مضامينه، ويشكل هذا التباين جزءا طبيعيا من التعددية السياسية، شريطة أن يستند إلى الحجج والوقائع، وأن يتيح للمواطن فهم الاختلافات الحقيقية بين البرامج والاختيارات.
لكن مستوى السياسة داخل البرلمان لا يقاس بحدة المواجهة أو ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما بقدرة النواب على تحويل الأسئلة الاجتماعية إلى نقاش تشريعي ورقابي منتج. فحين يناقش البرلمان قانون المالية، مثلا، يصبح من الضروري التوقف عند الأرقام، ومصادر التمويل، وتوزيع الاعتمادات، والنتائج المنتظرة، بدل الاكتفاء بالمواقف العامة المؤيدة أو الرافضة.
كما أن المعارضة مطالبة بتقديم بدائل قابلة للنقاش، لا بمجرد الاعتراض، فيما تتحمل الأغلبية مسؤولية شرح اختياراتها والدفاع عنها، دون مصادرة حق النقد أو التعامل مع المساءلة باعتبارها عرقلة للعمل الحكومي.
أما الممارسات البرلمانية، من حيث احترام قواعد الحوار، والإنصات المتبادل، وتدبير الاختلاف، والابتعاد عن التجريح الشخصي، فهي جزء لا يتجزأ من جودة الحياة السياسية. فالمواطن ينتظر من ممثليه أن يقدموا نموذجا في النقاش المسؤول، وأن يضعوا القضايا العامة فوق الاعتبارات المرتبطة بالمناكفات أو تسجيل النقاط الحزبية.
السياسة ليست خطابات فقط
تضع بداية حكومة فاطمة الزهراء المنصوري الجميع أمام سؤال يتجاوز حصيلة الأسابيع الأولى: هل تستطيع المؤسسات والأحزاب جعل السياسة أداة فعلية لتدبير الاختلاف وصياغة الحلول، أم ستظل الممارسة محكومة في كثير من الأحيان بمنطق التصريحات والتجاذبات؟
إن حضور السياسة في الحياة البرلمانية لا يعني بالضرورة غياب التوافق، كما أن التوافق لا ينبغي أن يعني اختفاء الاختلاف. فالديمقراطية المؤسساتية تقوم على أغلبية تتحمل مسؤولية الحكم، ومعارضة تراقب وتقترح، وبرلمان يتيح المجال لمواجهة البرامج بالحجج، ورأي عام يتابع ويحاسب.
ومن هنا، فإن التحدي أمام الحكومة الجديدة لا يقتصر على تنفيذ مشاريعها، بل يشمل أيضا ترسيخ علاقة أكثر وضوحا بين القرار العمومي والمساءلة السياسية. ويقتضي ذلك أن تقدم الحكومة معطيات منتظمة حول تقدم التزاماتها، وأن تتيح للبرلمان مناقشة الحصيلة، وأن تتحمل أحزاب الأغلبية مسؤولية الدفاع عن نتائجها، وأن تمارس المعارضة دورها الرقابي بفعالية.
من شرعية البداية إلى امتحان الحصيلة
دخلت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة العمل بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، لكن الثقة الدستورية لا تعني نهاية النقاش، بل بدايته الفعلية. فالبرنامج الحكومي سيظل التزاما سياسيا مفتوحا على التقييم، وقانون المالية سيكشف مدى استعداد الدولة لترجمة الأولويات المعلنة إلى اعتمادات وإجراءات، فيما ستحدد الممارسة البرلمانية مستوى التفاعل بين الأغلبية والمعارضة.
وسيكون الحكم على هذه البداية مرتبطا بما ستقدمه الحكومة من نتائج في التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة المجالية، وبمدى قدرتها على تدبير المال العام بكفاءة وشفافية. كما سيكون مرتبطا بقدرة الأحزاب على استعادة النقاش السياسي الجاد، وجعل البرلمان فضاء لمواجهة الأفكار والبرامج، لا مجرد محطة للمصادقة أو للتجاذب.
في النهاية، لا تُقاس قوة الانطلاقة الحكومية بكثافة الوعود ولا بحجم التأييد البرلماني وحدهما، وإنما بمدى تحويل الالتزامات إلى نتائج، وبقدرة المؤسسات على ممارسة أدوارها الدستورية، وبما إذا كان المواطن سيشعر بأن السياسة قادرة على الاستجابة لانشغالاته اليومية. ذلك هو الامتحان الذي ستواجهه الحكومة الجديدة، وهو أيضا الامتحان الذي ستواجهه الأغلبية والمعارضة معا.


تعليقات الزوار ( 0 )