وضع الحسن لشكر، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار سياسي واجتماعي يتجاوز تدبير الأرقام والتوازنات المالية، مؤكدا أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل النمو الاقتصادي والاستثمار العمومي إلى مكاسب ملموسة في التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية والعدالة المجالية.
وفي مداخلته خلال المناقشة العامة لمشروع القانون أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، اعتبر لشكر أن أول مشروع قانون للمالية في الولاية التشريعية والحكومية الجديدة يشكل لحظة تأسيسية لقياس مدى قدرة البرنامج الحكومي على الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى قرارات وإصلاحات فعلية، واضعا العدالة الاجتماعية في صلب الاختيارات الاقتصادية، وربط خلق الثروة بإنصاف المواطنين وتوزيع ثمار النمو بين الفئات والجهات والأجيال.
مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الأغلبية.. التزام بالإصلاح
سياسيا، ربط رئيس الفريق الاشتراكي مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في التجربة الحكومية بتقاطع الاختيارات المعلنة في البرنامج الحكومي مع المرجعية الوطنية والحداثية والديمقراطية الاجتماعية للحزب، مؤكدا أن هذا الاختيار لا يمثل انتقالا حسابيا بين المواقع، ولا تراجعا عن المطالب التي دافع عنها الحزب خلال سنوات المعارضة.
وشدد على أن الوفاء للمواقف يقاس بالقدرة على تحويل القناعات إلى إصلاحات نافذة عندما تتاح مسؤولية المشاركة في القرار، مذكرا بأن الفريق الاشتراكي ظل يدافع عن العدالة الضريبية، وحماية القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإصلاح المدرسة والمستشفى العموميين، وربط الاستثمار بالتشغيل والعدالة المجالية.
وأكد أن انخراط الفريق في الأغلبية التزام سياسي واع ومسؤول بالمساهمة في إنجاح مشروع يعتبره امتدادا لقناعاته ومواقفه، مع مواصلة الدفاع عن الإصلاحات وتجويد النصوص التشريعية وتتبع تنفيذها.
400 مليار درهم للاستثمار.. والرهان على الأثر الاجتماعي
في عرضه للمؤشرات الاقتصادية الكبرى، توقف لشكر عند توقع تحقيق نمو في حدود 3,7 في المائة سنة 2027، وحصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع توقع بلوغ دين الخزينة 66,9 في المائة.
كما أبرز أن المجهود الاستثماري الإجمالي للقطاع العام يرتقب أن يبلغ 400 مليار درهم، معتبرا أن أهمية هذا الرقم لا تقاس بحجمه فقط، وإنما بما يمكن أن ينتجه من قيمة مضافة وطنية، وفرص شغل مستدامة، ودعم للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وتقليص للفوارق بين الجهات.
وفي هذا السياق، دعا إلى تجاوز التعامل مع الاستثمار العمومي باعتباره مجرد اعتمادات مالية، وجعله رافعة للإنتاج والتشغيل والتجهيز الترابي، مؤكدا أن المعيار الحقيقي لنجاعة النمو هو أثره الاجتماعي والمجالي.
482,4 مليار درهم من الموارد.. والعدالة الضريبية في الواجهة
وسجلت المداخلة ارتفاع الموارد المقررة للميزانية العامة، دون احتساب الاقتراضات المتوسطة والطويلة الأجل، إلى نحو 482,4 مليار درهم، مقابل 421,3 مليار درهم سنة 2026.
وتتوقع المعطيات الواردة في المشروع أن تبلغ حصيلة الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة 203,48 مليارات درهم، مقابل 165,69 مليار درهم في السنة السابقة، فيما يرتقب أن تصل الضرائب غير المباشرة إلى 185,55 مليار درهم.
واعتبر لشكر أن هذا التطور يطرح سؤالا سياسيا أساسيا لا يتعلق فقط بحجم الموارد التي تعبئها الدولة، بل بكيفية تحصيلها، والفئات التي تتحمل أعباءها، والغايات التي توجه إليها. ومن هذا المنطلق، نوه بالمراجعة التدريجية للضريبة على الدخل، التي ترفع حد الدخل السنوي الصافي المعفى من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، مع تبسيط الأشطر واعتماد معدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 في المائة، وخفض المعدل الهامشي الأعلى من 37 إلى 30 في المائة في أفق استكمال الإصلاح سنة 2031.
كما توقف عند رفع سعر الضريبة على الشركات من 35 إلى 40 في المائة بالنسبة إلى الشركات العاملة في استيراد أو توزيع المحروقات، عندما يبلغ ربحها الصافي السنوي 100 مليون درهم أو أكثر، معتبرا أن الإجراء يعكس مبدأ المساهمة المنصفة للأنشطة ذات الأرباح الكبيرة.
وشدد على أن الإصلاح الجبائي ينبغي أن يحمي الأجراء والطبقة المتوسطة، ويوسع الوعاء الضريبي، ويحارب التهرب والغش، ويجعل المساهمة في تمويل المرافق العمومية مرتبطة بالقدرة الحقيقية على التحمل.
الدعم الاجتماعي والتقاعد وفواتير الكهرباء.. أرقام تمس الحياة اليومية
وفي الشق الاجتماعي، أبرز لشكر مجموعة من الإجراءات التي يتضمنها المشروع، وفي مقدمتها الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم شهريا خلال سنة 2027، في أفق بلوغه 1.000 درهم.
كما يتجه المشروع إلى رفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 1.700 درهم شهريا في مرحلة أولى سنة 2027، في أفق الوصول إلى 3.000 درهم، إلى جانب رفع نسبة معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة، وفق الأطر القانونية والتنظيمية للأنظمة المعنية.
وتشمل التدابير كذلك تحمل الدولة فواتير الكهرباء التي تقل عن أو تساوي 100 درهم شهريا، ورصد 19,4 مليار درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين.
واعتبر رئيس الفريق الاشتراكي أن هذه الإجراءات تكتسي أهمية بالنسبة إلى الأسر والفئات ذات الدخل المحدود، لكنه شدد على أن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تكتفي بالتعويض عن الهشاشة، بل يتعين أن تعمل على معالجة أسبابها، عبر التعليم والتكوين والتشغيل والاستقلال الاقتصادي.
وفي المقابل، دعا إلى إصلاح مسالك التوزيع وأسواق الجملة، والتصدي للمضاربة والاحتكار والممارسات التي ترفع الأسعار دون قيمة مضافة، مؤكدا أن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق فقط عبر الأجور والتحويلات الاجتماعية، بل تتطلب أيضا تخفيض كلفة المعيشة وتعزيز شفافية الأسعار والمنافسة.
الصحة والتعليم.. ارتفاع الاعتمادات يفرض تحسين الخدمات
وفي ما يتعلق بالقطاعات الاجتماعية الأساسية، أشار لشكر إلى ارتفاع الاعتمادات المخصصة للصحة إلى 45,4 مليار درهم سنة 2027، مقابل 42,4 مليار درهم سنة 2026، فيما بلغت الاعتمادات المخصصة للتربية الوطنية 106,9 مليارات درهم، مقابل 102,2 مليار درهم.
وأكد أن زيادة الميزانيات تظل خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تنعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال توفير الأطر والأدوية والتجهيزات، وتقريب المؤسسات الصحية، وتحسين مستوى التعلمات وضمان تكافؤ الفرص بين أبناء المدن والقرى.
كما دعا إلى مواصلة تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتفعيل المجموعات الصحية الترابية، وإصلاح حكامة المنظومة الصحية، إلى جانب تطوير المدرسة العمومية والتعليم الأولي والجامعة والبحث العلمي والابتكار.
الشباب والتشغيل.. من البرامج والأرقام إلى المسارات الواضحة
واعتبر لشكر أن الشباب يمثلون أحد أبرز معايير الحكم على نجاح الولاية الحكومية، في ظل استمرار تحديات البطالة والانقطاع المبكر عن الدراسة وضعف المشاركة الاقتصادية للنساء.
وفي هذا الإطار، سجل إعادة تسجيل أكثر من 78 ألف تلميذة وتلميذ خلال الموسم الدراسي الحالي، والتوجه نحو توسيع مدارس الفرصة الثانية، وتطوير التكوين بالتدرج المهني ليتجاوز 150 ألف مستفيد سنويا، ضمن منظومة توفر أكثر من 751 ألف مقعد بيداغوجي برسم الموسم الدراسي 2026-2027.
وأكد أن الرهان لا يتوقف عند عدد المقاعد والبرامج، بل يرتبط بقدرة السياسات العمومية على بناء مسار متكامل يتيح للشباب الانتقال من المدرسة إلى التكوين، ومن التكوين إلى العمل، ومن العمل إلى الاستقرار والكرامة، مع ضمان فرص متكافئة أمام الشابات والشباب.
العدالة المجالية والسيادة الاقتصادية في صلب الاختيارات
وفي محور التنمية الترابية، شدد رئيس الفريق الاشتراكي على ضرورة تجاوز الفوارق بين المجالات، حتى لا تصبح جودة الخدمات وفرص الاستثمار مرتبطة بعنوان إقامة المواطن. ودعا إلى تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وتمكين الجهات والأقاليم من الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية للتخطيط والإنجاز.
كما ربط تحقيق التنمية المستدامة بتعزيز الأمن المائي والغذائي والدوائي والطاقي، وتقوية الاحتياطات الاستراتيجية، وتطوير الصناعات الوطنية، وتثمين الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتوسيع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
واعتبر أن الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى ينبغي أن يواكبه رفع قدرات المقاولات الوطنية على الإنتاج والتصدير، وجعل البحث العلمي والابتكار رافعتين للتنافسية وخلق فرص الشغل.
38 مليار درهم من النفقات الجبائية.. ضرورة تقييم الامتيازات
وفي ما يتعلق بتدبير المال العام، أثار لشكر الانتباه إلى كلفة فوائد وعمولات الدين العمومي، التي تبلغ نحو 45,94 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2027، بما يطرح تحدي توسيع الموارد الذاتية للدولة وتحسين مردودية الاستثمار وجودة الإنفاق.
كما توقف عند النفقات الجبائية التي قدرت، وفق التقرير المرفق بالمشروع، بنحو 38 مليار درهم برسم سنة 2026، موزعة على 283 تدبيرا استثنائيا، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة منها تعود إلى ما قبل سنة 2021.
ودعا إلى إخضاع هذه الامتيازات لتقييم دوري وموضوعي يقيس مدى مساهمتها في الاستثمار والتشغيل وتحقيق الأثر الاجتماعي الذي أُقرت من أجله، معتبرا أن الإعفاءات الجبائية، شأنها شأن النفقات المباشرة، ينبغي أن تخضع لمنطق النتائج والشفافية والمصلحة العامة.
كما أكد أهمية تسريع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين حكامتها وعلاقاتها المالية بالدولة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب مواصلة إصلاح منظومة المقاصة بما يضمن حماية أسعار المواد الأساسية ورفع نجاعة الدعم واستدامته.
الخلاصة السياسية: النمو والعدالة الاجتماعية وجهان لمشروع واحد
وخلصت مداخلة رئيس الفريق الاشتراكي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يضع لبنات لتحول يراد له أن يجعل العدالة الاجتماعية في صلب السياسة الاقتصادية، ويحرر إمكانات الاستثمار والإنتاج، ويعيد الاعتبار للعمل، ويقوي المدرسة والمستشفى العموميين، وينصف الجهات ويوسع مجال الحقوق والحريات والمساواة.
وجدد الفريق الاشتراكي دعمه للتوجهات الأساسية للمشروع، مع التأكيد على أن انخراطه في الأغلبية يقتضي الدفاع عن الإصلاحات التي يؤمن بها والمساهمة في تجويد النصوص وتيسير تنفيذها.
وبذلك، وضعت المداخلة معادلة واضحة أمام الحكومة والبرلمان: لا نمو اقتصادي بلا عدالة اجتماعية، ولا عدالة اجتماعية مستدامة بلا اقتصاد منتج، ولا إصلاح حقيقي دون مؤسسات فعالة ونتائج ملموسة في حياة المواطنات والمواطنين.


تعليقات الزوار ( 0 )