المجلس الوطني للصحافة يمثل الجسم المهني وليس امتداداً لأي جهة أخرى

تقدمت فرق المعارضة بما مجموعه 137 تعديلاً دون أن يحظى أي منها بالقبول

التوازن بين فئتي الصحافيين والناشرين مسألة ضرورية، لكن هذا التوازن لا ينبغي أن يتحول
إلى آلية لهيمنة الفاعلين الأقوى اقتصادياً

صوت الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية ضد مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك يوم الاثنين خلال الجلسة التشريعية المخصصة لمناقشة المشروع. ذلك أن الفريق كما كشف ذلك النائب عمر أعنان، في المناقشة التي قدمها أمام مجلس النواب، تقدم بتعديلات مهمة تروم تجويد النص وتصحيح اختلالاته، غير أن هذه التعديلات، إلى جانب 137 تعديلا تقدمت بها فرق المعارضة، لم يتم اعتماد أي منها.
فيما يلي نص مداخلة الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية التي قدمها عمر أعنان:

السيد الرئيس، السيد الوزير، السيدات والسادة النواب المحترمون،
يشرفني أن أتدخل باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية لمناقشة مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي نعتبره محطة تشريعية أساسية في مسار تأهيل الإعلام المغربي ومؤسساته المهنية، وفي ترسيخ مؤسسة محورية في البناء الديمقراطي لبلادنا، وهو ما يجعل من واجبنا، كمعارضة اتحادية مسؤولة، مواكبة هذا الورش برؤية نقدية بناءة تنطلق من قناعة راسخة مفادها أنه لا ديمقراطية بدون صحافة حرة، ولا حرية بدون استقلالية مؤسساتية وتمثيلية ديمقراطية وعدالة مهنية؛ كما نؤكد أن هذا المشروع مرتبط بمؤسسة تضطلع بأدوار جوهرية في ضمان حرية التعبير، وتعزيز المساءلة، وترسيخ التعددية، والمساهمة في تشكيل الوعي الجماعي، بما يستوجب أن ينطلق أي تنظيم قانوني لها من نفس المرجعية.
يأتي هذا المشروع، كما هو معلوم، في سياق خاص يرتبط بترتيب الأثر القانوني لقرار المحكمة الدستورية، الذي اعتبر بعض مقتضيات المشروع السابق غير مطابقة للدستور، خاصة تلك المتعلقة بتركيبة المجلس، وقواعد التمثيلية، وتوزيع المقاعد، وكذا تركيبة لجنة الاستئناف التأديبية. وهو ما يفرض أن تكون هذه المراجعة مناسبة لتجويد النص وتعزيز ضمانات الاستقلالية والتعددية، وليس مجرد تعديل تقني محدود.
في مستهل هذه المناقشة، نود التأكيد على أن فريقنا تقدم السنة الماضية، خلال مناقشة الصيغة الأولى من هذا المشروع، بجملة من التعديلات الجوهرية التي انسجمت في مضمونها مع الملاحظات التي أبدتها لاحقاً المحكمة الدستورية. غير أن هذه التعديلات لم يتم الأخذ بها، كما لم يُتح الوقت الكافي لإجراء مناقشة جدية ومتأنية لمقتضيات المشروع. ولو تم التفاعل الإيجابي مع مقترحاتنا واعتماد مقاربة تشاركية حقيقية في دراسة النص، لما كنا اليوم أمام إعادة فتح نفس النقاش، ولما ضيعنا هذا الزمن التشريعي الثمين، وما رافقه من جهد مؤسساتي وتشريعي إضافي، كان بالإمكان تفاديه عبر الإنصات المبكر للملاحظات والتعديلات التي تقدم بها البرلمان، وخاصة فرق المعارضة.
الإشكال ليس في تسريع وتيرة التشريع في حد ذاته، بل في الكيفية والمنهجية المعتمدة في صياغته واعتماده. إذ كان من المفروض أن يقوم هذا الورش على حوار وطني واسع، وتوافق مهني ومجتمعي حقيقي يضمن الانخراط الجماعي في الإصلاح. غير أن ما نعاينه اليوم هو نزوع نحو تمرير النصوص بمنطق الأغلبية العددية، عوض منطق التوافق والإصلاح التشاركي، وهو ما يطرح إشكالاً فعلياً على مستوى الشرعية السياسية والمجتمعية لهذه القوانين. ومن موقعنا في المعارضة، نؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يُفرض بمنطق الغلبة، بل يُبنى على التوافق، كما أن التشريع الجيد لا يقوم على الرفض أو القبول المطلق، وإنما على التفاعل الإيجابي مع مختلف المقترحات، في احترام للتعددية البرلمانية وتكريساً لدور المؤسسة التشريعية كفضاء للنقاش والتعديل والإغناء.
إن تمرير القوانين بهذه الطريقة يطرح ثلاث إشكالات كبرى: ضعف الشرعية المجتمعية للنصوص، إمكانية صعوبة تنزيلها ميدانياً وتعميق أزمة الثقة بين المؤسسات والفاعلين المهنيين. نحن في المعارضة نؤمن أن الإصلاح الحقيقي، خصوصاً في مجالات العدالة والحريات، لا يمكن أن يتم إلا عبر الحوار والتوافق واحترام استقلالية الهيئات. أما منطق الغلبة العددية، فهو قد يحقق نصاً قانونياً، لكنه لا يبني إصلاحاً مستداماً.
إن المجلس الوطني للصحافة، باعتباره مؤسسة للتنظيم الذاتي، يفترض أن يكون فضاءً مهنياً مستقلاً، يعكس التوازن داخل الحقل الإعلامي، ويحمي أخلاقيات المهنة، ويسهر على تطويرها، دون أن يتحول إلى أداة للضبط أو التأثير أو إعادة ترتيب موازين القوة داخل القطاع. ومن ثم فإن إعادة تنظيم هذه المؤسسة ينبغي أن تتم في إطار تعزيز استقلاليتها وتوسيع تمثيليتها وترسيخ الحكامة الديمقراطية داخلها.
غير أن قراءة المشروع تبرز أن الإشكال لا يتعلق فقط بإعادة صياغة بعض المواد، بل يمتد إلى الفلسفة العامة للنص، وهل نحن أمام تنظيم ذاتي ديمقراطي للمهنة، أم أمام صيغة قد تؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة ترتيب الحقل الإعلامي وفق توازنات غير متكافئة. وفي هذا الإطار، نثير ثلاث قضايا أساسية:
أولاً: إن فلسفة التنظيم الذاتي تقوم على أن المهنة تنظم نفسها بنفسها، وأن المجلس يمثل الجسم المهني، وليس امتداداً لأي جهة أخرى. لذلك فإن كل ما من شأنه التأثير على استقلالية المجلس، سواء من خلال تركيبة الأعضاء أو آليات التعيين أو توزيع الصلاحيات، ينبغي أن يخضع لمراجعة دقيقة، حتى نحافظ على الطابع المهني المستقل لهذه المؤسسة.
ثانياً: إن التوازن بين فئتي الصحافيين والناشرين مسألة ضرورية، لكن هذا التوازن لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لهيمنة الفاعلين الأقوى اقتصادياً أو المؤسسات الكبرى، لأن ذلك قد يؤدي إلى إقصاء الصحافة الجهوية، والصحافيين المستقلين، والمقاولات الإعلامية الصغرى، وهو ما يتعارض مع مبدأ التعددية المهنية. إننا نؤمن بضرورة تمثيلية عادلة ومتوازنة تعكس التنوع الحقيقي للحقل الإعلامي المغربي.
ثالثاً: إن وجود آليات تأديبية داخل المجلس أمر ضروري لحماية أخلاقيات المهنة، لكن هذه السلطة يجب أن تكون محاطة بضمانات قوية، من حيث الاستقلالية والحياد والتوازن. لأن الهدف من التأديب ليس الزجر أو التضييق، بل حماية المهنة وتعزيز مصداقيتها. ولذلك يجب أن تُصاغ هذه المقتضيات بطريقة تضمن الحقوق المهنية للصحافيين وتفادي أي تأويل قد يمس بحرية الممارسة الصحافية.
السيد الوزير، إن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية لا ينظر إلى المجلس الوطني للصحافة باعتباره مجرد هيئة تنظيمية ذات وظيفة تأديبية، بل كرافعة استراتيجية لتأهيل الحقل الإعلامي وتطويره بما يواكب التحولات المجتمعية والتكنولوجية. ومن هذا المنطلق، نعتبر أن دوره ينبغي أن يتجاوز الإطار الضيق للزجر ليشمل مهام أكثر شمولاً، تتمثل في تعزيز التكوين المستمر للصحافيين، ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة التي يعرفها القطاع، والدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية للعاملين فيه، ودعم الصحافة الجهوية والمحلية باعتبارها ركيزة أساسية للتعددية، إلى جانب ترسيخ أخلاقيات المهنة وثقافة الجودة، وتشجيع الابتكار الإعلامي، بما يساهم في تطوير الأداء المهني والارتقاء بوظائف الإعلام في خدمة الديمقراطية والمجتمع.
السيد الوزير،
لقد انخرط فريقنا بجدية ومسؤولية في مناقشة هذا المشروع داخل اللجنة المختصة، حيث تقدمنا بعدة تعديلات تروم تجويد نصوصه وتصحيح اختلالاته، بما في ذلك تعديلات همّت المواد التي كانت موضوع ملاحظات المحكمة الدستورية. غير أنه، وللأسف، تم تجاهل هذه التعديلات بشكل كامل. بل أكثر من ذلك، تقدمت فرق المعارضة بما مجموعه 137 تعديلاً، دون أن يحظى أي منها بالقبول. وهنا يحق لنا أن نتساءل: ألا يُعدّ هذا تعاملاً غير منصف مع مجهودات السيدات والسادة النواب؟ وألا يطرح ذلك تساؤلات مشروعة حول مكانة المؤسسة التشريعية ودورها في تجويد النصوص القانونية؟
واعتباراً لما سبق، وفي ظل استمرار اعتماد هذه المنهجية التي لا تستجيب لمتطلبات النقاش التشاركي وتجويد النصوص، فإن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية يعلن أنه سيصوّت ضد هذا المشروع.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

من برشلونة إلى المغرب: عودة الاشتراكيين إلى الإمساك بزمام المبادرة

البيان الختامي للمؤتمر الجهوي لجهة طنجة تطوان الحسيمة ..

الكاتب الاول ضيفا على فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب

يوسف أيذي: معالجة الاختلالات الاجتماعية وضمان عدالة اجتماعية حقيقية من شأنهما تسريع مسار التنمية