لم تكن قمة القيادات التقدمية في برشلونة مجرد موعد ديبلوماسي عابر في أجندة العمل الدولي، كما لم تكن نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة في إسبانيا مجرد أرقام إحصائية غير ذات قيمة. إن قراءة متأنية لهذين الحدثين تكشف بوضوح أن “الفكرة الاشتراكية الديمقراطية” بصدد استعادة وهجها كضرورة تاريخية، في زمن أرهقته الشعبوية، وتغول فيه اليمين، واتسعت فيه الفجوات الطبقية بشكل غير مسبوق.
من هنا، يبرز التقاطع الاستراتيجي بين دينامية الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) ودينامية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب؛ كلاهما يعبر عن حاجة مجتمعية ملحة لبديل تقدمي، ديمقراطي، ومنحاز كليا لانتظارات المواطنين والمواطنات.

برشلونة: مرافعة عالمية ضد الشعبوية واليمين المتطرف
شكلت قمة “التعبئة التقدمية العالمية” (Global Progressive Mobilisation)، التي احتضنتها برشلونة يومي 17 و18 أبريل 2026، لحظة فارقة في السياسة الدولية. حضور قيادات بوزن بيدرو سانشيز ولولا دا سيلفا، إلى جانب نحو 3000 مشارك من نخب سياسية ونقابية، لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان صياغة لميثاق عالمي جديد يضع “الإنسان” فوق اعتبارات السوق، ويجعل من الدفاع عن الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والسياسات الخضراء، والتعاون الدولي والتصدي للقوى الرجعية أولوية يجب أن تستنهض جهود الجميع.
بالنسبة لنا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن حضورنا في هذا المحفل يعكس هويتنا الكونية؛ فنحن جزء أصيل من عائلة اشتراكية دولية تؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن مواجهة مشاعر الخوف لا تتم إلا بإنتاج أفق سياسي يرتكز على الحقوق والعدالة.
لم تكن برشلونة إذن مجرد مدينة حاضنة للقاء سياسي، بل منصة لإعلان أن القوى التقدمية ما زالت قادرة على إنتاج الأمل، ومواجهة الخوف، وربط السياسة بالكرامة الإنسانية. وهذا ما يمنح مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دلالتها الخاصة، باعتباره حزبا مغربيا ينتمي إلى العائلة الاشتراكية العالمية، ويحمل تاريخا في الدفاع عن الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وقضايا الشعوب.
إسبانيا: حين تنصف نوايا التصويت “الوضوح السياسي”
في الجارة إسبانيا، لم يكتفِ الاشتراكيون بالخطابة، بل قدموا نموذجا في التدبير حظي بتزكية الشارع. فوفقا لبارومتر مركز البحوث السوسيولوجية (CIS) الصادر في 20 أبريل 2026، تصدر الحزب الاشتراكي العمالي نوايا التصويت بنسبة 36.4%، متفوقاً بفارق شاسع (12.8 نقطة) عن الحزب الشعبي.
هذه الأرقام تحمل درساً سياسياً بليغاً: الرأي العام لا يعاقب الوضوح بل يكافئه. فرغم حملات التبخيس والتشويش الإعلامي، صمد الاشتراكيون لأنهم اختاروا الانحياز لـ “الدولة الاجتماعية”، وتصدوا لمشاكل حارقة مثل أزمة السكن (التي اعتبرها 41.3% من الإسبان مشكلتهم الأولى). ذلك يعني أن المواطنات والمواطنين يبحثون في لحظات الشك عن أحزاب تحمي أمنهم الاجتماعي لا عن قوى تبيع الأوهام.
الاتحاد الاشتراكي: عودة المبادرة والأفق الوطني

على الصعيد الوطني، يعيش الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليوم حركية تنظيمية وسياسية متصاعدة، تتجاوز منطق الاستعداد الانتخابي الضيق إلى منطق الريادة الفكرية والميدانية. إننا نشهد عودة قوية للحزب إلى صلب النقاش العمومي، وإعادة ربط النضال الديمقراطي المغربي بالأفق التقدمي العالمي.
وثمة تقاطع مثير للدهشة والاعتزاز في آن واحد؛ فكما يواجه الاشتراكيون في إسبانيا حملات شرسة، يتعرض الاتحاد الاشتراكي في المغرب لمحاولات التبخيس والتشويش الممنهج. لكننا نقرأ هذا الهجوم قراءة سياسية مغايرة: فالأحزاب الهامشية لا يتم مهاجمتها، والمشاريع الضعيفة لا تتم محاصرتها. إن شراسة الخصوم هي الشهادة الأكبر على عودة الفكرة الاتحادية إلى الواجهة كبديل حقيقي لسياسات التغول.

التشويش لا يوقف المد التقدمي

كلما ارتفع التشويش على الحزب الاشتراكي العمالي في إسبانيا، وعلى الاتحاد الاشتراكي في المغرب، ازداد وضوح الطريق. فالتشويش يتحول أحيانا إلى اعتراف غير مباشر بأن المد الاشتراكي التقدمي أخذ طريقه الصحيح، بقوة وعزيمة، تجاوبا مع انتظارات المواطنات والمواطنين، وإيمانا بأن الديمقراطية لا تكتمل دون عدالة اجتماعية.
لذلك، لا داعي لمحاولة إيقاف هذا المد. فهو ليس موجة عابرة، بل تعبير عن حاجة مجتمعية إلى بديل يواجه الفقر، والريع، والتهميش، وغلاء المعيشة، وضعف الخدمات العمومية، وتراجع الثقة في السياسة.

2026: محطة لإنصاف
القوى الديمقراطية

إن الاستحقاقات القادمة في المغرب لن تكون مجرد أرقام في صناديق الاقتراع، بل ستكون لحظة محاسبة سياسية وشعبية لنمط تدبيري أنتج الفقر، وكرس الريع، وعمق التهميش. هي فرصة لإنصاف القوى الديمقراطية، وفي طليعتها الاتحاد الاشتراكي، الذي يمثل اليوم صمام أمان للدولة الاجتماعية المنشودة.
يحتاج المغرب اليوم إلى نفس ديمقراطي جديد، وإلى بديل اجتماعي مسؤول، وإلى قوة سياسية تجعل كرامة المواطن في قلب القرار العمومي. وبالتالي فإن المد الاشتراكي التقدمي ليس «موضة» عابرة، بل هو ضرورة وجودية لمواجهة غلاء المعيشة وضعف الخدمات العمومية.
وكلما اشتد الضجيج والتشويش حولنا، تأكدنا أننا في المسار الصحيح؛ فالمستقبل يبنى بوضوح الرؤية، وعمق التنظيم، والإيمان الراسخ بأن التغيير ليس ممكنا فحسب، بل هو ضرورة تفرض نفسها الآن أكثر من أي وقت مضى.

بقلم محمد السوعلي

(*)عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والكاتب الإقليمي للحزب بتطوان

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية يقدم أسباب تصويته ضد مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

البيان الختامي للمؤتمر الجهوي لجهة طنجة تطوان الحسيمة ..

الكاتب الاول ضيفا على فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب

يوسف أيذي: معالجة الاختلالات الاجتماعية وضمان عدالة اجتماعية حقيقية من شأنهما تسريع مسار التنمية