يوسف إيذي: الحصيلة المعروضة، تبقى دون مستوى الالتزامات الرقمية والسياسية
ودون مستوى الإمكانيات التي كانت متاحة لها، ودون مستوى الانتظارات المشروعة للمغاربة

الحصيلة المعروضة لم تقدم، بالشكل الكافي، أرقاماً دقيقة حول نسبة التغطية الصحية
الفعلية، وعدد المستفيدين

لا تزال عدد من المؤشرات تعكس استمرار اختلالات بنيوية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى توفر المقومات الحقيقية لدولة اجتماعية كما قدمتها الحكومة في خطابها

السيد الرئيس المحترم،
السيد رئيس الحكومة المحترم،
السيدات والسادة الوزراء المحترم،
السيدات والسادة المستشارين المحترمين،
نلتئم اليوم في هذه الجلسة الدستورية لمناقشة الحصيلة الحكومية، وهي لحظة سياسية ومؤسساتية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد عرض انتقائي للأرقام، ولا إلى مناسبة للاكتفاء بتجميع المعطيات دون مساءلة مدلولها الحقيقي. فالأرقام في حد ذاتها لا تتحدث إلا إذا وُضعت في سياقها، وقورنت بما التزمت به الحكومة في برنامجها الحكومي، وبما يعيشه المواطن المغربي يومياً من صعوبات وانتظارات. ومن هذا المنطلق، فإن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية يعتبر أن التقييم الموضوعي للحصيلة يقتضي مقارنة دقيقة بين الوعود المعلنة سنة 2021 والنتائج المعروضة سنة 2026، وهي مقارنة تكشف، بكل وضوح، أن هناك مسافة واسعة بين الالتزام والتنفيذ، وبين الخطاب والواقع.
لقد قدمت الحكومة برنامجها وهي تتعهد بإحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية، أي بمعدل يقارب 200 ألف منصب شغل سنوياً. واليوم، تؤكد الحصيلة الحكومية أنه تم خلق حوالي 850 ألف منصب شغل بين 2021 و2025، بمعدل 170 ألف منصب سنوياً . وإذا أخذنا هذا الرقم كما هو، فإنه يعني أن الحكومة لم تبلغ الهدف الذي التزمت به، وأنها مع نهاية سنة 2025 لا تزال بعيدة عن الوعد الأصلي بحوالي 150 ألف منصب شغل. والأهم من ذلك أن هذا الرقم لم ينعكس بالشكل المطلوب على واقع البطالة، خاصة في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات، ما يعني أن الإشكال لم يكن فقط في عدد المناصب، بل في طبيعتها واستدامتها وتوزيعها المجالي.
ثم إن الحكومة نفسها تشير إلى أن سنة 2025 عرفت خلق 233 ألف منصب شغل غير فلاحي، وتتوقع أن يتجاوز مجموع المناصب المحدثة في القطاعات غير الفلاحية مليون منصب شغل مع نهاية 2026 . ونحن هنا نسجل أن الحكومة انتقلت من وعد انتخابي واضح يتعلق بمليون منصب شغل خلال الولاية، إلى إعادة صياغة الهدف في نهاية المسار، عبر احتساب مناصب متوقعة وغير منجزة بعد، وعبر التركيز على الشغل غير الفلاحي فقط، وهو ما يعكس ارتباكاً في منهجية عرض الحصيلة.
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، جعلت الحكومة هذا الورش محوراً أساسياً في برنامجها، وتعهدت بتعميم التغطية الصحية، وإحداث دعم مباشر للفئات الهشة، وتوسيع الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية . غير أن الحصيلة المعروضة لم تقدم، بالشكل الكافي، أرقاماً دقيقة حول نسبة التغطية الفعلية، وعدد المستفيدين الذين أصبحوا يلجون فعلياً للعلاج، ونسبة تقليص النفقات الصحية المباشرة للأسر. لأن جوهر الإصلاح الاجتماعي لا يقاس فقط بعدد المسجلين في الأنظمة، بل بمدى حصول المواطنين على العلاج في آجال معقولة، وبجودة الخدمات، وبخفض ما تؤديه الأسر من جيوبها الخاصة..
وإذا كانت الحكومة قد قدمت ورش الحماية الاجتماعية باعتباره تجسيداً لبناء الدولة الاجتماعية، فإن القراءة المتأنية لمضامين الحصيلة تكشف أن هذا المفهوم لا يزال أقرب إلى شعار سياسي منه إلى واقع مؤسساتي متكامل. فالدولة الاجتماعية لا تختزل في توسيع التسجيل في الأنظمة، بل تقوم على ضمان فعلي للحقوق الأساسية، وعلى جودة الخدمات العمومية، وعلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. والحال أن عدداً من المؤشرات، سواء في الصحة أو التعليم أو التشغيل، ما تزال تعكس استمرار اختلالات بنيوية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى توفر المقومات الحقيقية لدولة اجتماعية كما قدمتها الحكومة في خطابها.
وفي قطاع الصحة، التزمت الحكومة في برنامجها بـ تعزيز ميزانية الصحة العمومية على مدى السنوات الخمس، وبإطلاق إصلاح شامل للمنظومة الصحية  . لكن رغم المجهود المالي، ما تزال مؤشرات الخصاص البنيوي قائمة: نقص الأطر الصحية، اكتظاظ المستشفيات، طول المواعيد، وصعوبة الولوج في المناطق القروية. وهو ما يعني أن ارتفاع الاعتمادات لم يتحول بعد إلى تحول نوعي في الخدمة العمومية الصحية.
وفي المجال الاقتصادي، تفتخر الحكومة بارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر من 32.5 مليار درهم سنة 2021 إلى 56 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تقارب 73 في المائة . كما تحدثت عن المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تصل إلى 245 مليار درهم، من المرتقب أن تمكن من خلق 581 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر . غير أن القراءة الدقيقة لهذه الأرقام تفرض التمييز بين المشاريع المصادق عليها والمشاريع المنجزة فعلياً، وبين مناصب الشغل المتوقعة ومناصب الشغل المحدثة واقعياً. فالتوقيع على الاتفاقيات ليس هو الإنجاز، والإعلان عن فرص الشغل المرتقبة ليس هو خلق الشغل فعلاً.
كما أن الحكومة أعلنت هدفاً استراتيجياً يتمثل في رفع مساهمة الاستثمار الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني في أفق سنة 2035 . وهو هدف يمتد إلى ما بعد هذه الولاية الحكومية، ما يعني أن جزءاً مهماً من الرؤية المعروضة اليوم لا يتعلق بحصيلة منجزة، بل بوعود مؤجلة إلى سنوات لاحقة.
أما بخصوص القدرة الشرائية، فتشير الحصيلة إلى أن التضخم انخفض إلى 0.8 في المائة عند متم سنة 2025 بعد أن بلغ 6.6 في المائة سنة 2022 . لكن هذا الرقم، رغم أهميته، لا يلغي حقيقة أن الأسر المغربية تحملت خلال السنوات الماضية موجة غلاء غير مسبوقة، وأن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار، بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها. ولذلك فإن المواطن الذي تضرر من ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والطاقة لا يشعر بتحسن حقيقي لمجرد انخفاض نسبة التضخم الإحصائية.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال تنامي مظاهر الاحتقان الاجتماعي، الذي تجسد في تعدد أشكال الاحتجاجات المهنية والقطاعية خلال هذه الولاية. فقد شهدت عدة قطاعات حيوية، من بينها التعليم والصحة والنقل، حركات احتجاجية متواصلة، تعكس عمق الاختلالات المرتبطة بالأجور، وظروف العمل، وآفاق الترقي الاجتماعي. وهذا المعطى لا يمكن قراءته كحالات معزولة، بل كمؤشر دال على محدودية أثر السياسات العمومية في تحقيق الإنصاف الاجتماعي، وعلى ضعف قنوات الوساطة المؤسساتية في امتصاص المطالب الاجتماعية بشكل استباقي.
وفي سوق الشغل المهيكل، تشير الحكومة إلى ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من حوالي 2.83 مليون سنة 2020 إلى نحو 4.70 مليون سنة 2024، أي بزيادة تناهز 66 في المائة . وهذا معطى مهم من حيث توسيع التصريح الاجتماعي، لكنه يطرح في المقابل أسئلة حول نوعية العقود، واستقرار العمل، ومعدل الأجور، وحجم الاقتصاد غير المهيكل الذي لا يزال يستوعب فئات واسعة خارج التغطية الاجتماعية الحقيقية.
السيد رئيس الحكومة المحترم،
حين نقرأ هذه الأرقام مجتمعة، نصل إلى خلاصة واضحة: الحكومة قدمت أرقاماً جزئية، بعضها  قد يكون إيجابيا، لكنها أخفقت في بلوغ عدد من الأهداف المركزية التي التزمت بها، كما أخفقت في تحويل المؤشرات الماكرو اقتصادية إلى أثر اجتماعي ملموس. فالاستثمار ارتفع، لكن البطالة لا تزال مرتفعة. والتغطية توسعت، لكن الولوج إلى العلاج لا يزال صعباً. والتضخم تراجع، لكن القدرة الشرائية ظلت منهكة. وعدد المصرح بهم ارتفع، لكن هشاشة التشغيل لم تتراجع بالقدر المطلوب.
إن الإشكال الحقيقي في هذه الحصيلة ليس نقص الأرقام، بل غياب الانسجام بينها وبين الواقع الاجتماعي. فالحكومة تقرأ نجاحها من خلال الجداول والمؤشرات، بينما يقرأ المواطن الحصيلة من خلال فاتورة المعيشة، وفرص العمل، وجودة المدرسة العمومية، وكرامة العلاج.
ومن هذا المنطلق، فإن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية يعتبر أن الحصيلة المعروضة، رغم ما تتضمنه من بعض المكتسبات، تبقى دون مستوى الالتزامات الرقمية والسياسية التي تعهدت بها الحكومة سنة 2021، ودون مستوى الإمكانيات التي كانت متاحة لها، ودون مستوى الانتظارات المشروعة للمغاربة.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الاتحاد الاشتراكي صوت إفريقيا داخل القيادة التقدمية العالمية

خولة لشكر تحمل صوت الاتحاد الاشتراكي وصوت الجنوب العالمي

الاتحاد الاشتراكي في قمة برشلونة: هندسة الدبلوماسية الموازية وتكريس الموقع في الفضاء التقدمي العالمي

تفاصيل البيان الختامي للملتقى الوطني للنساء الاتحاديات ببوزنيقة . .