بقلم بديعة الراضي
في المهرجان الخطابي الكبير الذي احتضنه مسرح محمد الخامس بالرباط، لم يكن إدريس لشكر يخاطب الحضور الذي حج بقوة الى المهرجان الخطابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةة، من موقع السياسي الذي يكتفي بعرض الشعارات والوعود، بل من موقع المناضل الذي يحمل في ذاكرته تفاصيل الأمكنة والناس، ويعرف الدروب التي صنعت تاريخ الحركة الاتحادية،كما صنعت قيادات وازنة تدبر قضايا الوطن من واجهات مختلفة .
لقد كانت كلمة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية درسا سياسيا بليغا في معنى الارتباط الحقيقي بالمجتمع. فعندما يستحضر أسماء الدواوير والأحياء الشعبية، ويتحدث عن دوار الكورة من ، ودوار رجاء في الله،من هامش المحيط و دوار الدوم والمعاضيض ودوار كريسطال من التقدم ، وعن الخلايا الاتحادية التي كانت تنبض بالحياة في الأزقة والشوارع، فإنه لا يستعرض معلومات جغرافية، بل يستحضر تاريخا من النضال الجماعي الذي صنعه رجال ونساء آمنوا بقيم الحرية والعدالة والتقدم.
هناك فرق كبير بين من يعرف الوطن من نوافذ السيارات الفارهة، ومن يعرفه من طرقاته الترابية وأحيائه الشعبية. وهناك فرق أكبر بين من يصنع الزعامة داخل المكاتب المغلقة، ومن يصنعها وسط المعارك الاجتماعية والسياسية وبين المواطنين البسطاء. ولذلك بدت كلمة لشكر مختلفة؛ لأنها صادرة عن قائد تشكل وعيه السياسي في قلب المجتمع، لا في عزلة النخب.

وحين تحدث عن امتدادات هذه الدروب والدواوير ، لم يكن ابن تاغجيجت يستدعي الماضي من باب الحنين، بل من باب التأكيد أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن يوما حزبا عابرا في المشهد السياسي، بل مدرسة وطنية كبرى خرجت أجيالا من المناضلين والأطر والقيادات التي ساهمت في بناء المغرب الحديث. فكل دوار استحضره لشكر كان يحمل قصة نضال، وكل حي ذكره كان يحمل أثرا من آثار المعارك الديمقراطية التي خاضها الاتحاديون لعقود.
لقد أراد الكاتب الأول أن يبعث برسالة واضحة،بأن الأحزاب الحقيقية لا تبنى بالخطابات الموسمية، وإنما بالتجذر وسط الناس، وبالإنصات اليومي لنبض المجتمع، وبالحضور الدائم في الميدان. ولذلك جاءت كلمته مشبعة بروح الاتحاد الأصيلة، روح القرب من المواطن، وروح الوفاء لذاكرة المناضلين الذين صنعوا هذا المسار.
ومن هنا اكتسب الخطاب قوته. فالحضور لم يكن يستمع إلى سرد سياسي عابر، بل كان يتابع شهادة حية لرجل يعرف تفاصيل الأرض التي يتحدث عنها، ويحفظ أسماء الأمكنة التي احتضنت البدايات الأولى للفكرة الاتحادية. وهذا ما جعل الخطاب أقرب إلى استعادة جماعية لذاكرة النضال منه إلى مجرد كلمة سياسية في مناسبة انتخابية.



تعليقات الزوار ( 0 )