رسالة الاتحاد

من المفارقات التي باتت تطبع المشهد السياسي في المغرب أن بعض الأحزاب التي تُعرّف نفسها باعتبارها “اليسار الحقيقي” أو “المعارضة الحقيقية” تكاد لا تسمع لها كلمة في القضايا الكبرى التي تهم الشأن العام أو تمس الحياة اليومية للمواطنين، هذه الأحزاب التي تبني جزءا كبيرا من شرعيتها الخطابية على نقد الدولة أو الحكومة، تغيب بشكل لافت عندما تطرح ملفات حساسة أو معارك إصلاحية تحتاج إلى حضور سياسي ونضالي واضح.
وقد برز هذا الغياب مجددا في عدد من القضايا الراهنة، من بينها النقاش حول الإجراءات الانتخابية وضرورة التشاور بشأنها مع القوى السياسية، أو النقاشات المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة والقانون الجنائي، في مثل هذه اللحظات، حيث يفترض أن يكون اليسار في قلب المعركة دفاعا عن الديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية، يختار البعض موقع المتفرج، مكتفيا بخطاب عام حول “النظام” أو “السلطة”، دون ترجمة ذلك إلى مبادرات سياسية ملموسة أو ضغط مؤسساتي فعلي.
هذه المفارقة تعيد طرح سؤال قديم جديد: هل يقاس اليسار بحدة الشعارات، أم بقدرته على التأثير في مسار الإصلاح؟ وهل يكفي أن يعلن حزب ما أنه “الأكثر يسارية” لكي يصبح كذلك، أم أن اليسار الحقيقي يقاس بمدى حضوره في المعارك التي تهم الناس، وبقدرته على الدفاع عن مصالحهم داخل المؤسسات وخارجها؟
التجارب المقارنة في عدد من الديمقراطيات تظهر بوضوح أن الأحزاب اليسارية التي اختارت موقع الهامش الدائم، مكتفية بالخطاب الراديكالي، غالبا ما انتهت إلى العزلة السياسية، قد تنجح في الحفاظ على نقاء خطابها الأيديولوجي، وعذريتها في التدبير، لكنها في المقابل تفقد القدرة على التأثير في السياسات العمومية أو تحسين شروط عيش المواطنين، فالمعارضة التي لا تتحول إلى قوة اقتراح أو ضغط سياسي منظم تبقى في نهاية المطاف مجرد خطاب احتجاجي محدود الأثر والاستقطاب أيضا.
في المقابل، اختارت أحزاب يسارية أخرى مسارا مختلفا، يقوم على خوض معارك الإصلاح من داخل المؤسسات الديمقراطية، حتى وإن كان ذلك عبر خطوات تدريجية أو ضمن توازنات معقدة. وقد أظهرت هذه التجارب أن التغيير في الأنظمة الديمقراطية لم يتم أبدا في دفعة واحدة، بل عبر تراكم إصلاحي طويل النفس، يجمع بين النضال المجتمعي والعمل المؤسساتي.
في عدد من البلدان الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال والسويد، لعبت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية أدوارا حاسمة في بناء دولة الرفاه وتوسيع الحقوق الاجتماعية، ولم يتحقق ذلك بالشعارات، بل عبر المشاركة في الحكم، وخوض معارك تشريعية، وبناء تحالفات اجتماعية وسياسية واسعة سمحت بإقرار إصلاحات عميقة في مجالات الشغل والتعليم والحماية الاجتماعية.
تجارب أظهرت أن قوة اليسار لا يمكن أن تترجم وهو خارج المؤسسات، بل في قدرته على تحويل هذه المؤسسات إلى أدوات لخدمة العدالة الاجتماعية، وأن اليسار الذي يرفض الانخراط في معارك الإصلاح بدعوى الحفاظ على “نقاء” خطابه، ينتهي غالبا إلى ترك المجال لقوى أخرى لصياغة السياسات العمومية دون أي تأثير منه.
وفي بلدنا، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحا، فالإصلاحات الكبرى التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية لم تكن نتيجة خطاب احتجاجي فقط، بل جاءت أيضا نتيجة نضالات سياسية ومجتمعية خيضت داخل المؤسسات وخارجها، وهنا يبرز دور القوى السياسية التي اختارت الانخراط في معارك الإصلاح ولم تكتفي بموقع المراقب.
وفي هذا السياق يبرز موقف الاتحاد الاشتراكي كمثال حديث يعكس الفرق بين يسار يكتفي بالخطاب ويسار ينخرط فعليا في معارك الإصلاح، الحزب الوحيد الذي نبه إلى خطورة تدبير ملف الإجراءات الانتخابية خارج منطق التشاور السياسي في بلاغ صادر عن مكتبه السياسي، دعا فيه إلى فتح تشاور سياسي واسع بين مختلف القوى الحزبية حول القواعد المؤطرة للاستحقاقات التشريعية المقبلة، مؤكدا أن تدبير القوانين والإجراءات الانتخابية يجب أن يتم في إطار توافق سياسي يضمن الثقة في العملية الديمقراطية، معبّرا عن تحفظه على ما اعتبره انفرادا للأغلبية الحكومية ببعض جوانب تدبير هذا الملف دون إشراك فعلي لباقي الفاعلين السياسيين، وهو ما أعاد طرح مسألة احترام الأعراف الديمقراطية التي درجت على اعتماد التشاور الواسع بشأن القواعد المنظمة للانتخابات.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى أن التعامل مع القواعد والإجراءات الانتخابية لا يجب أن ينطلق من زاوية الفعل التقني، بل كعناصر أساسية تحدد شروط التنافس السياسي وتؤثر في موازين الانتخابات التشريعية المقبلة. ومع ذلك، كان لافتا أن هذا الموضوع الحيوي لم يلق التفاعل نفسه من طرف قوى أخرى تقدم نفسها باعتبارها جزءا من اليسار أو المعارضة الجذرية، رغم حساسية الموضوع وارتباطه المباشر بقواعد اللعبة الديمقراطية، وهو ما يعيد طرح السؤال حول معنى الالتزام الفعلي بمعارك الإصلاح: هل يكون عبر الشعارات العامة، أم عبر المبادرة السياسية والضغط المؤسساتي عندما يتعلق الأمر بقضايا حاسمة تمس مستقبل التمثيلية الشعبية؟
في هذا الإطار، يظل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نموذجا لليسار الذي يربط بين النضال الديمقراطي والعمل المؤسساتي، فمنذ تأسيسه، ارتبط تاريخ الحزب بمعارك الإصلاح السياسي والدستوري، والدفاع عن الحريات، وتوسيع الحقوق الاجتماعية. وقد اختار هذا الحزب، رغم كلفة ذلك أحيانا، أن يكون حاضرا في النقاشات الكبرى التي تهم مستقبل البلاد، سواء تعلق الأمر بالإصلاحات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
إن جاذبية هذا الخيار لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل أيضا في فلسفته السياسية. فهو يقوم على فكرة بسيطة مفادها أن الدفاع عن مصالح المواطنين لا يتم من خارج المجال السياسي، بل عبر الحضور الفعلي حيث تصنع القرارات، وحيث ينتظر المواطن من الأحزاب أن لا تتبارى في تحديد من هو “الأكثر يسارية”، بل الأكثر قدرة على الدفاع عن حقه في الكرامة والعدالة الاجتماعية، وأن تسهم في تحسين شروط حياته اليومية.
من هنا، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام اليسار اليوم ليس في رفع سقف الخطاب، بل في استعادة دوره التاريخي كقوة اقتراح وإصلاح وطرح البدائل، غير مكتفي بالتنديد والاحتجاج فقط.
لقد علمتنا التجارب السياسية أن التاريخ يصنع بالفعل السياسي المستمر، وأن اليسار الذي يريد أن يظل فاعلا ومؤثرا عليه أن يكون حاضرا في معارك الإصلاح، حيث تتحدد ملامح الديمقراطية، وحيث تصاغ السياسات التي تمس حياة المواطنين.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

جلسة تنظيمية لفريق عمل المكتب السياسي لجهة الدار البيضاء مع الكتابة الإقليمية ببن سليمان

ستحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته

القضية الوطنية في ضوء القرار الأممي 2797 محور لقاء فكري للاتحاد الاشتراكي بسلا

رمضانيات الوردة بعين الشق تفتح نقاشاً عمومياً حول واقع التنمية وآفاقها