ليست الدينامية المتسارعة التي يعيش على إيقاعها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليوم مجرد توال روتينيا للقاءات الحزبية، ولا حوارات إعلامية ومقالات صحفية عابرة، كما أنها ليست محاولة لنسج حضور مؤقت أو موسمي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؛ بل هي تعبير حي عن عودة الحزب إلى صلب النقاش السياسي الوطني، وتجسيد لإرادة حازمة تروم تحويل حضوره التنظيمي والفكري والميداني إلى مشروع ديمقراطي واجتماعي متكامل الأركان.
ومن هذا المنطلق التأسيسي، تطرح الإشكالية الجوهرية نفسها: هل يستطيع الاتحاد تحويل هذه الدينامية المتجددة إلى ثقة شعبية راسخة، يترجمها لاحقا إلى قوة انتخابية وسياسية وازنة قادرة على فرض تغيير ملموس في السياسات العمومية بعد استحقاقات 2026؟
من تشخيص الاختلالات إلى بلورة البدائل
حينما يطرح الكاتب الأول للحزب، الأخ إدريس لشكر، من مدينة كلميم قضايا التنمية المستدامة والعدالة المجالية، فهو لا يناقش وضعا ترابيا معزولا عن محيطه، بل يعيد فتح الملف الشائك المتعلق بإعادة توزيع الثروة والاستثمارات والخدمات الأساسية بين مختلف الجهات. فالمغرب لا يمكن أن يستمر برهانات “السرعتين”: مجالات حيوية تستأثر بالمشاريع الكبرى، وأقاليم هامشية ما تزال تنتظر حقها الدستوري في الصحة، والتعليم، والتشغيل، والبنيات التحتية الأساسية.
وفي السياق ذاته، وضع الأخ عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، تقييم حصيلة العمل الحكومي والبرلماني في ميزانه الحقيقي، متسائلا: ما الذي تغير فعليا في اليومي المعاش للمواطنات والمواطنين؟ فالأداء السياسي لا يقاس بتضخم الأرقام وتنميق الخطابات، بل بمدى القدرة على كبح جماح الغلاء، وتطويق البطالة، وإنعاش القدرة الشرائية، ومأسسة خدمات عمومية ذات جودة عالية، مع صيانة حرمة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة ربطا صارما.
من جانب آخر، يأتي حضور الأخ المهدي مزواري، كأحد الوجوه والكفاءات الشابة بالحزب، ليطرح أسئلة المستقبل بجرأة: أي اتحاد اشتراكي نريد لمغرب ما بعد 2026؟ وكيف نجعل من الشباب والنساء والكفاءات الوطنية شركاء حقيقيين في صنع القرار الحزبي والسياسي، بعيدا عن منطق “الواجهات الانتخابية”؟ إن تجديد الحزب لا يتأتى بمجرد المداورة على الأشخاص، بل يتطلب تجديدا عميقا في الخطاب، وأدوات العمل، وأشكال الاحتكاك اليومي مع نبض المجتمع.
الدينامية التنظيمية: صياغة التعاقدات من الميدان
بالموازاة مع الحضور السياسي والإعلامي المكثف، انطلقت دينامية تنظيمية واسعة بمختلف الأقاليم والعمالات عبر عقد المجالس الإقليمية الموسعة، ومن بينها المجالس التي ترأسها الأخ مصطفى عجاب، رئيس المجلس الوطني للحزب، في كل من فاس ووزان.
ولا تتوقف وظيفة هذه المحطات عند حدود تعبئة القواعد استعدادا للانتخابات، بل تشكل آلية ميدانية تمكن الاتحاد من التشخيص الدقيق للواقع الاقتصادي والاجتماعي لكل إقليم، والإنصات المباشر لانشغالات المناضلات والمناضلين وقضايا المواطنين والفاعلين المحليين. ومن خلال هذا المسح الترابي الشامل، يعمل الحزب على صياغة مقترحات نابعة من الخصوصيات المحلية لبناء وإثراء برنامجه الانتخابي الوطني؛ فالبرامج الجادة لا تصنع في الغرف المغلقة، بل تصاغ من قلب الواقع اليومي لقضايا التشغيل، والصحة، والتعليم، والنقل، والسكن، والعدالة المجالية.
ربح الثقة قبل رهان الانتخابات
يكتسي الحوار الصريح والمتميز للأخ عبد الحميد جماهري، عضو المكتب السياسي والكاتب الوطني المسؤول عن الإعلام باللغة العربية، أهمية بالغة؛ إذ لم يقف عند حدود التوصيف السطحي للأزمة، بل قارب القضايا السياسية الحارقة بمنظور تحليلي اتحادي كشف جذورها المتمثلة في التغول السياسي، وتداخل المال بالسلطة، وتضارب المصالح، وتراجع دور الوساطة الحزبية، مؤكدا ملامح البديل القائم على سيادة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وقوة المؤسسات.
إن هذه الدينامية الشاملة، التي تسندها جريدتا «الاتحاد الاشتراكي» و«ليبيراسيون» بالتحليل المستفيض وإنتاج الأفكار، ليست بحثا عن حضور انتخابي عابر، بل هي مسار نضالي متكامل لاستعادة ثقة المجتمع. إن الاتحاد الاشتراكي لا يسعى من خلال إطلاق الدينامية الخالية إلى مجرد الاستعداد لربح المقاعد في سنة 2026، بل يسعى لبناء بديل مجتمعي متكامل؛ بديل قادر على مواجهة موجات الغلاء، وتدهور القدرة الشرائية، واستفحال البطالة، والزبونية، وتضارب المصالح، وتردي الخدمات العمومية، وتمايز الفوارق الاجتماعية والمجالية. بديل يعيد للسياسة أفقها النبيل، وللمؤسسات مصداقيتها، وللمواطن مكانته المركزية في قلب القرار العمومي.

محمد السوعلي

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

محمد ملال يقدم حصيلته البرلمانية: أكثر من 400 تدخل تنموي و500 مبادرة رقابية وتشريعية

ادريس لشكر: نريد انتخابات نزيهة تعيد الثقة للمغاربة وتؤسس لبديل ديمقراطي

في اللقاء الحزبي الاستثنائي والجماهيري بجهة كلميم وادنون

لشكر بكلميم… للترافع من أجل العدالة المجالية والتنمية