من مأساة الحدود إلى سؤال الكرامة
هل ما وقع في سبتة المحتلة مجرد حادث حدودي عابر، أم إنه إنذار اجتماعي وسياسي يكشف أزمة الأمل في الداخل، وعجز الحكومة عن تدبير لحظة وطنية ذات امتدادات إقليمية وأوروبية؟
لقد أعاد الأستاذ إدريس لشكر، خلال المجلس الجهوي الموسع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بوجدة، الأحداث إلى جوهرها الإنساني، متقدماً بتعازيه إلى العائلات المكلومة، ومتضامناً مع النساء والرجال والأطفال الذين ذهبوا ضحيتها. وحين أكد أن «كل محاولة للهجرة هي معاناة حقيقية يعيشها مواطناتنا ومواطنونا»، فقد نبه إلى أن وراء كل مهاجر قصة ألم، وأسرة تنتظر، وشاباً فقد ثقته في المستقبل.
وفي تقديري، فإن الأخطر ليس فقط عدد الضحايا، بل أن يتحول اليأس إلى شعور جماعي يجعل الرحيل أقرب إلى الشباب من التفكير في البقاء.
بين مسؤولية الدولة وصمت الحكومة
كان الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واضحاً حين تساءل: «كيف يعقل أن يضطر المغاربة إلى البحث عن الحقيقة في القنوات الأجنبية والوكالات الدولية، بينما تلوذ حكومتهم بصمت القبور؟».
إن حماية الحدود من مسؤوليات الدولة ومؤسساتها، أما شرح ما وقع للمواطنين، ومواجهة الإشاعات، وتقديم المعطيات وتحديد المسؤوليات، فهي واجبات سياسية لا يجوز للحكومة الهروب منها. فعندما تغيب المعلومة الرسمية، تنتشر الأخبار الزائفة والصور المجتزأة، ويصبح المغرب موضوعاً لروايات الآخرين بدل أن يقدم روايته بنفسه.
حين تتحول المأساة إلى وقود للعنصرية
حذر الأستاذ إدريس لشكر من استغلال اليمين المتطرف الأوروبي لهذه الأحداث وتحويل معاناة المهاجرين إلى وقود انتخابي يغذي الكراهية ضد المغاربة. فالمهاجر، وهو في الأصل ضحية البطالة وفقدان الأمل، يتحول في الخطاب المتطرف إلى خطر يهدد أوروبا.
ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الحزبية التي يمارسها الاتحاد الاشتراكي عبر علاقاته داخل الأممية الاشتراكية والتحالف التقدمي، دفاعاً عن صورة المغرب باعتباره دولة مسؤولة وشريكاً في الاستقرار، لا مجرد حارس للحدود الجنوبية لأوروبا.
لا يهرب الشباب من الفقر وحده، بل أيضاً من البطالة، وضعف تكافؤ الفرص، وتراجع المدرسة العمومية، وتغول المال والنفوذ، والإحساس بأن الكفاءة لم تعد الطريق الطبيعي إلى النجاح.
ويكتسب حديث الأستاذ إدريس لشكر عن الهجرة دلالة خاصة لأنه جاء من مدينة وجدة، التي احتضنت المجلس الجهوي الموسع للحزب. فالربط بين تطوان ووجدة ليس اعتباطياً؛ إذ تمثل تطوان منطقة حدودية مجاورة لمدينة سبتة المحتلة ولإسبانيا، فيما تمثل وجدة منطقة حدودية مجاورة للجزائر.
وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الحدود، فإن المنطقتين تواجهان آثاراً متشابهة مرتبطة بالبطالة، وضعف الاستثمار، وتعطل المبادلات، وهجرة الشباب والكفاءات. فتطوان تؤدي كلفة الضغوط المرتبطة بالهجرة نحو سبتة المحتلة، بينما تؤدي وجدة وعموم جهة الشرق كلفة استمرار إغلاق الحدود المغربية الجزائرية.
لذلك يجب أن تتحول تنمية المناطق الحدودية إلى سياسة وطنية قائمة على الاستثمار المنتج، وخلق فرص الشغل، وتحويل الموقع الحدودي من مصدر للهشاشة إلى مجال للتنمية والاستقرار.
شراكة أوروبية تتجاوز حراسة الحدود
لا يمكن لأوروبا أن تطالب المغرب بمنع الهجرة، ثم تختزل علاقتها به في الحواجز والإرجاع. فالشراكة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد محاولات العبور التي جرى منعها، بل بقدرتها على إنتاج الاستثمار والتنمية والتنقل القانوني والأمل المشترك.
لقد أصاب الأستاذ إدريس لشكر جوهر الأزمة: فالوطن لا يحمي حدوده بالأمن وحده، بل يحميها أيضاً بالعدالة والثقة والكرامة. وحين يجد الشباب مدرسة جيدة، وشغلاً لائقاً، ومؤسسات تنصت إليهم، لن تصبح سبتة المحتلة طريقاً للهروب، بل ستعود إلى موقعها الحقيقي باعتبارها قضية وطنية وسيادية ينتظر حلها التاريخ والجغرافيا والمستقبل.

بقلم محمد السوعلي

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

لقاء اقليمي للكتابة الإقليمية بسلا

اجتماع اللجنة الاقليمية للانتخابات بإقليم النواصر

زيارة وفاء واستحضار لمسيرة المناضل الاتحادي المرحوم مصطفى القرقري

إدريس لشكر: الاتحاد الاشتراكي يرفض أن تكون أحداث سبتة ورقة انتخابية سواء في الداخل أو الخارج