في مشهد سياسي ونقابي لافت، احتضن المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، يوم الأحد 6 شتنبر 2026، الملتقى الوطني للأطر النقابية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في محطة تنظيمية وسياسية عكست حجم الحضور النقابي للحزب وامتداده داخل مختلف القطاعات المهنية، كما عكست، في الوقت نفسه، الرغبة في إعادة ترتيب العلاقة بين الحزب والحركة النقابية على أساس الثقة والعمل المشترك والدفاع عن قضايا الشغيلة والطبقة الوسطى والفئات الاجتماعية المتضررة.
اللقاء الذي ترأسه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، عرف حضوراً قوياً للأطر النقابية من مختلف جهات المملكة، ومن قطاعات عمومية وخاصة متعددة، إلى جانب قيادات الفدرالية الديمقراطية للشغل وأعضاء المكتب السياسي والقيادات النقابية المركزية والقطاعية. وكان لافتاً أن مدرجات المسرح الوطني محمد الخامس، بطابقه الأرضي وطابقه الأول، امتلأت بالحاضرين، في صورة تختزل حجم التعبئة التي أراد الاتحاد الاشتراكي أن يبعث بها رسالة سياسية وتنظيمية واضحة، قبل أسابيع قليلة من الاستحقاق التشريعي المقرر في 23 شتنبر.
ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة تنظيمية لتجميع الأطر النقابية، بل بدا، من خلال الكلمات والمداخلات، محطة لإعادة تعريف موقع النقابة والحزب في المعركة الديمقراطية والاجتماعية المقبلة، وربط الدفاع عن حقوق العمال بالتصور السياسي والاقتصادي الذي يقدمه الاتحاد الاشتراكي في برنامجه الانتخابي.

إدريس لشكر: الاتحاد الاشتراكي حاضر في المجتمع طوال السنة وليس في موسم الانتخابات فقط
في كلمة سياسية مطولة، وضع إدريس لشكر اللقاء في سياقه الوطني والانتخابي، مؤكداً أن أحد أهم عناصر قوة الاتحاد الاشتراكي يتمثل في امتداده داخل المجتمع، من خلال الاتحاديات والاتحاديين والأطر النقابية والحضور في مختلف القطاعات المهنية والاجتماعية.
وفي مقابل ذلك، انتقد لشكر ما اعتبره حضوراً موسمياً لبعض الأحزاب التي لا تظهر، حسب تعبيره، إلا عندما تقترب المحطات الانتخابية، بينما تغيب عن قضايا الشباب والنساء والطبقة العاملة والطبقة الوسطى والمهنيين والأطباء والمحامين والمهندسين والمتقاضين وغيرهم من مكونات المجتمع.
ومن هذا المنطلق، اعتبر الكاتب الأول أن المعركة الانتخابية لا ينبغي أن تختزل في الحملات الإعلامية أو في الشعارات التي ترفع قبيل موعد الاقتراع، وإنما ينبغي أن تكون مناسبة لمساءلة المسؤولين عن تدبير الشأن العام، ومقارنة البرامج والحصيلة، وطرح السؤال حول من تحمل المسؤولية فعلاً خلال الولاية الحكومية المنتهية.
وشدد لشكر على أن الاتحاد الاشتراكي، باعتباره حزباً معارضاً، لم يجعل من المعارضة موقفاً سلبياً، بل مارسها، حسب تأكيده، من داخل المؤسسات، عبر تقديم المقترحات والتعديلات والمبادرات التشريعية، معتبراً أن عدداً من المقترحات التي تقدم بها الحزب خلال الولاية السابقة قوبلت بالرفض، قبل أن تعود بعض الأفكار نفسها إلى واجهة النقاش السياسي لاحقاً.
وهنا طرح لشكر سؤالاً سياسياً مباشراً حول المفارقة بين مواقف الأمس ومواقف اليوم، معتبراً أن المواطن المغربي أصبح في حاجة إلى معرفة صاحب الفكرة وصاحب المبادرة، وليس فقط إلى الاستماع إلى من يعيد تقديمها عندما تصبح ذات قيمة انتخابية.
مساءلة الحكومة بدل إعادة توزيع المسؤوليات
وفي صلب حديثه عن انتخابات 23 شتنبر، شدد لشكر على أن الأصل في الانتخابات هو مساءلة من تحمل مسؤولية تدبير البلاد خلال السنوات الخمس الماضية.
وانتقد ما اعتبره تراجعاً في مستوى النقاش العمومي حول حصيلة الحكومة، بعدما كان من المفترض أن تتحول الاستحقاقات الانتخابية إلى مناسبة وطنية كبرى لمناقشة ما تحقق وما لم يتحقق، وتحديد المسؤوليات السياسية بوضوح.
واعتبر أن مكونات الأغلبية لا يمكنها، مع اقتراب موعد الاقتراع، أن تتنصل من مسؤوليتها عن القرارات والسياسات التي اتخذت خلال الولاية الحكومية، أو أن تقدم نفسها، كل واحدة منها، وكأنها لم تكن جزءاً من التجربة التي ينبغي أن يحاسب عليها المواطنون.
ومن هنا جاءت دعوته إلى الناخبات والناخبين لكي لا تنطلي عليهم، حسب تعبيره، محاولات إعادة تقديم المشهد السياسي بطريقة تجعل بعض المسؤولين عن الحصيلة يظهرون وكأنهم خارجها.
لشكر: لا مجال لتحويل القضايا الوطنية إلى مزايدات انتخابية
وفي جانب آخر من كلمته، توقف إدريس لشكر عند القضية الوطنية الأولى، داعياً إلى التعامل معها بأقصى درجات الحذر والمسؤولية والوطنية، وعدم تحويلها إلى موضوع للمزايدات الانتخابية.
وأكد أن المغرب يوجد في محيط إقليمي ودولي حساس، وأن الحفاظ على المصالح الوطنية يقتضي سياسة متوازنة وذكية، خصوصاً في علاقات المغرب مع شركائه الأوروبيين.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة عدم الانجرار إلى مواقف قد تضع المغرب في مواجهة مع إسبانيا، مستحضراً موقف الحكومة الاشتراكية الإسبانية من مبادرة الحكم الذاتي، ومعتبراً أن مصلحة المغرب تقتضي الحفاظ على العلاقات التي تخدم القضية الوطنية، بدل الدخول في صراعات تستفيد منها أطراف أخرى.
وأكد لشكر أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو العمل على تفعيل القرار الأممي المتعلق بالحكم الذاتي وتنزيله على أرض الواقع، وأن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتحمل مسؤوليتها في مواصلة هذا المسار تحت قيادة جلالة الملك.
وكانت الرسالة التي وجهها لشكر في هذا الباب واضحة: الوطنية لا تعني المزايدة، وإنما تعني القدرة على التمييز بين التنافس الانتخابي وبين المصالح العليا للبلاد.
قضية مفتش المالية.. ونقاش نزاهة الاستحقاق الانتخابي
ومن بين النقاط التي أثارت الانتباه في كلمة الكاتب الأول، حديثه عن حالة ترشح شخص يشغل وظيفة مفتش للمالية بوزارة الاقتصاد والمالية، والذي قال لشكر إنه لا يزال، إلى حدود اليوم، يترأس جمعية مفتشي المالية.
وهنا لم يكن حديث لشكر مجرد ملاحظة مرتبطة بشخص بعينه، بل جاء في سياق حديث أوسع عن ضرورة احترام القانون وشروط الأهلية للترشح، وعن تكافؤ الفرص وحياد المؤسسات والأجهزة التي تشتغل داخل الدولة.
وأكد لشكر أن مفتشي المالية مشمولون بمقتضيات عدم الأهلية للترشح المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، وهو ما يجعل إثارة وضعية أي مفتش مالية يرغب في الترشح موضوعاً قانونياً ومؤسساتياً يستوجب التدقيق والتحقق من مدى احترام المقتضيات الجاري بها العمل. وينص النص القانوني فعلاً على إدراج «مفتشي المالية» ضمن الفئات المعنية بموانع الترشح، وفق المدة المحددة في القانون.
وما يجعل هذه القضية ذات دلالة سياسية، في خطاب لشكر، هو ارتباطها بمبدأ أوسع: لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة وتكافؤ الفرص دون احترام صارم للقواعد التي تؤطر الأهلية للترشح، خصوصاً بالنسبة إلى فئات تشغل وظائف ذات طبيعة رقابية أو مرتبطة بالمؤسسات العمومية.
«التنمية العادلة».. من الشعار إلى فلسفة انتخابية
وفي واحدة من أهم فقرات كلمته، توقف إدريس لشكر عند الشعار الذي اختاره الاتحاد الاشتراكي لمعركته الانتخابية: «التنمية العادلة».
لم يقدم لشكر الشعار باعتباره مجرد عبارة انتخابية، بل حاول أن يمنحه مضموناً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ومجالياً.
وقال إن المعارضة الاتحادية لا تنطلق من الرغبة في إنكار كل ما أنجزه المغرب، ولا تتعامل مع تاريخ البلاد بمنطق القطيعة، بل تقر بما تحقق عبر مراحل مختلفة، مستحضراً أوراشاً ومحطات من تاريخ المغرب، من بينها تجربة حكومة عبد الرحمن اليوسفي وما ارتبط بها من تدبير للتوازنات المالية، إلى جانب الأوراش الاجتماعية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
لكن الاعتراف بالمنجز، حسب لشكر، لا يعني التوقف عن طرح الأسئلة الصعبة: من استفاد من التنمية؟ ومن بقي على الهامش؟ وهل وصل أثر النمو إلى المواطن؟ ومن هنا جاء اختيار «التنمية العادلة».
فالتنمية، في المنظور الذي عرضه لشكر، لا تقاس فقط بما تعلنه المؤشرات الرسمية، ولا بما يرد في نشرات الأخبار، وإنما بما يصل فعلياً إلى جيب المواطن، وبما ينعكس على قدرته على العيش الكريم.
الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية.. حقوق وليست وعوداً
ربط لشكر «التنمية العادلة» بجعل التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية حقوقاً ثابتة للمواطنين، وليست مجرد وعود انتخابية تؤجل من ولاية إلى أخرى.
فالعدالة الاجتماعية، في هذا التصور، ليست توزيعاً حسابياً للموارد، وإنما إنصاف للفئات والمناطق التي تعاني أكثر من الخصاص.
وأوضح أن توزيع الموارد بالتساوي بين أوضاع غير متساوية لا يؤدي بالضرورة إلى العدالة، لأن الإنصاف يقتضي أن يستفيد من حُرم أكثر من موارد أكبر، وأن يتحول الاستثمار العمومي إلى وسيلة فعلية لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ومن هنا، تصبح «التنمية العادلة» أيضاً «تنمية مجالية» لا تميز بين المواطن في جهة والمواطن في جهة أخرى، ولا تسمح بأن تتحول جغرافية الانتماء إلى قدر اجتماعي يحدد جودة التعليم أو الصحة أو فرص الشغل أو السكن.
لا تنمية عادلة إذا تركنا
جيلاً خلفنا
ووسّع لشكر مفهوم العدالة ليشمل مختلف الأجيال والفئات: الأطفال في التعليم الأولي والحماية، الشباب في التكوين والشغل والمبادرة والحرية، النساء في الحقوق والتمكين، العمال في الحقوق الاجتماعية والمهنية، ثم المسنين والمتقاعدين الذين ساهموا في بناء المغرب الحالي.
وفي هذا السياق، اكتسب حديثه عن صناديق التقاعد دلالة خاصة أمام الأطر النقابية الحاضرة.
فالمتقاعدون، في نظره، ليسوا عبئاً على الدولة، بل هم جزء من الأجيال التي ساهمت في بناء المؤسسات والإدارات والمقاولات والقطاعات المنتجة.
إنهم، كما جاء في مضمون كلمته، الذين اشتغلوا لعقود داخل الإدارات العمومية والاستثمارات الخاصة ومختلف القطاعات، وساهموا في بناء المغرب الذي يتحدث عنه الجميع اليوم.
ومن ثم، فإن أي إصلاح لمنظومة التقاعد ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بحقوق هؤلاء ومن مسؤولية الدولة والمشغلين، وألا يتحول إلى تحميل العامل وحده كلفة اختلالات لم يكن هو سبباً فيها.


تعليقات الزوار ( 0 )