قدم عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي علي الغنبوري عرضاً مفصلاً حول مضامين البرنامج الانتخابي للحزب، خصوصاً ما يتعلق بالشغل والأجور والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والتقاعد والصحة والسكن.
وكان واضحاً أن الحزب يريد أن يقدم للأطر النقابية برنامجاً اجتماعياً قابلاً للتحول إلى أدوات للعمل الانتخابي والترافعي، وليس مجرد شعارات عامة.
ومن أبرز المقترحات التي عرضها الغنبوري الدعوة إلى «رفع الأجور بنسبة 20 في المائة»، بالتوازي مع تخفيض الكلفة التي يتحملها المواطن في مجالي الصحة والتعليم بنسبة مماثلة، مع التأكيد على أن الرفع من الحد الأدنى للأجور وحده لا يكفي إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
ومن هنا طرح فكرة آلية وطنية للمراجعة الدورية للأجور وفق تطور التضخم والظروف الاقتصادية، في استعادة لمطلب نقابي تاريخي يتعلق بالسلم المتحرك للأجور.
كما انتقد أوضاع العمل الهش والعقود التي لا توفر، حسب تعبيره، شروط العمل اللائق، ودعا إلى ربط الدعم العمومي الموجه إلى المقاولات بخلق فرص الشغل واحترام الحقوق الاجتماعية والحريات النقابية.
الحريات النقابية ليست امتيازاً

وفي تصور الغنبوري، لا يمكن بناء نموذج اقتصادي منتج من دون حريات نقابية حقيقية وحوار اجتماعي مؤسساتي.
فالحوار الاجتماعي، حسب ما طرحه، ينبغي ألا يبقى مرتبطاً بمزاج الحكومات أو بالظرفية السياسية، وإنما يحتاج إلى إطار قانوني ومؤسساتي يضمن استمراريته ويحول الاتفاقات الاجتماعية إلى ممارسة منتظمة.
كما دعا إلى مراجعة طريقة تحديد النقابات الأكثر تمثيلية بما يعكس الواقع الحقيقي للتعددية النقابية والحضور الفعلي للنقابات في القطاعات والمؤسسات.
التقاعد..
العامل ليس مسؤولاً عن الأزمة

واحتل موضوع التقاعد حيزاً مهماً في مداخلة الغنبوري، الذي أكد أن الحزب يعتبر أن إصلاح صناديق التقاعد لا ينبغي أن يتم على حساب العمال والموظفين الذين أدوا مساهماتهم طوال سنوات العمل.
ودعا إلى إصلاح تدريجي وعادل لمنظومة التقاعد، وتوسيع قاعدة المساهمين، وتحميل الدولة والمشغلين مسؤولياتهم، مع حماية حقوق المتقاعدين وضمان حياة كريمة لهم.
وهو تصور يلتقي بوضوح مع ما طرحه إدريس لشكر حول «التنمية العادلة»، باعتبار أن العدالة لا تتوقف عند مرحلة العمل، وإنما تشمل أيضاً مرحلة ما بعد التقاعد.
الحماية الاجتماعية والضريبة والسكن والصحة

امتد البرنامج الاجتماعي الذي قدمه الغنبوري إلى الحماية الاجتماعية، حيث شدد على ضرورة توسيعها لتشمل العاملين في القطاع غير المهيكل، وجعل الاقتصاد المهيكل أكثر جاذبية من خلال الحقوق والحماية والاستقرار.
كما طرح الحزب، حسب عرضه، إصلاحاً ضريبياً يوسع قاعدة المساهمة، ويعطي أهمية أكبر للثروة والأرباح، مع التمييز بين الثروة المنتجة التي تخلق الاستثمار وفرص الشغل وبين الثروة الريعية غير المنتجة.
وفي قطاع الصحة، ركز على تخفيض كلفة العلاج والأدوية، وتقوية المراقبة على القطاع الخاص، وضبط الأسعار المرجعية، وتحسين آليات الشكايات وحماية حقوق المرضى.
أما في مجال السكن، فربط البرنامج بين دعم الطبقة الوسطى والسياسة السكنية، مع التأكيد على ضرورة جعل السكن اللائق جزءاً من منظومة العدالة الاجتماعية.
من «التنمية العادلة»
إلى «الجبهة العاملة»

ما جمع بين مختلف المداخلات، رغم اختلاف زواياها، هو أن الاتحاد الاشتراكي يريد أن يخوض الانتخابات المقبلة من موقع مختلف: موقع حزب يعتبر نفسه امتداداً لتاريخ الحركة الوطنية والديمقراطية واليسارية، وفي الوقت نفسه حزب يريد أن يقدم أجوبة عملية على قضايا الناس.
ومن هنا اكتسب حضور الأطر النقابية دلالته السياسية.
فالعامل في التعليم، والصحة، والعدل، والاتصالات، والجماعات الترابية، والنقل، والموانئ، والفوسفاط، والبريد، والصناعة التقليدية، والقطاع الخاص وغيرها، ليس مجرد ناخب، بل هو أيضاً فاعل اجتماعي يعيش يومياً التحولات التي يعرفها المجتمع، ويعاين عن قرب أثر السياسات العمومية على الحياة اليومية.
ولهذا شدد إدريس لشكر في ختام كلمته على أن اللقاء ينبغي ألا يكون محطة احتفالية عابرة، وإنما «منطلقاً للعمل» بين الاتحاد الاشتراكي والفدرالية الديمقراطية للشغل.
فالرهان، بالنسبة إليه، يتجاوز الفوز بمقاعد انتخابية إلى إعادة الاعتبار للمشاركة السياسية، ومواجهة الإحباط والعزوف، واستعادة الثقة في المؤسسات والأحزاب والنقابات.
23 شتنبر.. موعد لمساءلة الحصيلة وبناء البديل

مع اقتراب 23 شتنبر، يضع الاتحاد الاشتراكي أمام الناخبين عنواناً سياسياً واضحاً: مساءلة من تحمل المسؤولية، ورفض احتكار الاختيار، والدفاع عن برنامج يقوم على العدالة الاجتماعية والمجالية.
وفي هذا السياق، لا تبدو «التنمية العادلة» مجرد عنوان انتخابي، بل محاولة لتقديم تعريف مختلف للتنمية: تنمية تقاس بأثرها على المواطن، وتوزع ثمارها على الجهات والفئات، وتحمي الأجيال، وتمنح الشباب فرصاً، وتضمن للمرأة حقوقها، وللعامل كرامته، وللمتقاعد حياة لائقة، وللمواطن خدمات عمومية ذات جودة.
أما الرهان الأكبر الذي تحدث عنه لشكر أمام الأطر النقابية، فهو أن تتحول هذه الرؤية إلى تعبئة سياسية واجتماعية في مواقع العمل والإنتاج، وأن يتحول الحضور النقابي الكبير في المسرح الوطني محمد الخامس إلى قوة فعل في الميدان.
وهكذا بدا الملتقى الوطني للأطر النقابية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أكثر من مجرد لقاء تنظيمي؛ فقد كان إعلاناً عن مرحلة جديدة في العلاقة بين الحزب والفدرالية، وعن محاولة لاستعادة النقابة لموقعها كقوة اجتماعية، والحزب لموقعه كقوة اقتراح ومعارضة، وعن استعداد لخوض الاستحقاق الانتخابي بمنطق مختلف: لا الاكتفاء بمواجهة الخصوم، بل تقديم بديل يقوم على التنمية العادلة، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والمشاركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي لحظة سياسية دقيقة، يبدو أن الرسالة التي أراد الملتقى أن يبعث بها واضحة: إن الانتخابات ليست فقط سباقاً نحو المقاعد، وإنما لحظة لاختيار الاتجاه الذي يريد المغاربة أن يسير فيه بلدهم؛ وإن المشاركة ليست مجرد رقم في النتائج، بل شرط لإعادة بناء الثقة؛ وإن الأطر النقابية، بما لها من امتداد في مواقع العمل والإنتاج، مدعوة إلى أن تكون في قلب هذه المعركة الديمقراطية والاجتماعية.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

يوسف أيدي: استعادة الثقة بين الحزب والنقابة

إدريس لشكر: الاتحاد الاشتراكي حاضر في المجتمع طوال السنة وليس في موسم الانتخابات فقط

لقاء تواصلي تنظيمي بالمعاريف الدار البيضاء أنفا

الاتحاد الاشتراكي والفدرالية الديمقراطية للشغل: وحدة القيم وتكامل الأدوار