يخوض حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية استحقاقات 23 شتنبر 2026 تحت شعار “20 التزاما، من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم (إنصاف، شغل، كرامة)”، طامحاً إلى تحقيق أفق اجتماعي عبر إجراءات واقعية ومعقولة وقابلة للتنفيذ تهم الأقطاب الاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية والمؤسساتية. ويقدم الحزب برنامجه من موقع حزب وطني يسعى إلى الإسهام في إنجاح الأوراش الاستراتيجية الكبرى للمملكة، معتبراً أن الاختلاف في تدبير السياسات العمومية لا يعني اختلافاً في الغايات الوطنية الجامعة. ويستند البرنامج، بحسب الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، إلى المرجعية الاشتراكية الديمقراطية القائمة على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والديمقراطية المؤسساتية، لا على وعود عابرة.
صناعة مغربية… والربح للمغاربة: السيادة الصناعية المنتجة
نريد صناعة وطنية تنتج القيمة وفرص الشغل، وتقلص التبعية، وترفع قدرة المغرب على التصدير. نلتزم بـ:
• إبرام عقود صناعية في قطاعات الغذاء والدواء والطاقات المتجددة.
• تحقيق 1.5 نقطة نمو إضافية سنوياً.
• إحداث 250 ألف منصب شغل صناعي.
• رفع الصادرات الصناعية بنسبة 40%.
الصناعة ليست مجرد مصانع؛ إنها سيادة وشغل وقيمة مضافة تبقى داخل الوطن.
المقاولة الصغيرة… القوة الكبيرة
في قلب الاقتصاد الوطني، تقف المقاولة الصغيرة والمتوسطة كأقرب الفاعلين إلى نبض السوق المحلي، وكأكثرهم قدرة على خلق فرص الشغل المباشر. غير أن هذه المقاولات، رغم أهميتها، تواجه عقبات مزمنة: صعوبة التمويل، ضعف القدرة على الوصول إلى الأسواق، وغياب الإنصاف في الاستفادة من الصفقات العمومية.
برنامج حزب الاتحاد الاشتراكي في استحقاقات 23 شتنبر 2026 يضع هذا التحدي في صدارة أولوياته، عبر التزام واضح بدعم ومواكبة 100 ألف مقاولة، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، إضافة إلى إحداث مؤسسة مالية عمومية متخصصة في تمويل هذه الفئة ومواكبتها.
هذا التوجه يعكس وعياً بأن المقاولة الصغيرة ليست مجرد وحدة إنتاجية محدودة، بل هي رافعة استراتيجية لإنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل. حين تحصل هذه المقاولات على التمويل والسوق والمواكبة، تتحول إلى قوة كبيرة قادرة على تثبيت الشباب في سوق العمل، وتحريك عجلة التنمية المحلية، وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى.
إن تخصيص نسبة من الصفقات العمومية لهذه المقاولات يمثل خطوة عملية نحو دمقرطة الاقتصاد، حيث لا تبقى المشاريع الكبرى حكراً على الشركات العملاقة، بل تصبح فرصة متاحة أمام الفاعلين المحليين الذين يعرفون حاجيات مجتمعاتهم ويستجيبون لها بمرونة وفعالية.
الضريبة بالعدل – العدالة الجبائية
العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إذا ظل الأجير والمقاولة الملتزمة يتحملان العبء الأكبر من الضرائب، بينما تفلت مداخيل وأنشطة أخرى من المساهمة المنصفة. هنا يطرح الاتحاد الاشتراكي محوراً ثانياً في برنامجه الانتخابي: العدالة الجبائية.
الالتزامات واضحة: تخفيف العبء الضريبي على الأجراء بنسبة 10%، محاربة الريع، وتعبئة موارد إضافية تعادل 5% من الناتج عبر توسيع الوعاء الضريبي. هذه الإجراءات تهدف إلى إعادة التوازن بين مختلف الفئات، بحيث لا يبقى النظام الجبائي أداة ضغط على الفئات الملتزمة، بل يصبح أداة لتوزيع المسؤولية بشكل عادل.
العدالة الجبائية ليست مجرد تقنية مالية، بل هي ركيزة أساسية في بناء الثقة بين المواطن والدولة. حين يشعر الأجير أن مساهمته عادلة، وحين ترى المقاولة أن التزاماتها لا تتحول إلى عقوبة، يصبح النظام الضريبي أداة تحفيز على الإنتاج والاستثمار، لا مجرد وسيلة لجمع الموارد.
كما أن توسيع قاعدة المساهمة يفتح الباب أمام إدماج أنشطة ومداخيل كانت خارج الرقابة، مما يعزز الشفافية ويحد من الاقتصاد غير المهيكل. هذا بدوره يرفع من جودة الخدمات العمومية التي تمولها الضرائب، ويجعل المواطن يرى أثر مساهمته في التعليم والصحة والبنية التحتية.
يرى حزب الاتحاد الاشتراكي أن دعم المقاولات الصغيرة والعدالة الجبائية يشكلان رؤية متكاملة: الأولى تركز على تحريك عجلة الاقتصاد عبر تمكين الفاعلين المحليين، والثانية تضمن أن توزيع العبء والموارد يتم بشكل منصف.
بهذا المعنى، يصبح البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والإنصاف. فالمقاولة الصغيرة حين تجد الدعم، والأجير حين يجد العدالة، يلتقيان في مشروع مشترك: بناء اقتصاد وطني قوي، متوازن، ومندمج اجتماعياً.
إن التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ، حيث يتطلب الأمر إرادة سياسية قوية، وآليات عملية تضمن أن الالتزامات لا تبقى مجرد وعود انتخابية، بل تتحول إلى سياسات ملموسة.
الرهان على المقاولة الصغيرة هو رهان على المستقبل، والرهان على العدالة الجبائية هو رهان على الاستقرار الاجتماعي. حين يجتمعان، يمكن أن يتحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وهو ما يشكل جوهر المشروع المجتمعي الذي يطرحه الاتحاد الاشتراكي في استحقاقات 23 شتنبر 2026.
بهذا البرنامج، يسعى الحزب إلى أن تكون المقاولة الصغيرة قوة كبيرة في إنتاج الثروة والشغل، وأن تكون الضريبة أداة للعدل لا عبئاً غير منصف. إنها رؤية تجعل من الاقتصاد وسيلة لتحقيق الكرامة، ومن العدالة الجبائية أساساً لبناء مجتمع متماسك.
ويراهن الحزب بقوة على العودة إلى منطق الدولة الاجتماعية، بعدما كشفت الأزمات المتتالية عن محدودية بعض الخيارات الماكرو-اقتصادية، وأظهرت الدور المحوري للقطاع العام في تدبير الشأن العام. وفي هذا الإطار، يدعو البرنامج إلى تعزيز استقلال القضاء ونزاهته وتقريب العدالة من المواطنين، وضمان حرية الصحافة والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، إلى جانب حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة في ظل التحول الرقمي. كما يشدد الحزب على ترسيخ المساواة أمام القانون دون استثناء أو حصانة بحكم الموقع أو النفوذ، باعتبار الحريات شرطاً أساسياً لا ترفاً قابلاً للتأجيل.
لا تكتمل التنمية العادلة دون الإنصاف بين مختلف الفئات الاجتماعية والأجيال، ولذلك يضع البرنامج مقترحات محددة لفائدة الأطفال والشباب والنساء والمسنين والمتقاعدين والأشخاص في وضعية إعاقة. فبالنسبة للمسنين والمتقاعدين، تُقترح إجراءات للحفاظ على قدرتهم الشرائية وضمان ولوجهم الكريم إلى العلاج والرعاية والحماية الاجتماعية، إلى جانب إصلاح أنظمة التقاعد. أما بخصوص النساء، فإن الحزب يعتبرهن مواطنات كاملات، لا مجرد فئة تُستحضر في الخطابات الانتخابية، داعياً إلى تعزيز تمكينهن الاقتصادي ومشاركتهن الفعلية في الحياة العامة وصناعة القرار.
إلى جانب المحور الصناعي، تغطي الالتزامات الرقمية للحزب مجالات الحكامة والاقتصاد والتشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والثقافة والتنمية المجالية، ضمن رزنامة شاملة تهدف إلى تحقيق الإنصاف المجالي بين الجهات والمدن والقرى، ومحاربة الفوارق الاجتماعية التي لا تزال تكرّس التفاوت في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
يميز الحزب برنامجه بكونه لا يقتصر على الشعارات، بل يتضمن 20 التزاماً موزعة على محاور سياسية واقتصادية واجتماعية، مع ربط المقترحات بآجال زمنية ومؤشرات للقياس، بما يجعل الوثيقة الانتخابية أقرب إلى تعاقد سياسي قابل للتقييم والمحاسبة أمام الناخبين، لا مجرد وعد عابر يُنسى بعد الاستحقاق.
بين السيادة الصناعية المنتجة، والدولة الاجتماعية الحامية، والحكامة الديمقراطية، يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه كحزب يسعى إلى تناوب واقعي يجمع بين الطموح واحترام الإمكانات الفعلية للدولة، واضعاً المواطن -بمختلف فئاته وأجياله- في قلب أولوياته لاستحقاقات 2026.


تعليقات الزوار ( 0 )