يشكل اللقاء الوطني للأطر النقابية الذي ينظمه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، برئاسة أخينا الأستاذ إدريس لشكر، الكاتب الأول للحزب، يوم الأحد 6 شتنبر 2026 بمسرح محمد الخامس بالرباط، محطة سياسية وتواصلية وإشعاعية ضمن دينامية الحزب استعدادا للاستحقاقات المقبلة. وينعقد اللقاء تحت شعار «نحو المستقبل بثقة وعدالة اجتماعية»، بما يعكس إرادة لتعزيز حضور قضايا الشغل والعدالة الاجتماعية، وربط الشق الاجتماعي للبرنامج الانتخابي بخبرة الأطر النقابية وانتظارات الشغيلة وعموم العمال والمأجورين.
وليس هذا التوجه غريبا عن تاريخ الحركة الاتحادية التي تشكلت من تفاعل النضال الوطني والديمقراطي والاجتماعي. فمن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الاشتراكي، ظلت قضايا العمال والمأجورين والحريات النقابية والعدالة الاجتماعية جزءا أصيلا من تصوره للديمقراطية. وعكست مراحل التقاطع بين الحركة الاتحادية ومكونات الحركة النقابية، من الاتحاد المغربي للشغل إلى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ثم الفيدرالية الديمقراطية للشغل، بحثا عن صيغة تحفظ استقلالية الفعل النقابي وتربطه بأفق ديمقراطي واجتماعي أوسع.
وفي مقدمة هذا التقاطع تبرز اليوم الفيدرالية الديمقراطية للشغل كبديل نقابي تأسس سنة 2003 في سياق كان للحضور الاتحادي فيه دور أساسي، وراكم تجربة في الدفاع عن الشغيلة وربط الاستقلالية النقابية بالعدالة الاجتماعية. وعلاقتها بالاتحاد الاشتراكي ليست علاقة تبعية أو وصاية، ولا تقوم على فصل مصطنع بين السياسي والنقابي، بل على التكامل والاستقلالية ضمن اعتماد متبادل بناء وإيجابي، أو interdépendance constructive. فالمجتمع يفرز حاجاته وانتظاراته، لتلتقطها النقابة وتؤطرها وتفاوض بشأنها، فيما يمنحها الفعل السياسي امتدادها المؤسساتي والتشريعي، لتعود نتائج السياسات إلى المجتمع محلا للتقييم والمساءلة.
ومن هنا تتقاطع المرجعيتان الاتحادية والفيدرالية حول قيم الديمقراطية والحرية والكرامة والحداثة والمساواة والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق العمال والمأجورين ومكتسباتهم، والحماية الاجتماعية والمرفق العمومي والحريات النقابية، ومواجهة رهانات الرقمنة وتحولات سوق الشغل وتمكين النساء والشباب والانتقال العادل. وهكذا، تتمتع الفيدرالية بموقع الحليف النقابي الاستراتيجي للاتحاد الاشتراكي، مع استقلالية القرار وتكامل الأدوار؛ فالخبرة النقابية تمد الفعل السياسي بمعرفة الواقع من قلب مواقع العمل ومن صميم المعاناة اليومية للطبقة العاملة، فيما يمنح الفعل السياسي والتشريعي المطالب المهنية امتدادها في الحقوق والقوانين والسياسات العمومية.
وإذا كان هذا التقارب تاريخيا في جذوره، فإنه تعزز بصورة أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة، بما لا يدع مجالا للشك في عمق الصلة السياسية–النقابية مع الحفاظ على استقلالية القرار لدى الطرفين. فقد شكل المؤتمر الوطني الرابع للفيدرالية الديمقراطية للشغل سنة 2014 محطة أساسية في إعادة تثبيت مشروع البديل النقابي وقيمه، قبل أن يمنح المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في دجنبر 2022 هذه الدينامية نفسا جديدا بقيادة أخينا يوسف أيذي، الكاتب العام للفيدرالية، ويعزز مسار الالتقائية والتكامل مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ويتجسد هذا التقارب اليوم أيضا في الحضور الوازن للأطر الفيدرالية داخل البنية القيادية للحزب، إذ يضم المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي المنبثق عن المؤتمر الوطني الثاني عشر أربعة أعضاء من المكتب المركزي للفيدرالية الديمقراطية للشغل وهم الأخ يوسف أيذي والأخ كريم بالمقدم والأخ حميد كجي و الأخت خديجة كنيان، بما يعكس مكانة الخبرة النقابية داخل صناعة الرؤية والقرار السياسيين. كما انتقل هذا الحضور إلى واجهة الاستحقاقات التشريعية الحالية من خلال ترشيح عدد من الأطر الفيدرالية في اللوائح المحلية والجهوية للحزب، وفي مقدمتهم الأخت خديجة كنيان، عضو المكتب المركزي للفيدرالية، وكيلة للائحة الجهوية للنساء بجهة الرباط–سلا–القنيطرة، والأخ محمد نويگة، عضو المكتب المركزي، وكيلا للائحة المحلية بسيدي سليمان. وهي مؤشرات لا تختزل العلاقة في بعدها التنظيمي أو الانتخابي، بل تعكس إرادة في تمكين الخبرة النقابية من امتداد سياسي ومؤسساتي قادر على حمل قضايا الشغيلة والطبقة العاملة إلى فضاءات التشريع والقرار.
ولا يعني هذا التحالف الاستراتيجي الانغلاق أو الحصرية، إذ يظل الطرفان منفتحين على مختلف الكفاءات والمشارب، مع احترام التعددية وحرية الانتماء والعمل السياسي والنقابي. فالتقارب، مهما بلغ من قوة ووضوح، لا يلغي استقلالية التنظيم النقابي ولا يحوله إلى امتداد حزبي، كما لا يجعل الانتماء إلى الحزب شرطا للانتماء إلى الفيدرالية، وإنما يؤسس لشراكة قائمة على الالتقائية في المشروع الاجتماعي والتكامل في الأدوار واستقلالية القرار.
ومن أبرز تجليات هذه الدينامية الحضور المتقدم لقطاع الصحة الاتحادي والنقابة الوطنية للصحة العمومية، العضو المؤسس للفيدرالية الديمقراطية للشغل، بقيادة أخينا الدكتور كريم بالمقدم، كتجربة عملية لوصل الفعل السياسي بالممارسة النقابية داخل قطاع اجتماعي حيوي. فقد أسهم هذا الحضور في نقل قضايا مهنيي الصحة وتحديات إصلاح المنظومة إلى صلب النقاش السياسي، وربط الحقوق والمكتسبات وتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية بالدفاع عن المرفق الصحي العمومي وجودة الخدمات والعدالة المجالية وحق المواطن في الولوج الفعلي والمنصف إلى العلاج. فالنقابة تنتج خبرة ميدانية وتنقل واقع المهنيين وانتظاراتهم، بينما يمنح الفعل السياسي هذه القضايا امتدادها داخل البرنامج والتشريع والرقابة والنقاش العمومي، بما يحولها إلى قضية مجتمعية تجمع بين إنصاف الشغيلة وحق المواطن في خدمة صحية عمومية عادلة وذات جودة.
ومن هذه الزاوية يكتسب شعار «التنمية العادلة» في البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي مضمونه الاجتماعي الحقيقي في أفق الاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026. فلقاء 6 شتنبر محطة لتوحيد جهود الأطر النقابية الاتحادية وتعزيز التعبئة السياسية والنقابية، وربط التزامات الحزب في الأجور والقدرة الشرائية والصحة و التعليم و السكن والحماية الاجتماعية والعمل اللائق والعدالة المجالية بالخبرة النقابية والمهنية، بما يسهم في بلورة تعاقد اجتماعي واضح يستجيب لقضايا الشغل وانتظارات وآمال المهنيين والطبقة العاملة. كما يتيح تعميق النقاش حول العدالة الاجتماعية، والدفاع عن مصالح الشغيلة، ومضامين البرنامج الانتخابي الاجتماعي المنصف، وتعزيز انخراط القطاعات والأطر النقابية في الحياة السياسية والحملة الانتخابية، بما يجعل هذه المحطة رافعة للتعبئة والاستعداد الجماعي للاستحقاقات المقبلة. فلا تنمية عادلة إذا ظلت ثمار النمو مركزة، ولا عدالة اجتماعية مستدامة من دون اقتصاد منتج يخلق الثروة وفرص الشغل ويمول الحقوق والخدمات العمومية.
وفي صلب هذا الرهان تبرز القدرة الشرائية والتقاعد والمرفق العمومي. فحماية مداخيل الأجراء والموظفين تقتضي استعادة ما فقدته من قيمتها الحقيقية، وإصلاح التقاعد لا ينبغي أن يحمل الشغيلة وحدها كلفة الاختلالات، بل أن يقوم على توزيع عادل للمجهود بين الدولة والمشغلين والأجراء، مع حماية الحقوق والمعاشات الضعيفة وضمان استدامة الأنظمة. كما ينبغي أن يظل المرفق العمومي أداة لتحقيق المساواة والولوج العادل إلى الحقوق والخدمات، بما يستوجب تمويلا مستداما وعدالة ضريبية تحمي أصحاب المداخيل الصغيرة والمتوسطة، من دون الإضرار بالاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل، بما يحقق التوازن بين إنتاج الثروة وعدالة توزيعها وصيانة الحقوق الاجتماعية.
وفي مقابل هذا الطموح، تكشف حصيلة الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية عن فشل واضح في بناء مقاربة اجتماعية تستجيب لانتظارات الطبقة العاملة وعموم الأجراء، بعدما غلب على توجهها منطق ليبرالي أعطى الأولوية للتوازنات الماكرو اقتصادية ودعم المقاولات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، دون إنصاف مواز للأجراء أو حماية كافية لحقوقهم وقدرتهم الشرائية. وأسهم تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية وتركيز التحفيزات والامتيازات في تعميق الإحساس باختلال توزيع ثمار النمو، مقابل تحمل العمال والأجراء كلفة غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وضغوط العمل واتساع الهشاشة، وكأن الشغيلة مجرد عنصر في الدورة الاقتصادية والإنتاجية، لا شريكا أساسيا في إنتاج القيمة المضافة ومن حقها الاستفادة العادلة من ثمارها.
وانعكس هذا التوجه على الحوار الاجتماعي والملفات التشريعية المرتبطة بالحياة المهنية والاجتماعية للأجراء والعمال والموظفين، إذ ظل الحوار موسميا وانتقائيا ومحدود الأثر، ومحكوما بتمثيلية ضيقة لم تستوعب تعددية المشهد النقابي وتحولات سوق الشغل، مع تفاوت واضح بين مستوييه المركزي والقطاعي. كما عمق تعثر تنفيذ الالتزامات والاتفاقات الجماعية والقطاعية أزمة الثقة، وأبقى النتائج دون مستوى الانتظارات في القدرة الشرائية وجودة الخدمات وتقليص الفوارق، وساهم في استمرار مظاهر الاحتقان وتوالي الاحتجاجات في قطاعات ومهن مختلفة.
كما اختارت الحكومة في تدبير ملفات اجتماعية وتشريعية كبرى منطق التغول السياسي و القوة العددية للأغلبية بدل بناء توافق اجتماعي واسع، كما برز في تمرير التشريع المنظم لممارسة حق الإضراب، مقابل استمرار التأخر في إخراج قانون حديث للمنظمات النقابية يؤطر الحياة النقابية ويعزز الديمقراطية الداخلية والشفافية ويجدد قواعد التمثيلية بما يواكب تحولات سوق الشغل. وهكذا تركزت أعطاب المقاربة في ضعف مأسسة الحوار، وضيق دائرة المشاركة، وتعثر تنفيذ الالتزامات وتتبع أثرها، بما أبقى الحوار في كثير من المحطات أداة لتدبير التوتر واحتواء الاحتقان بدل أن يكون مؤسسة دائمة ومنتجة للسلم الاجتماعي.
ولهذا تتجاوز محطة 6 شتنبر التعبئة الظرفية المرتبطة بالاستحقاقات إلى ترسيخ مسار دائم يربط الخبرة النقابية بالفعل السياسي والبرلماني، ويمنح الشق الاجتماعي للبرنامج الانتخابي امتداده في ميثاق اجتماعي واضح وأجندة تشريعية قابلة للتتبع والتقييم والمساءلة. ومن هنا فإن الحضور ليس تفصيلا تنظيميا، بل جزء من نجاح الرهان نفسه. وندعو جميع الأطر النقابية الحزبية، بمختلف قطاعاتها ومواقعها وروافدها، إلى الحضور المكثف والانخراط المسؤول والفاعل والمساهمة الجماعية في إنجاح هذه المحطة، بما يعزز حضور قضايا الطبقة العاملة والعدالة الاجتماعية في البرنامج والممارسة الاتحادية، ويجعل الاستقلالية في القرار، والتكامل في الأدوار، والالتقائية في المشروع الاجتماعي، أسسا لعلاقة سياسية–نقابية متجددة. فلنكن جميعا في الموعد، لأن قوة 6 شتنبر لن تقاس بعدد الحاضرين فقط، بل بقدرتنا الجماعية على جعل العدالة الاجتماعية في قلب القرار السياسي والبرنامج والممارسة.

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الجهة 13 تطلق نداء وطنيا لتعبئة مغاربة العالم للمشاركة في تشريعيات 23 شتنبر

حين تصبح المعارضة صراخا.. يختار الاتحاد الاشتراكي أن يكون بديلا

عبد الغني كامل.. إنصات أعمق لنبض الحوز

الاتحاديون بإقليم وزان يؤكدون الوحدة والتلاحم من اجل انجاح الاستحقاقات التشريعية المقبلة