بقلم بديعة الراضي
لم يكن المهرجان الخطابي الذي احتضنه مسرح محمد الخامس مجرد موعد انتخابي عابر، ولم يكن ذلك الحضور الكبير الذي تدفق إلى جنبات المسرح حدثا عاديا يمكن اختزاله في أرقام أو صور عابرة. لقد كان مشهدا سياسيا وإنسانيا كثيف الدلالات، عنوانه الأبرز أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ما زال قادرا على استنهاض ذاكرة الناس وأملهم في التغيير.
جاؤوا بالمئات، بل بالآلاف. جاؤوا من أزقة الرباط و سلا وممراتهما الشعبية، ومن مختلف دروب أقاليم الجهة. لم تحملهم حافلات مستأجرة، ولم تدفعهم حسابات المصالح الضيقة، ولم تجمعهم وعود عابرة. جاءوا بإرادتهم، وبإمكاناتهم الخاصة، يحملون الوردة في أيديهم كما يحمل المؤمنون بفكرة راية انتمائهم.
كانت الوردة حاضرة في كل زاوية من زوايا المسرح، لا باعتبارها مجرد رمز انتخابي، بل باعتبارها اختصارا لحلم جماعي في مغرب أكثر عدالة وكرامة وإنصافا.
كان الحاضرون يرفعون الوردة عاليا ويرددون اسمها حتى بحت الأصوات، وكأنهم يريدون أن يقولوا إن التغيير ليس شعارا يكتب على اللافتات، بل إرادة شعبية تتشكل في القلوب قبل صناديق الاقتراع.

وعندما اعتلى الكاتب الأول منصة الخطابة، لم يكن يخاطب جمهورا صامتا، كان يتحدث إلى ناس يعرفون جيدا معنى الانتظار الطويل، ويعرفون كذلك معنى الأمل. لذلك كانت الزغاريد تقاطع الكلمات، وكانت الهتافات تتعالى من المدرجات، وكان شعار “الرباط اتحادية” يتردد بقوة بين الجدران، بينما اختلط التصفيق بالشعارات التي حملت وجع الناس ومعاناتهم مع سنوات من خيبات الأمل ،كما خيباتهم مع صناع الوعود الكاذبة وتجار السياسة.
في تلك اللحظات، لم يكن الحضور يستمع فقط، بل كان يشارك في صناعة المشهد. بعضهم كان ينشد قوة جديدة للمستقبل، وبعضهم كانت الدموع تسبق الكلمات في عينيه. دموع لم تكن دموع ضعف، بل دموع ذاكرة تستحضر سنوات النضال، وتستعيد حلم مغرب يضع الإنسان في صدارة أولوياته.

لقد بدا واضحا أن الرسالة التي أراد الحاضرون إيصالها تتجاوز جدران المسرح. كانوا يخاطبون أيضا أولئك الذين لم يتمكنوا من الحضور، أو الذين ما زالوا مترددين أمام استحقاقات الغد. هي رسالة بسيطة وواضحة،تتلخص في أن التغيير ممكن، وأن الأمل ما زال قائما، وأن الوردة بالنسبة إليهم ليست مجرد رمز انتخابي، بل عنوان مشروع يرون فيه مخرجا من الإحباط والتهميش وفقدان الثقة.
إنما حدث في مسرح محمد الخامس لم يكن مجرد تجمع جماهيري، بل كان استفتاء شعبيا على حضور فكرة ما زالت قادرة على الحياة. فكرة ولدت من الأحياء الشعبية، ومن معاناة الناس اليومية، ومن نضالات أجيال آمنت بأن السياسة يمكن أن تكون خدمة للمجتمع لا تجارة بالمصالح.
ولهذا، فإن الصورة التي ستبقى عالقة في الذاكرة ليست صورة المنصة وحدها، بل صورة الآلاف وهم يغادرون المسرح بالروح نفسها التي دخلوا بها، متمسكين بالوردة،و مؤمنين بالتغيير، ومقتنعين بأن صوتهم في الثالث والعشرين من شتنبر يمكن أن يكون بداية صفحة جديدة يكتبها المواطنون بأيديهم، لا تجار السياسة بوعودهم.



تعليقات الزوار ( 0 )